«عقد إلحاق»: حين تنتصر الدراما للإنسان المهمش

ندوبنا صنع ماضينا، هذه الفكرة تعيدنا إلى مقولة فرويد: (الطفل هو أبو الرجل، أو البالغ) أيّ أنّ طفولتنا هي ما تكوّن شخصيتنا في مرحلة النضج. لعل العمل الدرامي السوري «عقد إلحاق» تبنّى هذه المقولة عبر استقصائه معاناة الأيتام المهمّشين، ولاسيما مجهولي النسب منهم. الألم ليس لسعة برد أو جوع أو تشرد، الألم اجتماع هذه الأشياء كلها في حياة فتاة مجهولة النسب يضاف إليها انتهاك الجسد والروح. «عقد إلحاق» لا يضع الإصبع على الجرح، كما يقال، بل يضع الجسد والجرح تحت ضوء كاشف يعرّي من خلاله عيوب المجتمع وخذلانه.
ولأنّ موضوع الدراما الإنسان وهمومه وإشكالاته الوجودية؛ ينبغي على صناع الدراما من ممثلين ومخرجين ومنتجين وكتاب سيناريو إلخ، أن ينهضوا بهذا الفن بعيداً عن شهوة التسويق وقانون العرض والطلب، وهنا أذكر على سبيل المثال دراما البيئة الشامية، التي قدمت صورة سطحية مشوهة عن المرأة السورية، والدراما المعرّبة حين تتجاهل عالم الإنسان الداخلي وتركز على عالم الأشياء والمظاهر الخادعة وصولاً إلى تشييئ الإنسان.
«عقد إلحاق» دراما تحترم عقل المشاهد بدءاً من المقدمة التي تسبق أغنية العمل وهي في كل حلقة بمثابة رمية نرد تطرح سؤالاً ما، وتلمّح إلى جانب خفي في الأحداث وانتهاء بآخر مشهد. ولعل أبرز ما يلفت المشاهد تقطيع الزمن؛ ذلك أنّ الزمن لا يتبع منحى زمنياً خيطياً، بل ثمة مساحات زمنية متشابكة يتداخل فيها حاضر الشخصية (ريمة)التي قامت بأدائها الممثلة الموهوبة (دانا مارديني) مع ماضيها بمراحله المختلفة. ومن الواضح أنّ الانبعاث اللاواعي للماضي يغيّب العلامات الزمنية بين الماضي والحاضر، بسبب «إهلاسات بصرية» لشخصية ريمة فتاة دارالأيتام مجهولة النسب في الماضي، والفنانة التشكيلية والنحاتة التي تعيش في كنف أسرة محبة ومتعلمة وداعمة في الحاضر بموجب عقد إلحاق.
في غير قليل من أحداث الحاضر لدى شخصية ريمة ثغرة تنفتح على الماضي المؤلم. ولعل التناوب بين الماضي والحاضر، بين الواقع ووهم الواقع شوّق المشاهد، ودفعه إلى متابعة الأحداث التي لم تنكشف وتتوضح بشكل نهائي إلا في الحلقة الأخيرة.
عبرت ريمة عن معاناتها ونزعاتها النفسية المكبوتة عن طريق الفن التشكيلي والنحت، وهذا يعيدنا أيضاً إلى نظرية فرويد في فهمه لظاهرة الكبت التي تمنع النزعات النفسية من الظهور. هنا الكبت لا يقضي على النزعات النفسية المكبوتة، بل يبقيها متخفية في اللاشعور؛ لأن الأنا العليا تمنعها من الظهور لتظهر في حالة ريمة من خلال إدراكها الخاص للعالم والأشياء، والقدرة على تجسيدهما رسماً ونحتاً.
لم يكتف العمل الدرامي «عقد إلحاق» باستقصاء العالم الداخلي للأيتام ومجهولي النسب ومعاناتهم؛ بل تطرق إلى قضايا على درجة عالية من الأهمية منها، الهجرة غير الشرعية، وانكسار أحلام الشباب، وتهريب الآثار وغيرها.. ولئن كانت نهاية العمل طوباوية مثالية، فإن صنّاع العمل الدرامي أرادوا أن يقولوا لنا: إن الخلاص يكون عن طريق الحب، وإن الإنسان يبقى قادراً على الحب والعطاء مهما خذله الواقع وتهتكت بطانته الداخلية. وما يجدر التنويه به أن التركيز على شخصية ريمة لا يلغي أهمية الممثلين الآخرين: (مهيار خضور، سمر سامي، صباح الجزائري، نانسي خوري، قمر خلف، شادي الصفدي، وغيرهم..) وكتّاب العمل وجهود المخرج ورد حيدر، ومرونته الواضحة في التعاطي مع نص السيناريو وتحويله إلى لغة الكاميرا. «عقد إلحاق» دراما الإنسان المهمش المقهور والجراح التي كشفها وعرّاها هي وسيلة ثأره النبيلة من هذا الواقع..

كاتبة سوريّة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية