مهرجان الرعاة الدولي بفريدي – الطينطان: إحياء لتراث موريتانيا ونافذة اقتصادية مفتوحة على العالم

عبد الله مولود
حجم الخط
0

نواكشوط ـ «القدس العربي»: في أعماق البادية الموريتانية، حيث تلتقي الطبيعة البكر بروح الحياة البدوية، احتضنت منطقة فريدي – الطينطان بولاية الحوض الغربي الواقعة شرق موريتانيا، مهرجان الرعاة الدولي الذي تحول إلى ملتقى سنوي يشهد مشاركة الرعاة والمزارعين والسياح من مختلف أنحاء موريتانيا.

ودورة بعد أخرى، يتحول هذا المهرجان الرائد من حدث محلي، إلى نافذة ثقافية واقتصادية تفتح أبوابها للعالم.
وقد رحب منظمو هذا المهرجان الكبير، بالمشاركة المحلية وحتى بالقادمة من مختلف أنحاء العالم في سعي لمد الجسور الثقافية بين الشعوب من خلال العودة معا إلى المنبع الأصلي للمجتمع البشري الذي هو البادية.
تنظيم المهرجان في مدينة الطينطان، هو أحد عناصر قوته، إذ يحاول القائمون عليه استثمار كنوز مخفية في هذه المنطقة من موريتانيا، التي تبعد 700 كيلومتر إلى الشرق من العاصمة نواكشوط، وبحكم موقعها تلامس العديد من مناطق الوطن، وهي مع ذلك في تماس يومي مع العمق الأفريقي.
وتعتبر مدينة الطينطان تحديدًا، والحوض الغربي على العموم، حاضنا لرافد من أهم الروافد الثقافية في موريتانيا وشبه المنطقة، فللموسيقى مكانة خاصة في هذا الحاضن، وهي الحامل الحقيقي للثقافة والتراث والتاريخ والبيئة والجغرافيا.. إنها الإنسان.

موسيقى الرعاة

شهد المهرجان إنعاشا موسيقيا أصيلا حيث جرت حفلتا افتتاحه واختتامه، على موسيقى أدتها فرقة من «الرعاة» قادمة من ولاية كيدماغه جنوب موريتانيا، وظهرت الفرقة بملابسها وأدواتها الأفريقية المميزة، مختزلة ثقافة الترحال التي حملتها قبائل الفلان الشهيرة قرونا وأطربت بها أسفار التاريخ أزمانا بعد أخرى.
وأبرز المهرجان مظاهر الحياة البدوية الموريتانية بفنونها وصناعاتها وآدابها وعلومها، إلى جانب فعاليات كثيرة أخرى بينها تشييد قرى نموذجية ومعارض فنية للصناعة التقليدية والصور والأسلحة والآلات الزراعية، مع عروض فنية موسيقية وفلكلورية ومسرحية وسينمائية، وجولات سياحية في المنطقة، لاكتشاف معالمها الجبلية والأثرية.
ويعتبر المنظمون «أن مهرجان الرعاة الدولي في فريدي – الطينطان، فرصة رائعة لا تخص فقط المزارعين والرعاة وسكان الريف والقرية في منطقة أفله، بل تشمل كل الراغبين في المشاركة من جميع أنحاء البلد لعرض مهاراتهم ومنتجاتهم والتواصل مع بعضهم البعض».
والمهرجان مناسبة لإحياء التراث البدوي وتخليد طريقة حياة الإنسان الموريتاني في علاقته الحميمة مع الطبيعة.
وقد احتوى مهرجان الرعاة الدولي في نسخته التي اختتمت للتو، على العديد من الفعاليات والأنشطة التي تتضمن مسابقات وعروض فنية وحرفية تقليدية.
وساهم المهرجان في تعزيز السياحة الداخلية وفي دعم الاقتصاد المحلي وجلب الفرص الاستثمارية وكسر العزلة عن المنطقة؛ كما ساهم في تثبيت السكان في قراهم والحد من الهجرة والقضاء على الفقر والجهل والمرض.
ويقف الزائر للمهرجان على مشهد ساحر، حيث تمتد الخيام التقليدية وسط الصحراء الرحبة، معلنة عن انطلاق احتفالية فريدة من نوعها.
وهنا وهناك وهناك، يتجول الرعاة، بأزيائهم التقليدية، مصحوبين بقطعانهم التي تعكس علاقة الإنسان الموريتاني الحميمة مع الطبيعة.
ويشارك هؤلاء في مسابقات تراثية تظهر مهاراتهم في رعاية الإبل والأغنام، وهي مهارات تناقلتها الأجيال عبر العصور.
يقول أحد المشاركين: «هذا المهرجان يعيد إلينا روح الماضي؛ إنه ليس مجرد منافسة، بل فرصة لتعليم الجيل الجديد عن قيم الحياة البدوية.»
وما يميز مهرجان الرعاة الدولي هو شموليته؛ فعلى الرغم من تركيزه على التراث المحلي، فإنه يفتح أبوابه في المستقبل، وفقا لمنظميه، لمشاركات دولية من مختلف القارات؛ فالمهرجان يحث الخطى ليكون منصة يلتقي فيها المشاركون من مختلف أنحاء العالم ليشاركوا في فعاليات المهرجان المتنوعة، من الحرف التقليدية إلى العروض الفنية.
ومثل مهرجان الرعاة نقطة تحول مهمة في تعزيز السياحة الداخلية وجذب الاستثمارات إلى المناطق النائية في عمق موريتانيا؛ فمن خلال فعالياته المتنوعة، جذب الزوار من داخل وخارج البلاد، ما ينعش الفنادق والمطاعم المحلية ويساهم في خلق فرص عمل جديدة.
كما شارك في المهرجان الحرفيون المحليون الذين عرضوا منتجاتهم اليدوية، ما يساعد على ترويج الصناعات التقليدية ويعزز الاقتصاد المحلي.

الاهتمام بالبيئة

وسط هذا الحراك الثقافي والاقتصادي، يولي المنظمون أهمية كبيرة للحفاظ على البيئة، حيث تم تنظيم حملات توعوية تدعو إلى الحفاظ على الموارد الطبيعية والحد من التلوث؛ ويهدف المهرجان إلى نشر الوعي البيئي بين المشاركين والزوار، مؤكداً على ضرورة التعايش المتناغم بين الإنسان والطبيعة.
إلى جانب الأنشطة الثقافية والترفيهية، سعى القائمون على المهرجان إلى تعزيز التعليم في المنطقة، من خلال توفير ورش عمل وبرامج تعليمية تهدف إلى تثقيف السكان المحليين حول طرق الزراعة الحديثة وأساليب الحياة المستدامة. كما تهدف هذه الجهود إلى تثبيت السكان في قراهم وتقليل الهجرة نحو المدن.
ويقول مدير المهرجان حميده ولد خرشف، خلال كلمة الافتتاح: «فكرنا في إطلاق مهرجان دولي لنستثمر في الثقافة والفن والإنسان، ومن أجل إشاعة الجمال ودعم السياحة المحلية والبيئة».
وأضاف «هذا المهرجان الأول من نوعه، محليًا وإقليميًا، يرفع شعار للأرض.. للإنسان، ويسعى إلى بعث المشترك الثقافي في منطقة أفله، وإبراز تقاطعه مع مختلف مناطق الوطن؛ ويسعى المهرجان الذي يشرف عليه فريق من المختصين في العمل الثقافي، لتجاوز القوالب الجاهزة للمهرجانات النمطية، من خلال تقديم مختلف مظاهر حياة الإنسان الموريتاني في وسطه الأصلي الذي هو البادية».
وزاد «الفكرة الجوهرية للمهرجان هي إحياء التراث المادي والمعنوي الريفي، وكسر العزلة الحضارية والثقافية والاقتصادية عن منطقة أفله، وإنقاذ البيئة بشقيها الحيواني والنباتي» على حد تعبير مدير المهرجان.
وقال إن «هدفنا هو خلق بيئة سياحية حقيقية لأول مرة في المنطقة، باستغلال الموارد والإمكانات الضخمة الكامنة في الطبيعة والبشر، وتشجيع الهجرة العكسية من العاصمة نحو الريف، والتوزيع المتوازن لأدوات التنمية البشرية بين ولايات الوطن».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية