قتلُ أرنب

«يا لكم من أشرار يا معشر الصيّادين» (تورجنييف)
هناك روايات غرضها إشاعة البهجة لدى القارئ، إلاّ أنها تأتي بنتائج معكوسة، وتبعث بالتالي في قلبه التعاسة، وفي روحه السأم وثبوط الهمّة. في المقابل نرى الأدب الذي يصوّر مرارة الحياة، يعْرك النفس ويشذّبها ويسمو بها إلى آفاق رحْبة. قرأتُ «مذكّرات صيّاد» لإيفان تورجنييف في الماضي، ولمّا عدتُ إليها وجدتها تحفة أدبيّة تتجدّد بمرور الزمان. فعكفتُ على دراستها، وعانيتُ من تباريح الألم التي كان يُقاسيها الأقنان الروس في ذلك العصر. أنشأتُ هذا المقال تحيّةً للأديب الروسي، وأتمنّى أن يُحسب فصلا مستلّا من ذكرياته، مع ملاحظة الاختلاف في الزمان والمكان.
يبلغ عادل، مضيّفي ورفيقي في رحلة الصيد، حوالي الأربعين، ويسكن مزرعة تقع عند أطراف مدينة النهروان، لكنه لم يكن يحرث أو يبذر، مهنته هي الصيد. كان الشيب يغلب على شعره، عيناه صغيرتان قلقتان، وتنبعث منهما دائما نظرات تفيض بالأسى. كنت أجلس إلى جواره في عجلة التويوتا، والصبيّ حسين، ابنه، ملتمّ في المقعد الخلفي على بندقيّته الضّخمة، يُغالب نُعاسه. عادل يسوق، ويُراقبه في المرآة الداخليّة. افتح عينيك جيداً يا ولدي.. لا تنم، ولا تنظر إلى السماء وحدها، عليك أن تفتّش الأرض أيضا. ويومئ له ابنه بالإيجاب، فوّهة سلاحه بارزة من النافذة، متأهباً لإطلاق النار في أي لحظة. تعرّفتُ إلى عادل منذ فترة وجيزة، وروى لي أنه تعلّم الصيد من أبيه الذي عاش في هذه الجزيرة، وارتبط بحياة الحيوانات البريّة والطيور فيها، وكان يصيدها في جميع فصول السنة، إذ ليس هناك موسم للقنص في عُرفه، إلى أن أعجزته جلطة دماغيّة أقعدته على كرسي متحرّك. الصيد مهنة موروثة، لأن عادل يجلس مكان أبيه في عجلة التويوتا، ويقود مسرعاً، رغم أنه لم يكن ثمة درب مطروق، لكنه خبر المكان في ما يبدو، حتى صار مثل بيته. كلّ ناحية في البريّة تشبه أيّ ناحية أخرى منها، وتتكرّر المشاهد ذاتها إلى ما لا نهاية. أوقف عادل التويوتا وسط الطريق فجأة، ثمّ فتح الباب.
ما الأمر؟
سألته، وأشار إليّ أن أسكتْ. تناول بندقية الصيد من ابنه. تذكّرتُ أنه أوصاني أن لا أتكلّم حينما يحلّ الصيدُ:
الطائر لا يستوحش هدير محرك السيارة، لكنه يفرّ من صوت البشر. كان طائر الدرّاج يفتش الأرض القاحلة عن الطّعام. في هدوء، وقلّة اكتراثٍ، أطلق عادل عليه النار. ظلّ الطير يرفّ بجناحيه إلى أن سكن. مات فجأة ورأسه الصغير تدلّى إلى جانب جناحه ترابيّ اللون.
انطلقنا مجدداً، وعادت العجلة تنهب الأرض المفروشة على مدّ البصر، وصديقي يفتّش عن قنْص آخر، عيناه فيهما شيء من الحزن، وشيء من الدهاء. الروح في البريّة تصير أكثر وحشيّة ورهبة، فهي ترى الوجود كما لو كان مرئّياً بصورة أخرى. عليّ أن أصيد الكثير!
قال عادل، وأضاف إلى الكلام بتعابير وجهه ما لم يستطع أن يقوله بالكلمات. سِرْب القطا يطير متمهلاً في سماء قريبة، لكن هدير المحرك جعل سماعنا لغنائه مستحيلاً. حكى لي صديقي عن أبيه الذي يطلب الذهاب إلى الهند من أجل الشفاء، وراح يحصي أجور السفر والفندق والفحوصات المختبرية والعلاج. ربّاه! كم من الطيور عليه أن يصيد كي يتدبّر النقود اللازمة؟ يعلم الله أني أعيش هنا عيشة فظيعة، أعمل 14 ساعة في اليوم، والعمل يكاد يقتلني. هل هذه الحياة جديرة بإنسان؟ قال عادل، ورفرف، على أرض السيارة قرب قدمي، جناح الطائر الذي اصطاده قبل قليل. الدّرّاج لا يزال حيّاً.
قلتُ، وأوقف صديقي العجلة، ومن حزمة المفاتيح أبرز سكيناً صغيرة أنهى بها على الطائر، الأرض الترابيّة تبقّعت بالدماء القليلة وبالريش. ثم تابعنا المسير، وكانت المسالك الممحوّة في المفازة التي نقطعها تمتصّ اندفاع التويوتا، وشيئاً فشيئاً ارتدت السماء الزرقاء ثوباً شفيفاً من السحاب الأبيض. صاح حسين ذو الوجه الجامد فجأة، وبَرَقَ لمعٌ غامضٌ في عينيه:
حبارى! طارت التويوتا وراء الغنيمة، وسط الحُفر والأخاديد والعقبات. اعترضنا شقٌّ عريض في الأرض، لكن السيارة قفزت فوقه مثل حيوان مذعور. تحدّث لي عادل مرّة عن أهمية الحبارى للصائد، وبدا مأخوذاً بما يقول:
ندعوهُ (فياغرا الخليج) نبيعُه بأربعمئة دولار لسماسرة يقومون بالمتاجرة به. يزعمون أنه يقوّي الباه دون تأثير على الشّرايين أو القلب، وهذه خرافة لا تصدّقها، لأني جرّبت لحم هذا الطير مرارا، ولا علاقة له بالباه البتة. كان الحبارى يسبح في الهواء متمهّلا، بجناحين واسعين سوداوين فيهما خطوط عريضة بيضاء، غير مكترثٍ برصاص بندقيّة الصّبيّ حسين. زعق الابن، وجهه الخامل يضجّ الآن بالنشاط:
طارده يا أبي، وإلا أفلت منك هذا الملعون.
عادل يصرخ، ويشتم، ويضرب مقود التويوتا بكفّيه، وحدقتا عينيه تدوران بغضب:
لن يفلت.. لن يفلت.. أين يذهب؟
طار الحبارى حتى أحسستُ بأني ذو جناحين، وسأطير. ظلّ يصعد ويهبط، إلى اليمين وإلى الشمال، هادئاً، غير مضطرب، كأنّ الطلقات التي ملأت الجوّ لم يكن لها وجود. حلّق بعيداً إلى أن صار نقطة في الأفق، ثم اختفى. من كتاب تورجنييف أنقل لكم هذه الأبيات للشاعر كولتسوف: «ماذا لو قُيّدَ جناحا النسر؟ / ماذا لو حُرمتْ عليه كلّ الطرق؟».
حلّ الغروب، وخيّمنا في مكان غير محدّد بعلامة، لأن جميع الأماكن هنا متشابهة. غابت الشمس سريعا، وبان محيط الأرض الدائريّ الشكل، والسماء قبّة بلون واحد هو الرمادي الصّافي، يُشعرُ المرء بالرّهبة من اتّساعه وشموله واتّصاله بالأرض. ثم أشعلنا النار في أغصان الطرفاء اليابسة، وتصاعد اللهب. كلّ منا يحسّ أن قلبه يتجرّد من مادة قاتمة في مواجهة النار.
ركض أرنب بين شجيرتين، وطلب منّي صديقي السكون والصمت، وراح يراقبه ومعه البندقيّة. هكذا يسكن القرش والباشق، وكلّ حيوان مفترس لدى اقتراب الفريسة. يا له من أرنب برّيّ كبير. إذا لم تكونوا شاهدتم هذا الحيوان، فإنكم حتما رأيتم غزالا في الحقيقة أو في الصورة. الأرنب البرّي غزال بأذنين مرفوعتين وبدن صغير، وهو ينطّ ويقفز معبّرا عن فرحه بالحياة. يُقال إن ثمة شيئا من طبع الأرانب في الأطفال، ومن طبع الأطفال في الأرانب. أخذ عادل يتعقّبه، والحيوان يثب فوق تراب أحمر بين شجيرات شائكة. قرفص لحظة، وأخفض رأسه، ثم أماله جانبا. جميع الحيوانات، بما فيها الطيور، لا تتحدث بالكلمات، بل بسلوكها في البريّة، وهذه لغة تختلف عن كلامنا، لكنها تحتاج إلى قاموس هي الأخرى. أطلق عادل عيارا ناريّا، وقفز الأرنب وتدحرج منقلبا رأسا على عقب. ثم أخذ كلّ كيانه يرتعش، والدم على جسده مثل مخمل أحمر. كنتُ أشاهد عميقا في كهوف الظلمة التي تسكن عينيه المتألمتين انتظارَ الموت، عندما أخذ يحتضر ببطء شديد وبعذاب عظيم. ظلّ حيّا لبضع دقائق بقوّة الوجع وليس بنسغ الحياة. واستمرّت الشهقات المعذّبة بثبات، كأنّ قوى هائلة تعمل في داخله، إلى أن هجعت كلّها، وقرّر الأرنب عندها أن يموت، وكان يبدو مستغرقا في التأمل، ناظرا إلى جهة بعيدة جدا، أبعد من اللانهاية. حزّ عادل رأسه بسكّين الجيب، وكانت شفتاه مخضلّتَين بتلاوة صلاة قصيرة، وعيناه تشبهان عيني وحش كاسر.
قام الصبيّ حسين بنزع فراء الحيوان، وتعاون مع أبيه بشيّه. وتمضي ساعة، ثم أخرى، كأن شيئاً يمرّ بيننا، نحن الثلاثة، يوحّدنا بوجه الليل الق. حتى الشاي هنا، بسبب الظلام الأزرق اللون الذي راح يغلّفنا، له طعم آخر. سنبيت الليلة في هذا المكان، وننطلق فجراً عائدين. طفق عادل يغنّي، النجوم في السماء تردّد معه، وكان يعزف على بندقيته، ونحن نحدّق في بعضنا بعضا، في السماء الفسيحة وفي الأرض التي ليس لها حدّ، وتركنا أرواحنا تخرج سيّالة طليقة، مليئة بألوان المفازة العجيبة، وقد وضعت أمامنا كلّ ما لديها من قوّة وإغراء.
كان هناك الكثير بخصوص الحياة التي يعمل فيها صديقي. نمتُ لمّا أغسق الليل، وأيقظني حلُم مفزع: رأيتُ نفسي راقدا في غرفة نومي، تتجمع حولي أرانبُ مقطوعة الرؤوس مثل معطف يدثّرني. حاولت أن أغفوَ ثانية، لكن النوم جفاني، فقمتُ أتمشّى وبريق النجوم من قبة السماء يكاد يكون مسموعاً. إن كلمة بريّة تنتمي إلى البَرّ، وهو المكان الذي تعيش فيه جميع الحيوانات، وتقتتل في ما بينها، ولا وجود لبني البشر، إلا من خلال سطوة بندقيّة الصيّاد. الإنسان حيوان إذن ويشارك الوحوش طريقتها في العيش. بعد ذبح الأرنب وفصل رأسه، لم يبِن على وجهه أنه يعرف لماذا قُتل ومُثّل بجثّته. لأكثر من سبب تبدو الأحداث الخطيرة كأنها تقع خارج زمان كوكبنا، فعذاب الأرنب، وهو يكابد القتل ومن ثمّ الذبح، ما زال مستمرّا حتى الساعة، وسوف يدوم إلى ما لا نهاية. إن قتل أرنب بواسطة بندقية صيد أمر لا يدلّ على تفوّق الإنسان، ولكنه اليقين بأيّ سهولة تموت الكائنات، ومن ضمنها الإنسان. عندها يكون من الصّعب التّصديق بأننا نظلّ أحياء، ونمشي وسط كائنات حيّة.

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية