«أيها الشاعر فيّ» لـ محمد حلمي الريشة: البحث عن القصيدة داخل الشذرات الشعرية

حجم الخط
0

بالاستفادة من المنجز الشعري الإنساني العربي وغير العربي، ومن مدارسه المختلفة شرقاً وغرباً، يخرج علينا الشاعر محمد حلمي الريشة بديوانه الجديد المعنون بــ»أيها الشاعر فيّ»، والمكون من (69) نصاً شعرياً قصيراً، ليكون من بينها نصوصا موزونة أوزان الخليل العروضية، وبعضها ينتمي إلى الشعر الحر القائم على وحدة التفعيلة بتعدد القوافي أو بقافية واحدة، وبعضها ينحو منحى القصيدة بالنثر، كما يحلو للشاعر نفسه أن يسميها.
ويظهر الشاعر كذلك مستفيداً فنياً من القصيدة غير العربية، ومن ذلك بناء القصيدة القصيرة المستفيدة من الـ(هايكو) الياباني، الذي يرى فيه رأيه عند نقله إلى العربية، لدواعي اختلاف في المزاج والعقلية والطبيعة الشاعرة والطبيعة المشخصة، ومستفيداً من القصيدة القصيرة جداً والقصيدة الومضة، وكل تلك المظاهر الفنية للقصيدة يجمعها عنوان فنيّ يشبه التجنيس الفني للقصائد «شذرات شعرية».
تتكون المادة الشعرية للكتاب من (69) نصاً شعرياً يحتل كل نص صفحة واحدة، وعلى الرغم من اختلاف الأفكار والمعاني في هذه النصوص، إلا أن الشاعر تركها غير معنونة وغير مرقمة أيضاً، وكأنها كما قال الشاعر والناقد صلاح أبو سريف في مقدمته: «إن هذه «الشذرات» تصب في بعضها، وهي تشبه حلقات السلسلة، التي بقدر ما هي منفصلة في تكوينها، ومستقلة بشكلها، بقدر ما هي امتداد في غيرها، بما يشكل النص ككل باعتباره خيطا واحداً» (ص9)، وكأنها تدل على تشظي الذات الشاعرة- كما أشار أبو سريف كذلك- والتي تعاني من قلق يجعلها تنتقل من هنا إلى هناك بحثاً عما يترك فيها قطعة من يقين، فتسلمها هذه القطعة/النص إلى قلق جديد، وهكذا حتى ينتهي الكتاب، ولا ينتهي قلق الشاعر الحالّ في نفسه، كأنه هو، بل إنه هو ذاته.
وتتراوح نصوص الكتاب في طولها ما بين (5) كلمات إلى (56) كلمة، ولعلّ بعضها هنا- فنياً- يتجاوز مفهوم الشذرة الشعرية، إلى مفهوم «القصيدة القصيرة»، ولكن ما حدود أو مواصفات كل منهما؟ وهنا قد يختلف النقاد في ما بينهم في حد الومضة الشعرية أو القصيدة الشذرية، فهل يمكن أن تتجاوز (40) كلمة؟ وما هي الكلمة؟ هل حروف الجر وحروف العطف تدخل ضمن هذا العدد؟ ربما يثير المصطلح إشكالات شكلية ليس أكثر، على أن هذا الخلاف المفتعل والمنقول من دائرة الخلاف النقدي السردي عند مناقشة كل من القصة القصيرة جداً والقصة الومضة، ليس ذا طائل حقيقي في النقد، فهو ليس إلا شكلياً ليس غير، وليس ذا ملمح إبداعي إجمالاً، فلنتجاوز عنه لما هو أهم.
لذلك لا أريد الخوض في محور التصنيف والتجنيس داخل النوع الأدبي نفسه، وهو هنا الشعر بوصفه جنساً أدبياً أعم، يحتوي كل تلك التصنيفات ويستوعبها، وكأنها تجارب فنية وإبداعية تعزف على وتر التنوع والتجريب للشعر ذاته، وهذا هو المهم نقدياً وإبداعياً. إذن صار للشذرة الشعرية مفهوم مساوٍ للقصيدة القصيرة بمسمياتها المتعددة قديماً وحديثاً، فقد عرف العرب الأبيات المفردة، وأطلقوا عليها مصطلح (البيت اليتيم)، وقد ألف فيها كتب، من ذلك كتاب أدونيس «ديوان البيت الواحد في الشعر العربي»، وكتاب الناقد الليبي خليفة محمد التليسي بعنوان «قصيدة البيت الواحد»، وكتاب الناقد الليبي في تسميته دلالة نافعة هنا، إذ يطلق على البيت أنه قصيدة، كما أن هناك قصائد/ نصوصاً في ديوان الريشة هو بيت واحد فقط!
وغير البيت الواحد تجد مصطلحات نقدية كذلك مثل النتفة المؤلفة من بيتين والقطعة ما كانت بين الثلاثة أبيات وحتى ستة أبيات، لتدخل بعد ذلك القصيدة فيكون حدها سبعة أبيات، ولم يعرف العرب مصطلح القصيدة القصيرة كمصطلح نقدي محدد بأبيات معينة، وإن وجد عندهم مصطلح المطولات أو المعلقات، وكذلك لم يحددوا للمطولة عدد أبيات في حدود ما أعلم من خلافهم النقدي حول تلك المسألة.
أما وجود القصائد القصيرة أو الشذرات الشعرية أو قصائد الومضة، فقد كتبها كثير من الشعراء كقصائد مستقلة، وبثوها في دواوينهم، أو خصصوا لها مجموعات شعرية، بتقنيات فنية ورؤى خاصة بكل شاعر، فقد كتب فيها على سبيل المثال: سميح القاسم، وأدونيس، ومحمود درويش، وشاع شيوعاً كبيراً شعر الـ(هايكو) العربي في الفترة الأخيرة عند بعض شعراء العراق المعاصرين، أو شعراء العربية المغتربين، مستفيدين من التقنيات الحديثة في صناعة الشعر وكتابة القصيدة. إذن ضمن هذا التأسيس النقدي القديم والحديث سننظر إلى ديوان محمد حلمي الريشة «أيها الشاعر فيّ» في استفادته- كما أسلفت- من كل ذلك الإرث الإنساني لصناعة الشعر. كما أن الشاعر كذلك يبني مفاهيمه الفنية في هذا الديوان في الاتساق مع ما يؤمن فيه من مفاهيم شعرية، سبق أن طرحها في كتابه «سيرة العقرب»، وأسس عليها بصفة أو بأخرى كتابه «الإشراقة المجنحة- لحظة البيت الأول من القصيدة». بكل تلك الرؤية الإبداعية يتمركز كتاب «أيها الشاعر فيّ» ليفصح عن الشاعر ورؤيته تلك التي تخلقت بتلك البذور لتستوي ثمرة يانعة مستقلة في هذا الديوان، لتعبر تلك النصوص عن هاجس الشاعر في صناعة قصيدة مختلفة، تطمح للاختلاف عن ذلك الشعري السائد، لتكون مختلفة كالشاعر نفسه المختلف عن غيره.
أما النصوص من الداخل فإنها معبأة بما يجعلها كثيفة تفتح شهية الحديث حولها، وسأشير- بدون كثير من التفصيل- إلى ظاهرة البناء اللغوي في هذه النصوص، التي اعتمدت تقنيات متعددة في بناء الجملة الشعرية، ومن ذلك التناص؛ فقد وظف الشاعر بعض النصوص القرآنية والتاريخية والأدبية، ولكنه لا يترك العبارة كما هي، وإنما يلجأ إلى ما سميته في دراسة سابقة إلى «التناص المفتت»، بحيث يعمد إلى النص الأصلي، ويعيد تركيبته في الجملة الشعرية الجديدة، فلا ترى النص القديم، ولا تستطيع ألا تراه أيضاً، وهذه ميزة كل شاعر استوعب اللغة استيعاباً فنياً ليعيد خلق الأشياء مرة أخرى، وتصل فيه الجرأة الفنية إلى حد التغيير والتبديل في الحادثة الأصلية لتتوافق ورؤياه الإبداعية، كما جاء في النص (ص68):

أَلا هَيْتَ لِي شَاعِرًا وَأَلَا هَيْتِ أَنْتِ..
(زُلَيْخُ) أَنَا حَيْثُ كُنْتِ وَكُنْتُ،
وَمَا مِنْ قَمِيصٍ عَلَيْكِ أَقُدُّ، وَمَا مِنْ (عَزِيزٍ) يَغَارُ فَغِرْتُ..
فَيَا (يُوسُفَةْ)
أَمَا كَانَ لِلشِّعْرِ هذَا فَمٌ وَاحِدٌ كُنْتُ قَبَّلْتُهُ وَاسْتَرَحْتُ؟
وَلكِنْ
أَظُنُّ لأنِّي أَنَا- شَاعِرًا- مَا فَعْلْتُ!

كما أن الشاعر يشير كذلك إلى اتكائه على شعراء غربيين ينص عليهم في الهوامش، مثل الشعراء: جيران بيرون، وقيصر باييخو، وبول إيلوار. فكأنه يحاورهم بطريقة أو بأخرى، وينقل المعنى من دائرة إلى دائرة، كما أنه يستند إلى بعض الحوادث التاريخية، فيظهر الغساسنة والمناذرة، مورياً حديثه عن الواقع السياسي، ومختبئاً خلف رموزه التاريخية الحادة في دلالتها، كأنها أوضح من التصريح نفسه!
أما على صعيد العبارة الشعرية، فإن الإنسان/الشاعر هو الأسلوب نفسه، كما يقول بوفون، فتتجلى لغة الشاعر في أسلوب التركيب والمعجم الشعري، فتجد طريقة الريشة الخاصة في تركيب الجمل، مقدماً ومؤخراً، وحاذفاً، ومكرراً، ومعدلاً في البنية الصرفية، ومغيراً في عبارات القوالب الجاهزة المتعارف عليها دلالياً وتركيبياً، لينبه القارئ ويخرجه من سيطرة العبارة التي وقفت عند دلالة شائعة إلى دلالة جديدة صادمة مرتين؛ أولاً: لأنها خرجت عن نظامها المعهود، وثانياً: لأنها حملت بعداً دلالياً جديداً، ويتفق هذا، أيضاً، مع ما أحدثه في عبارات التناص التي استند إليها في بعض النصوص.
ومع وجود السمات الحداثية للغة في الديوان، إلا أن الشاعر كما استفاد من العروض الخليلي، فإنه يستفيد من الموروث اللغوي العربي وأساليبه البلاغية من مجاز وجناس وطباق، ويستفيد كذلك مما في بعض الألفاظ من تجانس صوتي، فيحشد في النص كلمات تعتمد على صوت واحد، كما فعل في النص (ص46)، مستفيداً من صوت (الشين، الصاد، السين)، فيمنح النص موسيقى داخلية ظاهرة بتوليف لحني متعانق والدلالة الخاصة للنص.
وهكذا يهضم الشاعر في «أيها الشاعر فيّ» كل ذلك التاريخ الشعري الإنساني ليقدمه بصيغته هو نفسه نصوصاً فيها من المكر المعنوي ما فيها، فلا تستغلق على القارئ، ولا تأتيه سهلة كذلك، فلا تريحه راحة الكسول الباحث عن الجاهز التام. فهي نصوص تبحث عن قارئ مختلف، كما جاء أول الكتاب: «فلا أحد من العاديين يمكنه أن يفقه غير العاديّ.. الشاعر». وهنا مكمن السر، فالشاعر الكامن في الريشة متربص بالقارئ يبحث عن القارئ المختلف بمزاج مغاير وعقلية مغايرة، لها مخزونها الثقافي والمعرفي المتمدد في التاريخ والجغرافيا والدين والفلسفة والشعر وسر الوجود كذلك.
وبقيت مسألة واحدة متعلقة باللغة، فالديوان هو ثنائي اللغة، فقد قامت شروق حمود بترجمته، وراجعته ماسة الريشة، وهذا العمل يطرح إشكالات متعددة، أحاول أن أوضحها قليلاً فيما يأتي.
ما زالت اللغة في النص، ولا أقول لغة النص، هاجساً معنوياً وبنيوياً، ويزداد الإحساس باللغة أكثر عند المغايرة بالترجمة، وإذا كانت الترجمة بشكل عام تطرح إشكالية كبرى تصل إلى حد خيانة المعنى، فإنها في النص الشعري أوضح وأبين. هذا جانب، أما الجانب الثاني، فهو اعتماد الشاعر على غيره في ترجمة النص العربي، ومعروف عن الريشة أنه مترجم، ويتقن اللغتين العربية والإنكليزية، ويتبع ذلك أنه يفهم المزاجين المختلفين لشاعرين مختلفين ثقافة ولغة وأسلوباً، عدا أن الريشة يُعلي من شأن المترجم كما جاء في كتابه «قلب العقرب»، وبرأ المترجم، ومنحه مكانة خاصة تجعله كاتباً آخر للنص، وهنا تكمن الإجابة؛ ففي اعتقادي أنه لا يريد أن يكتب النص مرتين، ويدخل في صراع اللغتين المختلفتين فتتجاذبه الألفاظ والمعاني المتباينة، فيضطر إلى تغيير النص الأصلي، وهنا قد تصبح العملية الشعرية تحكمها آليات غير شعرية فتفقد القصيدة طزاجتها وحيوية بريقها الذي ولدت فيه!

شاعر وكاتب من فلسطين

فراس حج محمد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية