«نبي الغضب» الجنرال الإسرائيلي يتسحاق بريك الإسرائيليون يغرقون في النشوة حين ينجحون ولا يصغون للمشاكل الصعبة

وديع عواودة
حجم الخط
1

 الناصرة ـ «القدس العربي»:  عشية الذكرى السنوية لـ «طوفان الأقصى» يطل «نبي الغضب» الإسرائيلي الجنرال في الاحتياط يتسحاق بريك محذرّا من جديد بالقول إنه كما حدث في السابع من تشرين الأول/أكتوبر: نشوة ما بعد اغتيال نصر الله ستجر علينا كارثة أُخرى. في مقال نشرته صحيفة «معاريف» يقول بريك إن النجاحات التي حققتها إسرائيل مؤخراً، وخصوصاً اغتيال نصر الله ومسؤولين كبار آخرين في تنظيمه، هي نجاحات ممتازة ومهمة، لكنها لا تغير الواقع المختل الذي تعيشه إن لم تساعد في تحقيق الأهداف التي وضعناها لأنفسنا. ويرى أن مشكلة أغلبية المجتمع والقيادات في إسرائيل أنها تنظر إلى الواقع من ثُقب الباب، ولا يرون إلاّ ما يحدث في نقطة معيّنة خلال وقت معيّن، ومن دون أن يروا الصورة الكاملة، أو تكون لهم نظرة بعيدة المدى إلى المستقبل. من هنا يستنتج بضرورة «التصرف بذكاء من أجل الوصول إلى أهدافنا، وهذه الأهداف المركزية هي: تحرير الرهائن المخنوقين في الأنفاق، وبعد وقت قصير، لن يتبقى منهم مخطوفون أحياء، إعادة النازحين في الشمال والجنوب إلى منازلهم، ترميم الدمار وإعادة الأعمال، ترميم اقتصاد إسرائيل الذي يعيش حالة انهيار». كما يشير أيضا لترميم العلاقات الدولية مع العالم معللا ذلك بالقول: «إذ يبدو أن إسرائيل معزولة عن العالم عبر إلغاء الطيران بوتيرة لم نشهدها من قبل، فضلاً عن الحصار الجوي على إسرائيل، والمقاطعة الاقتصادية، والعقوبات على إمدادات الأسلحة إلى قواتنا، والقرارات التي يمكن أن تتخذها مستقبلاً محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، وحتى من الممكن إخراج إسرائيل من الأمم المتحدة. كذلك وقف حرب الاستنزاف التي تدمر كل قطعة جيدة لدينا، وأي إمكان للوصول إلى اتفاقيات بوساطة الولايات المتحدة ودول أُخرى».

تفكيك حماس هدف غير واقعي

ويرى أيضا أنه آن الأوان لأن يعترف نتنياهو والمجموعة المحيطة به بأن شعار «تفكيك حماس كلّياً» و«إخضاع حزب الله» ليست أهدافاً واقعية. فإن محاولة تحقيق هذه الأهداف تدفعه وتدفع حكومته إلى اتخاذ قرارات غير عقلانية، وإلى استمرار حرب الاستنزاف التي تضر بإسرائيل كثيراً. ويحذر هنا من أنه تحت غطاء هذه الأهداف، يمكن ألاّ نستطيع تحقيق الأهداف المهمة فعلاً، ولا يمكن تحقيقها إن لم يسيطر نتنياهو ومجموعته على ذاتهم، فسلوكهم يمكن أن يقودنا إلى انهيار إسرائيل. ويرى بريك أنه يجب المضي إلى بناء حِلف دفاعي إقليمي مع الولايات المتحدة والدول العربية المعتدلة، كمعسكر واحد في مقابل «محور الشر الجديد»؛ روسيا، والصين، وإيران. والآن هو الوقت الملائم لترتيب أمورنا في مقابل «حماس» وحزب الله بوساطة أمريكية وشروط ملائمة من جانبنا بعد اغتيال نصر الله والمحيطين به. «لقد عبّرت لوقت طويل عن رأيي الواضح بأنه من الممنوع دخول القوات البرّية حتى نهر الليطاني، لأن دخولاً كهذا لن ينجح، لأسباب كثيرة ذكرتها سابقاً. ومن دواعي سروري أن الجيش حتى الآن دخل لبنان بصورة محدودة».

أسئلة صعبة

ويضيف منبها لخطورة التوغل البري: «أقول هذا بشرط أن يكون رئيس هيئة الأركان الذي أدخل الجيش إلى لبنان قد تعلّم من العمليات البرّية في قطاع غزة؛ إذ قُتل أغلب جنودنا بسبب الإهمال وعدم التزام الأوامر والمعايير، وعدم وجود انصياع عملياتي. للأسف الشديد، وأنا أكتب هذه الأسطر، وصلني نبأ مقتل 8 جنود وأكثر، وإصابة 40، بينهم 7 في حالة حرجة خلال اشتباكَين في لبنان، وأغلبيتهم قُتلوا في الاشتباك الأول، عندما اقتربوا من مبنى». وطبقا لبريك تحتاج الأسئلة الصعبة إلى إجابات صعبة؛ هل تركت القوة من يقدم غطاء لها عندما اقتربت من المبنى وفي حال إطلاق النار عليها؟ هل كان اقتراب القوة من المبنى يحاكي التدريبات، وليس بالسير وهم منتصبو القامة الواحد تلو الآخر كما رأيناهم يدخلون المنازل في قطاع غزة من دون أي شكل منظم كما يجب؟ 60 في المئة من القتلى في القطاع سقطوا نتيجة دخول القوات منازل أو فتحات أنفاق بصورة غير منظمة، إذ كانت توجد عبوات، وكانت المنازل مفخخة. هل أطلقت القوة النار على المنزل قبل دخوله للتأكد من عدم وجود العدو فيه أو في محيطه؟ هذا يذكرني بالأنباء التي كانت تصل إليّ من قطاع غزة. بدأنا نتلقى أخباراً سيئة جداً عن الكثير من القتلى والمصابين في اليوم الأول من دخول لبنان، وآمل كثيراً ألاّ يكون هذا نتيجة عدم الانصياع للأوامر العملياتية». ويدعو للفهم أن احتلال مناطق أيضاً في جنوب لبنان لن يؤدي إلى التحول الذي تريده إسرائيل لوقف حرب الاستنزاف، ويسوغ رؤيته بالقول إنه في نهاية المطاف، سيُخرج الجيش قواته، وأكثر من ذلك، سيستمر حزب الله في إطلاق الصواريخ والقذائف على إسرائيل، وعلى الشمال من مناطق أبعد من المناطق التي ستسيطر عليها. ويمضي في استشرافه ذلك: «حتى لو أراد الجيش البقاء في المناطق التي احتلها، فإنه لا يستطيع القيام بذلك، لأنه لا يملك فائضاً من القوات البرّية بسبب التقليصات الكبيرة في سلاح البرّية خلال الـ20 عاماً الماضية. وسيكون على الجيش إخلاء المناطق التي احتلها، كما حدث في قطاع غزة في مقابل حماس، وسيسيطر مخربو حزب الله على المناطق».

الرد على إيران

وطبقا لبريك يجب أن يكون رد الجيش على إطلاق 181 صاروخاً إيرانياً في اتجاه إسرائيل محدوداً، وبالتنسيق مع الولايات المتحدة، كي لا يجر ردوداً إيرانية أُخرى. كما يرى أنه يجب تذكُّر أنه خلال لعبة كرة الطاولة بيننا وبين الإيرانيين، يمكن أن نندفع إلى رد إيراني فيه يتم إطلاق مئات الصواريخ في وقت واحد على المراكز السكنية الخاصة بنا؛ منطقة المركز، وخليج حيفا، والكريوت، وبئر السبع، والقدس، وسيكون الهدم والدمار الذي سيلحق بإسرائيل كارثياً. ويتساءل: حتى لو قمنا بردّ مضاعف، وهدمنا آبار النفط الخاصة بهم، فإنهم سيستطيعون النجاة. لكن بعد ذلك، مَن يضمن نجاتنا من الضربة المؤلمة التي سنتلقاها؟ وهنا يضيف «خلال أول جولتين، شدد الإيرانيون، حسب ادعائهم، على إطلاق صواريخهم في اتجاه أهداف عسكرية. صحيح أنه كانت هناك صواريخ انحرفت وسقطت في مناطق مأهولة، لكن هذا لا يشبه وضعاً تكون فيه مئات الصواريخ موجهة إلى مناطق سكنية ذات كثافة عالية، فإيران وأذرعها منتشرون في مناطق واسعة، ونحن دولة صغيرة مجتمعها يتركز في مناطق ذات كثافة سكانية عالية في مدنها الكبيرة. إذن، حتى لو أسقطنا عليهم ضرباتنا، وأوجعناهم كثيراً، فسيستطيعون النجاة. أمّا نحن، فمن غير المؤكد». ويحذر من الدعوات الانفعالية لرد قوي في إيران ويقول إنه بعدما اغتالت إسرائيل نصر الله، ودخلت قواتها المناطق اللبنانية، يجب التوجه، وبوساطة أمريكية ودول أُخرى، إلى بناء حزام أمان حول بلداتها الموازية للحدود في الشمال والجنوب، ويجب تحرير المخطوفين وإعادة عشرات الآلاف من النازحين إلى منازلهم.

حسابات نتنياهو

وحسب فهم بريك، فإنه لا يبدو أن بنيامين نتنياهو جاهز للذهاب في ترتيبات واتفاقيات بين إسرائيل وحزب الله و«حماس» حتى الآن، إنما يريد الاستمرار في القتال من أجل المحافظة على حكمه، وما زال يوجه نظره إلى هدف «تفكيك حماس مطلقاً» و«إخضاع حزب الله» وإسقاط النظام الإيراني. ويضيف: «ما رأيناه هو أن نتنياهو وحكومته يريدون الوصول إلى ترتيبات فقط بعد تفكيك حماس مطلقاً، وإخضاع حزب الله، وهذا ما يدل على أننا نتعامل مع رئيس حكومة ما زال يعيش نشوة ما بعد اغتيال نصر الله؛ فهو يتجاهل كلياً الواقع حوله، ويعيش في عالم موازٍ، يستطيع فيه الانتصار في الحرب على إيران وأذرعها، وبكلمات أُخرى؛ العالم العربي المعادي لنا». ويمضي بريك في توجيه انتقاداته لحكومة الاحتلال: «بدلاً من الذهاب في الطريق الصحيح والوصول إلى ترتيبات بوساطة الولايات المتحدة بعد نجاحات سلاح الجو في مقابل حزب الله، فهو يستمر في حرب الاستنزاف التي يمكن أن تقودنا إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات، ويُلحق ضرراً حرجاً بإسرائيل. وحتى إذا لم تندلع حرب إقليمية متعددة الجبهات في هذه المرحلة، فإن حرب الاستنزاف مستمرة منذ عام، وستفكك الدولة في جميع المجالات التي ذكرتها سابقاً». ويضيف في هذا المضمار: «علينا أن نتذكر أن إيران وأذرعها لم يتركوا فكرة إبادة إسرائيل، وإيران تندفع نحو قنبلة نووية، ويمكن أن نجد أنفسنا بعد بضع سنوات أمام إيران نووية. ومؤخراً، نشهد عداء متصاعداً في مصر تُجاه إسرائيل، وقد بَنَت الأولى الجيش الأكبر والأقوى في الشرق الأوسط، وجميع تجهيزات الجيش المصري موجهة نحو إسرائيل. كما أن سلطة الحكم في الأردن أيضاً تتزعزع… وسيتوجب على إسرائيل أن تكون لديها قوات على الحدود مع الأردن، يبلغ طولها نحو 400 كيلومتر. واليوم، لا توجد لدينا قوات للدفاع حتى، كما ستتضطر إسرائيل نشر قوات على الحدود المصرية. كما أن السوريين يرمّمون جيشهم بمساعدة روسيا، وبعد بضعة أعوام، سيكونون تهديداً حقيقياً يستوجب التعامل معه من جانب الجيش. إذن، يتوجب علينا أن ننشر قوات على حدود قطاع غزة، والحدود في لبنان، والضفة الغربية، وحرساً قومياً داخل إسرائيل للدفاع في مقابل المخلين بالنظام المتطرفين». من هنا يستنتج بضرورة التوصل إلى هدوء، و«وقف استمرار انجرار إسرائيل نحو الأسفل في المجالات التي ذكرتها، ويجب زيادة حجم سلاح القوات البرّية ببضعة ألوية كما كان قبل 20 عاماً». ويقول إن كمية الصواريخ والقذائف والمسيّرات التي لدى إيران وأذرعها تتزايد بمساعدة موارد كبيرة يحصلون عليها من الصين وروسيا وفي مقابل هذا كله، لدينا اليوم سلاح برّية صغير لا يستطيع الصمود كما يجب، ولا حتى في جبهة واحدة.

حرب المستقبل

وحسب بريك الذي تنبأ قبل سنوات بالسابع من أكتوبر هناك حاجة فورية إلى شراء أدوات قتالية جديدة ملائمة لحروب المستقبل، وإقامة سلاح صواريخ، وصناعة ليزر قوي للهجوم والدفاع من الصواريخ الباليستية، وشراء رشاشات بفوهتين، ومسيّرات، وغيرها. ويضيف في هذا المضمار: «إن لم نكن جاهزين في السنوات القريبة مستقبلاً، فإننا لن نستطيع الصمود في مقابل كل التهديدات التي ستفرضها علينا الدول العربية بقوة، والتي ستكون أضعاف التهديد الحالي. واليوم، لا يوجد لدينا حل للتهديد المتعدد الجبهات الذي يتصاعد بوتيرة مذهلة مع الوقت». ويختتم بريك بالقول إن إحدى مشاكل الإسرائيليين الأكثر صعوبة هي أنهم يغرقون في النشوة حين ينجحون، ولا يصغون إلى المشاكل الصعبة المتوقعة أمامهم على الطريق من أجل التعامل معها، مشددا على أن هذا النهج يتم فيه دفن الرأس بالرمال، ويمنح نتنياهو وغالانت وهرتسي هليفي الدعم اللازم، وهو السبب وراء اليوم الأسود 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 ويمكن أن يكون السبب وراء يوم أكثر سواداً في المستقبل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية