شر إسرائيل متواصل، ومثل فيروس قاتل لا يعرف إلا الانتشار والتكاثر. فمنذ ما فعلته في غزة من قصف وقتل وتدمير وسرقة وتهجير، وهي تعيد الجرائم نفسها، بنسخة مطورة على لبنان. لم تكن تلك الطائرات التي دكت بيوت غزة سوى بروفة مأساوية وحشية إجرامية، تحضيرًا لما هو أكبر، وأوسع، وأبشع. الواقع أنها في عدوانها على غزة، لم تجد من يردعها بشدة أو حتى بلطف. كانت المظاهرات هنا وهناك مجرد زخات مطر خجولة في صيف حارق. وأما الصواريخ العشوائية التي كانت تُطلق نحو إسرائيل، فهي تشبه إلى حد بعيد مشهدًا من مسرحية هزلية: صاروخ يقطع آلاف الأميال ليسقط في قن دجاج أو على طريق صحراوي لا يسير فيه إلا النمل!
لكن لا بأس! فالأمر كله تحت السيطرة ما دام العم «بيدو» يقف شامخًا خلفها، يدعمها بالمال، والسلاح وحتى بالمظلات، حين يتلبد الجو فوق تل أبيب. ومن ثم هناك التنين الغربي العظيم، الذي يناصرها في كل خطوة، حتى إن بدا التنين متثاقلاً أحيانًا، إلا أن اللهب الذي ينفثه دائمًا ما يصيب مناصري الحق في مقتل. ولهذا السبب، دعونا نرسل كل دعاة حقوق الإنسان إلى أقرب جحيم، حيث يمكنهم الصراخ هناك بسلام دون إزعاج أحد. أما أولئك الذين ما زالون يؤمنون بالعدالة أو يناصرون قضية عادلة، فلهم لعنة مضاعفة، فالعدالة لم تعد سوى وهم يعاقب كل من يجرؤ على محاولة استعادتها.
أما صمت العالم المخزي، فهو لا يحتاج إلى تفسير. فكلما صمت العالم أكثر، اشتد الغرور في نفوس الغزاة. وكما كانت غزة ساحة لتجاربهم السابقة، أصبح لبنان الآن حقلًا مفتوحًا لعدوان جديد، ودمار أشد.
صواريخ واحتفالات!
أمس، وبصورة مفاجئة، قررت إيران الرد على مقتل السيد حسن نصر الله وإسماعيل هنية بـ 200 صاروخ باليستي، قاصدةً الأراضي المحتلة. النتيجة؟ صفارات إنذار تملأ الأرجاء، حالة من الهلع، ومقتل شاب فلسطيني.
في أريحا. نعم، مرة أخرى تتجلى عبقرية الصواريخ التي تدور في الهواء مثل الطيور الحائرة، لتجد في نهاية المطاف رؤوس الفلسطينيين واللبنانيين مهبطًا مثاليًا لها. وكأن قدر هؤلاء أن يكونوا الوجهة الوحيدة للقذائف والطائرات المسيرة، مهما كانت النية الانتقامية وراء إطلاقها.
الجيش الإسرائيلي، بدوره، خرج ببيان «مطمئن»: «لن نترك الأمر يمر مرور الكرام، سنرد في الوقت والمكان المناسبين».
المهم هنا ليس التصريح بحد ذاته، بل التأكيد بأن اللعبة بين الطرفين مستمرة. أما «المكان والزمان المناسبان» اللذان وعدت بهما إسرائيل، فلا شك أنهما سيأتيان. إنها دائرة مغلقة، حيث يتبادل الجميع لعب الأدوار في هذا المسرح المأساوي العبثي. مسرح غزة ولبنان. فالتصريح يعني وببساطة مطلقة: مزيدا من الدمار ومزيدا من قتل الأبرياء. وكلما انطلقت صواريخ جديدة، اكتسب العرض فصلًا جديدًا أكثر دموية وأكثر عبثية.
وبينما العالم يراقب بتململ، ليعود الجميع لاحقًا إلى جدول الأعمال المعتاد: أطفال فلسطين وأطفال لبنان، هم وحدهم من سيدفع الثمن.
ولكنهم احتفلوا.. نعم لقد وجدوا أنفسهم يشاهدون صواريخ إيران وهي تمر فوق رؤوسهم باتجاه «المناطق المحتلة». هذه المرة لم يبك الأطفال من الخوف، بل فرحًا. لقد احتفلوا بالصواريخ المارة وكأنهم يحتفلون بالعيد الكبير، كما ظهر في الفيديو، الذي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي. إن أطفال غزة، الذين لم يعرفوا سوى القهر والرعب، تحولوا في لحظات عند مشاهدتهم الصواريخ إلى راقصين ينظرون إلى السماء ويهللون.. مشهد سريالي يشبه كرنفالًا مشوهًا، حيث يُستبدل فرح الطفولة الحقيقي البريء بحفلة لاستقبال الصواريخ، وكأنها ألعاب نارية، وهي في الحقيقة كانت كذلك. لقد تعمدت إسرائيل سرقة الطفولة وتجريد الأطفال من أحلامهم وعلمتهم الاحتفال بالموت والدمار والتصفيق للصواريخ.
وبعيدًا عن غزة، كانت طهران، صنعاء، بغداد، بيروت، ودمشق في حالة من الاحتفال الجنوني. لقد خلعوا سوادهم لدقائق معدودة وأجلوا حدادهم قليلاً قليلاً، وأخذت الطبول تُقرع، في مشهد يشبه إعلان النصر في معركة خاسرة. تلك المدن، التي تعيش في ظل مآسيها، وجدت في مشهد الصواريخ المتطايرة سببًا للرقص والتصفيق، وكأن العدو قد سقط بالفعل، أو كأنها نهاية الظلم. ولكن يا للأسف، الحقيقة تقول عكس ذلك. إنه زمن الوحوش زمن السقوط والانحدار.. زمن المحارق اليومية، فلم تمر ساعات على الهجوم الإيراني حتى عادت إسرائيل بطائراتها الحربية التي ما عادت تترك سماء لبنان. عادت بغارات قوية سقطت في الضاحية الجنوبيّة ومنطقة شويفات لتهز لبنان بأسره. إيران تقصف إسرائيل لتزيد الأخيرة من وحشيتها على غزة وبيروت.
وفي مكان ليس ببعيد عن ضجيج الغارات الأخيرة، كانت طفلة تغفو على ركام الحلم، وقد عانق الغبار خصلات شعرها الأشقر. لم يعد البكاء يخفف عنها شيئًا، فقد أنهكها حتى الصمت. كانت تشهق بين أنفاس متقطعة وتهمس بصوت يملؤه الحنين: «بدي أروح على بيتي، ما بدي ضل هون بالشارع…»، لكن البيت صار ذكرى تائهة في أفق مدمّر، والشوارع أصبحت ملاذًا قاسيًا لها ولآلاف الأطفال مثلها، ينامون بين جدران من خوف، يلتحفون البرد والمرض، وتحت عيونهم يحفر القهر مسارات لا تنتهي.
في عالمهم المكسور، المسرحية لا تعرف نهاية، والغد يحمل معه المشاهد الحزينة نفسها. إيران تقصف، وإسرائيل ترد، وتستمر الدائرة القاتلة، دون أن ينظر أحد لهؤلاء الصغار الذين لا يحلمون سوى بالعودة إلى بيوتهم، إلى حضن أمان لا يسقطه قصف ولا تهزّه حرب.
كاتبة لبنانيّة