الهجمة العنيفة في الضاحية جزء من خطة مرسومة أم نتيجة معلومة استخباراتية ذهبية طارئة؟

وديع عواودة
حجم الخط
1

الناصرة ـ «القدس العربي»: هل جاءت الهجمة الوحشية التي قامت بها إسرائيل مساء الجمعة على مقر قيادة حزب الله في الضاحية وقبرت مئات المدنيين معها وتسببت بقتل قيادات إضافية، وفق خطة مسبقة أم أنها قرار اتخذته في لحظته بعد تلقيها «معلومة ذهبية» حول مشاركة حسن نصر الله في اجتماع تشاوري مع القيادة؟ حول هذا السؤال أيضا الجواب ليس واضحا بل هناك تقديرات وتقارير صحافية متناقضة في إسرائيل والعالم. ففيما قالت القناة 12 العبرية بأن الاستهداف الخطير جاء وفق قرار اتخذته حكومة الاحتلال يوم الإثنين الماضي ضمن عملية «سهام الشمال» توضح صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية أن «معلومة استخباراتية ذهبية» قادت لمعرفة مكان تواجد حسن نصر الله ومن ثم اغتياله بعشر قنابل زنة كل منها 2000 رطل وهي أمريكية الصنع. وطبقا لرواية «نيويورك تايمز» فقد وصل نصر الله لاجتماع تمّ في مقر قيادة حزب الله داخل مبنى في باطن الأرض في الضاحية قلعة حزب الله. وتوضح الصحيفة الأمريكية أن خمس جهات إسرائيلية رسمية تحدثت لهم قالوا إن الهجمة في قلب الضاحية في بيروت مساء الجمعة تمّت فور وصول معلومة ثمينة جدا عن مشاركة نصر الله في الاجتماع القيادي.

تقديرات إسرائيلية

في المقابل أشارت تقديرات إسرائيلية عسكرية منذ مساء الجمعة أن حسن نصر الله قد قتل جراء هذه الغارة الجوية وكشف حزب الله السبت عن نتائجها مؤكدا استشهاد حسن نصر الله في العملية. وتفيد التقديرات الإسرائيلية أن جيش الاحتلال استخدم طائرات حربية من طرازات متنوعّة منها طائرة الشبح من نوع إف 35 وقادت عملية الاستهداف وتركت دمارا هائلا في بيروت حيث مسحت عمارات كاملة وسوتها بالأرض وتسببت بدفن مئات من سكانها المدنيين طمعا بقتل قيادات حزب الله في مقر القيادة أسفلها. من جهته قال الناطق بلسان جيش الاحتلال دانئيل هغاري إن الجيش الإسرائيلي هاجم مقر القيادة المركزية لحزب الله الكامن أسفل بنايات سكنية في الضاحية الجنوبية. لافتا لعدم تغيير قيادة الجبهة الداخلية للتعليمات الخاصة بالحياة اليومية للمدنيين علما أن صواريخ حزب الله طالت مناطق أوسع ليل الجمعة ونهار السبت لكنه امتنع حتى الآن من تصعيد كبير بالكم والكيف يرتقي لمستوى حدث الهجوم العنيف على الضاحية.

حرب استنزاف

في كل الأحوال فإن هذه الهجمة على بيروت بعد عام من الاشتباك بين إسرائيل وحزب الله الذي يعتبرها جبهة إسناد وإشغال تبقى هزة أرضية ونقطة تحّول فارقة في مسيرة المواجهة بين الجهتين، وبخلاف حالة النشوة وسكرة القوة في إسرائيل من الصعب معرفة تبعاتها ونتائجها ليس فقط من ناحية استشهاد نصر الله. ونصر الله ليس مجرد قائد سياسي وعسكري، فهو مرشد روحاني بنى مكانة وشعبية تجاوزت حدود لبنان وبات لاعبا مركزيا في الشرق الأوسط ومن أبرز قادة محور المقاومة منذ أن تولى منصبه كأمين عام للحزب عقب اغتيال الأمين العام الثاني عباس موسوي عام 1992. هي هزة أرضية ربما تتسبب بهزات ارتدادية وإشعال حرب أكبر تتسع وتصبح إقليمية وتهدد الأمن العالمي رغم أن الأطراف ترغب حتى الآن بعدم الإسراع لهاوية الحرب الشاملة. ردا على عمليتي تفجير وسائل الاتصالات وسلسلة اغتيال القيادات ومن ثم «سهام الشمال» وهي عملية وليست حربا وفق التعريف القانوني الإسرائيلي، صعّد حزب الله فوسّع دائرة الاستهداف لكنه تحاشى قتل المدنيين الإسرائيليين ويبدو أنه ملتزم بفكرة جبهة المشاغلة والإسناد والاستنزاف.

البحث عن ضربة «نوك أوت»

ولم يغير حزب الله جوهريا من قوة ردوده بعد رغم الهجمة الخطيرة على مقر قيادته في الضاحية، فالصواريخ زادت من ناحية الكم والمدى، لكنه بشكل عام لم يفعّل طاقات أشد خطورة يمتلكها. حزب الله منذ سنوات منسجم مع الرؤية الاستراتيجية التي تبنتها إيران منذ سنوات كثيرة، استراتيجية «سوار النار» لاستنزاف إسرائيل بحرب طويلة وجبهات متعددة وذلك كخلاصة عميقة من ميزان القوى المختل لصالح إسرائيل: فكرة ألف ضربة عصا متتالية وبالتدريج بدلا من ضربة مدفع. من جهتها اكتشفت إسرائيل أنها ارتكبت خطأ فادحا حينما لعبت منذ الثامن من أكتوبر 2023 في ملعب حزب الله حتى انتقلت للتصعيد قبل أسبوعين ونيف حينما شرعت في عمليات متتالية لقصم ظهر حزب الله وإرباكه وإفقاده توازنه وتمس بهيبته عبر تفجير وسائل الاتصال واستهداف القيادات ومخازن السلاح والصواريخ النوعية في عملية خاطفة تمنحها فرصة لوقف النزيف بالضربة القاضية «نوك أوت» بضربات نوعية بدأتها بـ«الصدمة والترويع» على الطريقة الأمريكية. بحثت إسرائيل عن عملية تغّير واقع المواجهة مع حزب الله ومع محور المقاومة يغير الواقع استراتيجيا يعيد للذاكرة عملية الإنزال «نورماندي» لحسم الحرب العالمية الثانية لصالح الحلفاء. وفي تقدير أولي يبدو أن تقديرات حزب الله أخطأت في قراءة قدرات ونوايا إسرائيل وما زال عالقا بمفهوم ساد بعد حرب لبنان الثانية عام 2006 ومن غير المستبعد أن السجالات والخلافات الداخلية الواسعة في إسرائيل خلال 2023 قد ساهمت هي الأخرى في نسج صورة مغلوطة في الوعي وفي تقديرات لقوة وإمكانيات إسرائيل. مثلما أن إسرائيل استخفت بحماس حتى ما وقع «الفاس بالراس» في السابع من أكتوبر ووجدت نفسها غير جاهزة لمواجهة مع حماس طالت سنة دون تحقيق كل أهدافها المعلنة، يبدو أن حزب الله تورط بشيء من الاستخفاف بقدرات وإمكانيات ومخططات إسرائيل التي دمرت قطاع غزة وانشغلت خلسة بالإعداد لليوم الموعود على الجبهة اللبنانية. يبدو حتى كتابة هذه السطور أن حزب الله هو الآخر لا يسارع للعب في ملعب إسرائيل الجديد مفضلا البقاء في ملعب الاستنزاف من منطلق فهم ميزان القوى والتزاما بفكرة «الصبر الاستراتيجي» وتماشيا مع رؤية إيران التي تكثر من الثرثرة ولا تسارع لترجمة الأقوال للأفعال بل لم تثأر بعد لاغتيال اسماعيل هنية في طهران رغم أنها ملأت الدنيا تهديدا ووعيدا، فماذا يمكن أن تفعله إسرائيل في هذه الحالة؟
هل تنضم إيران؟
من المرجح أن إسرائيل ما زالت تملك زمام المبادرة والقدرة على القيام بمفاجآت تباغت بها أعدائها بحكم القدرات الاستخباراتية الكبيرة التي بنتها طيلة سنوات وبفضل دعم سخي واسع من قبل الولايات المتحدة التي تحاول نأي نفسها عن الهجمة الخطيرة في بيروت. ومن المتوقع أن تستنفد إسرائيل إمكانياتها الجوية وقدرات تفعيل النار عن بعد لكسر عظم حزب الله وإرغامه على فك الارتباط مع غزة والموافقة على تسوية بشروطها تستند في أساسها للقرار الأممي 1701 مع إضافات وشروط جديدة. حتى الآن حزب الله لا يسارع لرد يقود لحرب شاملة علما أن حربا كهذه لم تنشب عندما اغتالت إسرائيل سلف نصر الله،عباس موسوي الأمين العام لحزب الله عام 1992 وبحال تبين أن حزب الله قادر رغم الضربات الموجعة مواصلة حرب استنزاف ستدخل إسرائيل في خيار لا تريده: حملة برية ستكون مكلفة لها وربما ينتظرها حزب الله فهو يعرف كيف يواجهها بحرب عصابات موجعة لعدوه كما تدلل تجارب حربي لبنان الأولى والثانية.
إيران، تواصل الإدانة لكنها تحاذر في المشاركة في «فزعة» يحتاجها الآن حزب الله أكثر من أي وقت مضى، فهي أيضا ترى القدرات الجوية الاستخباراتية الإسرائيلية وهي تحرص على منشآتها النفطية والنووية بالدرجة الأولى وربما تبحث عن الاستمرار بحرب استنزاف أو عن مخارج سياسية والابتعاد قدر الإمكان عن خطر الحرب الإقليمية بل حتى من الحرب الشاملة حفاظا على حزب الله الذي تعتبره ذخرا استراتيجيا لها كانت تعتقد أنه عامل يردع إسرائيل عن مهاجمتها.
وأمام انفجار مشاعر النشوة وسكرة القوة في إسرائيل التي تشهد دعوات للمزيد من الضربات ورفض منطق التسويات مع حزب الله، حذّر الرئيس الأسبق للاستخبارات العسكرية الباحث دكتور عاموس يادلين من مغبة الاندهاش الزائد ومما وصفه بالانبهار من الهجمة المدهشة في الضاحية مساء الجمعة. في حديث للإذاعة العبرية الرسمية صباح السبت قال يادلين إنه «علينا الاكتفاء بهذه الضربة التي وجهناها على حزب الله وصولا لقرار 1701 متطور مع إضافات وضمانات وعند استغلال خروج حزب الله من دائرة المواجهة سيكون سنوار أقرب لصفقة الآن تعيد المخطوفين».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية