رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو
جسد أحداث الأسبوع الأخير في الساحة اللبنانية التناقضات الخاصة في وضعنا الاستراتيجي. من جهة، سلسلة حملات استخبارية عملياتية مبهرة على مستوى عالمي – على حدود النشوة الخطيرة، ومن جهة أخرى جملة تساؤلات عن إخفاقات السياسة في إدارة المعركة منذ 7 أكتوبر من العام الماضي.
ليس سراً أن الجيش الإسرائيلي أعد خططاً قتالية للبنان منذ أشهر طويلة بل وعرضها على أصحاب القرار. معقول الافتراض بأن ما نفذ في الأسبوع الأخير قريب جداً من هذه الخطط، مع إضافة تحديثات استخبارية للزمن الحقيقي. وحتى الحرب النفسية، والسيطرة على محطات الإذاعة ونجاح تحريك السكان شمالاً، ليست ابتكار الأيام الأخيرة. فالإحساس أن الجيش الإسرائيلي كان كرفاص متحفز انتظر الضوء الأخضر زمناً طويلاً.
بافتراض أن إسرائيل تقف من خلف “حملة البيجر وأجهزة الاتصال” فقد كانت هذه القدرات تحت تصرف قادة المعركة منذ زمن بعيد. فالتفوق الاستخباري المطلق والقدرات الهجومية العملياتية المذهلة هي “الحلم الرطب” لكل صاحب قرار.
قال رئيس الوزراء هذا الأسبوع: “لا ننتظر التهديد، بل نسبقه في كل مكان، وفي كل ساحة وكل وقت”. ليس هناك تزوير أكبر من هذا للواقع. فنحن منذ سنة كاملة في هذه الحرب، وهذا الأسبوع فقط تمت الحملة الهجومية القومية. وما ينطوي عليه قول رئيس الوزراء كان ينبغي أن يحملنا للمبادرة إلى حملة قبل أشهر عديدة بل وربما في 11 أكتوبر، كما أوصى وزير الدفاع والقيادة الأمنية. وبخلاف أقواله، كنا بالفعل ننتظر التهديد حتى الأسبوع الماضي – ولم نسبقه. تركنا سكان الشمال لمصيرهم وكبحنا الجيش الإسرائيلي. وقبل أسبوع، تذكرت حكومة إسرائيل أن تحدد هدف حرب (غامضاً!) للساحة الشمالية.
في 2006 بدأت حملة “وزن جوهري” في هجوم على عشرات المنازل في لبنان، كانت الصواريخ جاهزة فيها للإطلاق. فهل يذكّر هذا أحداً ما بالمعلومات الاستخبارية القائمة اليوم عن أهداف مشابهة؟ إذا كان نعم، فلماذا لم تكن مبادرة حتى الآن؟
لذا، ما هي التحديات والفرص من هنا فصاعداً؟ حتى الآن، رغم الإهانة والإصابات غير المسبوقة، لم يدخل حزب الله بعد منظومة الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى إلى قتاله، ولم يهاجم مراكزنا السكانية الكبرى. ولهذا بضعة أسباب: ضربة شديدة لمنظومة التحكم العملياتي لديه، وتشويش وانعدام ثقة بالقيادة، وتخوف شديد من أن يتحول لبنان إلى قطاع غزة، وأخيراً فإيران التي بنت منظومة حزب الله الاستراتيجية، لم تفعل ذلك لـ “تبذرها” على مساعدة حماس، بل لتساعدها هي نفسها في يوم الضائقة. وعليه، فإن سؤال الأسئلة في هذا السياق، هو: هل ومتى ستحرر إيران الاستخدام له أو هل “تقلل خسائر” كي تبقيه لنفسها؟
في الجانب الإسرائيلي ملزمون بوضع استراتيجية خروج وعدم الانجرار (أو المبادرة!) إلى حرب طويلة لا تنتهي. فالعودة إلى “روتين المعادلات” للسنة الأخيرة ليست مقبولة. وبذات القدر تعريف الحسم و/أو النصر التام ليس معقولاً. لنا مصلحة لقطع محور حزب الله – حماس، ومن جهة أخرى باتت إسرائيل ملزمة بربط استراتيجية كل الساحات بـ “خطوة محطمة للاستنزاف”.
استنفدت الخطوة العسكرية نفسها في القطاع، وبررت استراتيجية خروج ذكية منذ بضعة أشهر. صفقة المخطوفين حرجة للأمن القومي، وحان الوقت للكف عن الحديث عن صفقة على مراحل، تضمن في أفضل الأحوال إعادة قسم صغير منهم والانتقال إلى صفقة شاملة دفعة واحدة – الآن!
اللواء احتياط عاموس ملكا
إسرائيل اليوم 25/9/2024