صورة جوية لدييغو غارسيا، أكبر جزيرة في أرخبيل تشاغوس وموقع قاعدة عسكرية أمريكية كبرى في وسط المحيط الهندي تم استئجارها من بريطانيا منذ عام 1966. (رويترز)
لندن- “القدس العربي”:
توصلت بريطانيا الخميس إلى “اتفاق تاريخي” مع جزيرة موريشيوس بشأن السيادة على أرخبيل تشاغوس في المحيط الهندي، يسمح للندن بالاحتفاظ بقاعدتها العسكرية المشتركة مع الولايات المتحدة، بعد أكثر من نصف قرن من الخلافات.
ويأتي الاتفاق الذي ينهي 200 عام من الحكم البريطاني على الأرخبيل، بعد عامين من مفاوضات بدأت عقب قرار عاجل للأمم المتحدة. وأشاد الرئيس الأمريكي جو بايدن بالاتفاق على الفور.
وأكد بايدن أن هذه القاعدة ذات الموقع الاستراتيجي بين أوروبا والهند والصين، تلعب “دورا أساسيا في الأمن الوطني والإقليمي والعالمي”، لافتا إلى أن الاتفاق سيتيح “ضمان حسن سيرها خلال القرن المقبل”.
وفي إعلان مشترك صادر عن حكومتي بريطانيا وموريشيوس، اعترفت لندن بسيادة الجزيرة على أرخبيل تشاغوس، على أن يتم “تفويض المملكة المتحدة بممارسة حقوق سيادية” في كبرى جزره دييغو غارسيا حيث تقع القاعدة المشتركة “لضمان استمرار تشغيلها” وذلك “لفترة مبدئية مدتها 99 عاما”.
وسيطرت بريطانيا على الجزر منذ عام 1814، وهي محور نزاع قديم بدأ قبل نحو ستة عقود بقرار أصدرته بريطانيا في 1965 وقضى بفصل جزيرة موريشيوس عن الأرخبيل وإقامة قاعدة عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة في كبرى جزره دييغو غارسيا.
وحصلت جزيرة موريشيوس على استقلالها في 1968.
ومنذ 1975، قامت موريشيوس بمبادرات قضائية عديدة لاستعادة جزر تشاغوس.
وبدأت المفاوضات بشأن سيادة موريشيوس على الأرخبيل في نهاية عام 2022 مع حكومة المحافظين التي كانت تتولى السلطة آنذاك في بريطانيا.
وقالت بريطانيا وموريشيوس في بيانهما المشترك: “إنها لحظة محورية في علاقاتنا ودليل على التزامنا الدائم بالحل السلمي للنزاعات وسيادة القانون”.
وقالت لندن إن تحقيق هذا الاتفاق ما زال مرهونا بوضع اللمسات النهائية على معاهدة.
وقال وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي: “ورثت هذه الحكومة وضعا كان فيه التشغيل الآمن والطويل الأمد لقاعدة دييغو غارسيا العسكرية مهددا، مع سيادة متنازع عليها وتحديات قانونية مستمرة”.
وأضاف الوزير أن “اتفاق اليوم يضمن مستقبل هذه القاعدة العسكرية الأساسية”.
من جهتها، انتقدت المعارضة المحافظة في بريطانيا الاتفاق ووصفته بأنه “ضعيف”.
وأصدرت الجمعية العامّة للأمم المتحدة قراراً غير ملزم في عام 2019 أمهل لندن ستة أشهر لتسليم جزيرة موريشيوس أرخبيل تشاغوس.
وطردت المملكة المتحدة حوالى ألفين من سكان الأرخبيل إلى جزر مورشيوس والسيشل لإقامة القاعدة العسكرية.
واتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش في عام 2023 بريطانيا والولايات المتحدة بارتكاب “جرائم ضد الإنسانية” عبر تهجير سكان أصليين في أرخبيل تشاغوس المتنازع عليه، لكن لندن رفضت “بشكل قاطع” هذا الاتهام.
وفي 2016، مددت المملكة المتحدة حتى 2036 عقدا حول استخدام القاعدة العسكرية مع الولايات المتحدة. وأدت القاعدة دورا استراتيجيا خلال الحرب الباردة قبل استخدامها في سنوات الحرب على العراق وأفغانستان.
وقد أثار القرار ردود فعل كبيرة في الصحافة البريطانية، وخاصة اليمينية، حيث قالت صحيفة “التايمز” إن ستارمر أعلن عن قراره رغم التحذيرات الخاصة من الولايات المتحدة وقلق المسؤولين البريطانيين من أن ذلك قد يمنح الصين موقعا استراتيجيا للتجسس، وخشية أن تنشئ الصين مراكز تنصت على الجزر المجاورة.
وتقول “التايمز” إن هناك مخاوف من أن تؤجر موريشيوس بعض الجزر للصين، “التي تحاول إقامة علاقات أوثق” معها، وتفيد بأن هناك 47 مبادرة صينية لتمويل التنمية في الدولة الأفريقية المكونة من جزر وسط المحيط الهندي، كما أن التجارة بين البلدين آخذة في النمو.
وستدفع بريطانيا لموريشيوس نظير ذلك رسوما بموجب الاتفاق، وهو مبلغ يتعرض الوزراء لضغوط للكشف عنه. وتصر الحكومة على أن هناك ضمانات في الاتفاق لمنع الصين من الحصول على موطئ قدم في جزر تشاغوس، بحجة أن موريشيوس ليست قريبة من بكين.
من جهتها، نشرت صحيفة “تلغراف” تقريرين في السياق ذاته، ونقلت عن رئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون وصفه القرار بـ”الضعيف”، قائلا إنه سيضعف مكانة بريطانيا في العالم. واعتبر أن جزر تشاغوس “ثروة وطنية حيوية”، والقرار “سخيف للغاية”.
ونقلت عن زعيم حزب الإصلاح البريطاني (أقصى اليمين) نايجل فاراج وصفه قرار التخلي عن الأرخبيل لموريشيوس بأنه “كارثة استراتيجية”، زاعما أن “حلفاءنا الأمريكيين سيغضبون، وبكين ستشعر بالسعادة”.
وقال إن حزب العمال الحاكم يجعل العالم، بعد هذه الخطوة، “مكانا أشد خطورة”.
واعتبرت الصحيفة، المعروفة بميلها لحزب المحافظين المعارض، أن القرار اتُّخذ على عجل فيما يبدو، وكان بالتالي بمثابة صدمة للكثير من دول العالم التي لم تكن تتوقع أن تتوصل حكومة حزب العمال الجديدة إلى اتفاق بهذه السرعة.
وفي المقابل، نقلت عن وزير الدفاع البريطاني تأكيده أن قرار التخلي عن الأرخبيل “سيعزز دورنا في حماية الأمن العالمي، وسيغلق أي احتمال لاستخدام المحيط الهندي كطريق هجرة غير نظامية خطير إلى المملكة المتحدة، بالإضافة إلى ضمان علاقتنا الطويلة الأمد مع موريشيوس، الشريك الوثيق في الكومنولث”.
ومع ذلك، بحسب الصحيفة، فقد اتضح في الحال أن الحكومة قد توقعت بالفعل رد الفعل العنيف الكبير الذي سيثيره القرار، وأرسلت وزارة خارجيتها بعد 40 دقيقة بقليل، رسالة بالبريد الإلكتروني إلى الصحافيين تحيلهم فيها إلى بيان الرئيس الأمريكي، الذي رفض على الفور التكهنات بأن عملية التسليم ستثير حفيظة الولايات المتحدة.
وفي تقرير آخر، أوضحت تلغراف أن ستارمر أثار المخاوف بشأن مستقبل جبل طارق الذي يتمتع بحكم ذاتي ويتبع للتاج البريطاني، وجزر فوكلاند المستعمرة البريطانية، بعد التخلي عن جزر تشاغوس.
وبحسبها، فهناك مخاوف بشأن نهج ستارمر تجاه أقاليم ما وراء البحار البريطانية الأخرى، بما في ذلك من وزيري دفاع سابقين.
فقد صرح وزير الدفاع البريطاني الأسبق غرانت شابس بأن القرار يدل على أن رئيس الوزراء لا يمكن الوثوق به. وبدورها وصفت وزيرة شؤون الدفاع السابقة بيني موردنت التخلي عن الجزر بأنه “يلحق ضررا كبيرا بمصالح المملكة المتحدة”.
وقد تعهدت الأرجنتين مساء الخميس باستعادة “السيادة الكاملة” على جزر فوكلاند بعد القرار المتعلق بتشاغوس. ورحبت وزيرة خارجيتها ديانا موندينو بالقرار، واعتبرته خطوة نحو إنهاء “الممارسات التي عفا عليها الزمن”.
ووعدت الوزيرة باتخاذ إجراءات ملموسة لضمان تسليم جزر فوكلاند -الأرخبيل الذي تسيطر عليه بريطانيا وتطلق عليه الأرجنتين اسم مالفيناس- وتطالب باستعادته.
وكانت نزاع مسلح نشب بين البلدين للسيطرة على الجزر في ثمانينات القرن الماضي، وانتهى بهزيمة الأرجنتين وإبقاء بريطانيا سيطرتها عليها.