لماذا انطفأ بريق بيلينغهام مع ريال مدريد؟

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: في مثل هذه الأيام من العام الماضي، كان الإنكليزي جود بيلينغهام، يستمتع بحمى البداية مع ريال مدريد، متقمصا دور البطولة المطلقة في اللحظات المعقدة، على غرار هدفه الحاسم في مرمى يونيون برلين في افتتاح دور مجموعات دوري أبطال أوروبا، ولوحته الفنية المستوحاة من الفن الزيداني الأصيل في شباك نابولي، وبينهما عزز رصيد أهدافه على مستوى الدوري الإسباني لما مجموعه ستة أهداف في أول ثمانية أسابيع، حيث اعتبر نجاحا فوريا في تعويض ثاني أعظم هداف في تاريخ النادي كريم بنزيمة بعد انتقاله المفاجئ إلى اتحاد جدة السعودي في نفس العام، إلى أن ختم موسم كأس دوري أبطال أوروبا الخامسة عشرة، وفي جعبته 36 مساهمة تهديفية، بواقع 23 هدفا بالإضافة إلى 13 تمريرة حاسمة من مشاركته في 42 مباراة في مختلف المسابقات أو 3644 دقيقة بالقميص الأبيض، كثاني أكثر لاعب تأثيرا في هجوم الفريق بعد زميله البرازيلي فينيسيوس جونيور، ما ضاعف فرصه في اقتحام القائمة المختصرة المرشحة للفوز بجائزة «الكرة الذهبية»، كأفضل لاعب في العالم لهذا العام من مجلة «فرانس فوتبول»، لكن ما يُثير قلق ومخاوف عشاق نادي القرن الماضي، توقفه عن التسجيل والصناعة بنفس الصورة التي رسمها لنفسه في بدايته مع النادي، لدرجة الاكتفاء بتسجيل هدف وصناعة مثله منذ ركلة بداية هذا الموسم، والسؤال الذي يفرض نفسه في هذه الأثناء، هل حقا انطفأ بريق بيلينغهام بعد تراجع تأثيره في الثلث الأخير من الملعب؟ وما سبب هذا التراجع من الأساس؟

دور جديد

بالعودة بالذاكرة إلى صيف 2023، سنتذكر التساؤلات الكثيرة حول إمكانات ابن مدينة بيرمنغهام وقدرته على تقديم الإضافة المطلوبة منه مع النادي الأكثر شهرة على هذا الكوكب، وسرعان ما بادر الشاب العشريني بالتعبير عن نفسه بطريقة فاقت كل التوقعات، بعد استجابته المذهلة للدور المركب الذي كان يلعبه في طريقة 4-3-1-2، في ما كان أشبه بالبديل المزيف لبنزيمة، بتواجده على مسافة قريبة من ثنائي الهجوم فينيسيوس جونيور ورودريغو غوس، والأهم كان يجد المساحة الكافية للتحرك بأريحية في عمق دفاعات الخصوم، في ظل تواجد ثنائي الهجوم على أطراف الملعب، أي أنه أحيانا كان يؤدي دور المهاجم رقم (9) الصريح، وأحيانا أخرى يخرج ما بداخله من نفحات مثله الأعلى زيدان، بتعاون مثمر مع زميليه في الهجوم، لكن بعد وصول كيليان مبابي، ومن قبله اعتزال مهندس وأسطورة الوسط توني كروس، تحول لاعب بوروسيا دورتموند سابقا، إلى المركز الذي جاء من أجله إلى «سانتياغو بيرنابيو»، كلاعب وسط رقم (8) على الجانب الأيسر، مثل صانع الألعاب الشامل في عصر أساطير التسعينات وبداية الألفية أمثال ريكاردو كاكا، وخوان ريكيلمي، وأستاذ الأناقة زيزو وباقي الرموز العالقة في الأذهان، أو بلغة المدربين تغير مركزه من الرقم (10) المتحرر، إلى مركزه الحالي الذي يجعله في أغلب الأوقات على مسافة بعيدة عن المناطق المحظورة في دفاعات الخصوم، وبالتبعية يعتبر السبب الرئيسي وراء جفاف أهدافه هذا الموسم، ولو أن هذا لا يقلل من دوره التكتيكي، الذي يجعله لا يزال فعالا بالنسبة لأفكار المدرب ورؤيته الفنية داخل المستطيل الأخضر، لاستيعاب هذا الكم المخيف من المواهب والنجوم في وسط الملعب وخط الهجوم.

أزمة التأقلم

صحيح معدل أهداف جود تراجع نوعا ما في النصف الثاني من الموسم الماضي، لكن تحول المدرب إلى طريقة 4-2-2-2 بدلا من الطريقة التي بدأ بها الموسم، ساهمت في انفجار أهداف الثنائي فينيسيوس ورودريغو، وحدث ذلك بعد وصول بيلينغهام إلى قمة التفاهم والانسجام مع فيني وغوس، وبدعم هائل من طيب الذكر توني كروس وباقي المقاتلين في وسط الملعب، بينما الآن، يبدو واضحا أن الدولي الإنكليزي لم يصل بعد إلى التفاهم المطلوب مع الوافد الجديد كيليان مبابي، الذي استحوذ على الأمتار السحرية التي كان يترجل فيها طيلة الموسم الماضي، بتوظيف المدمر الفرنسي في مركز المهاجم رقم (9.5)، أحيانا يكون خلف الثنائي البرازيلي أو يتحول إلى رأس حربة، لكن بإيقاع أقل ما يُقال عنه أنه بطيء ومكشوف بالنسبة للمشاهد البسيط، فما بالك بالمدافعين والمدربين الذين يدرسون هذه التحركات النمطية، والجري غير المتناسق بين ثلاثي الهجوم، ولو أن هذا لا يعني أن الأرقام لا تنصف أفكار الميستر كارليتو، بفضل الأهداف الخمسة التي سجلها الهداف التاريخي لباريس سان جيرمان في الدوري الإسباني، بالإضافة إلى هدف آخر في اللقاء الافتتاحي لدوري الأبطال، وأيضا فيني تمكن من تسجيل ثلاثة أهداف وتقديم 4 تمريرات حاسمة، وابن جلدته هز شباك الخصوم 3 مرات وصنع اثنين، ما يعطي إيحاء أو انطباعا عاما بعدم وجود كارثة على مستوى الخط الأمامي، وهذا يأتي على حساب حصة بيلينغهام التهديفية، بدفع ضريبة القيام بدوره الجديد، القديم في وسط الملعب، بخسارة معدل أهدافه المحتملة في مركزه القديم، حيث يكتفي الآن بانتظار فرصه النادرة لاقتحام منطقة جزاء الخصوم، على أمل أن يحاكي لحظاته الاستثنائية في الموسم الماضي، على غرار عرضه الأسطوري أمام سلوفاكيا في يورو ألمانيا 2024، الذي ختمه بتسجيل هدف إنقاذ منتخب بلاده في الدقيقة 95 من علامة الجزاء، بالإضافة إلى تعملقه مرتين أمام برشلونة في كلاسيكو الأرض، ودوره الفعال في تأهل الريال إلى ربع نهائي الأبطال على حساب مانشستر سيتي في عقر داره ملعب «الاتحاد»، وتمريرته الحاسمة في المباراة النهائية أمام بوروسيا دورتموند، فهل يا ترى سينجح في الحفاظ على عادته بالتوهج في المباريات الكبرى لتعويض جفاف أهدافه بحكم مركزه الجديد؟ هذا ما سيجيب عنه في المواعيد الكبرى المنتظرة في الأسابيع والأشهر القليلة المقبلة سواء في دوري الأبطال أو حملة الاحتفاظ بلقب الليغا للمرة الثانية على التوالي.

لغة الأرقام

وفقا لموقع «Goal» العالمي، لا يوجد أي مبرر لحالة القلق المسيطرة على أغلب مشجعي الريال بسبب ضعف إنتاجية بطل الموسم الماضي أمام المرمى، على اعتبار أن لغة الأرقام تخبرنا أن أموره تسير على ما يرام، بخصوص المطلوب منه في دوره الجديد كلاعب وسط رقم (8)، بقيامه بالتسديد 11 مرة، خمس منها علت العارضة، بدون أن يفقد دوره التكتيكي المؤثر في وسط الملعب، كلاعب مايسترو يقوم بعملية الربط بشكل صحيح بين وسط الملعب والهجوم، غير أنه يعتبر رابع أكثر لاعب تقديما للتمريرات المفتاحية، والرابع أيضا من حيث المراوغات المكتملة، ونفس المركز على مستوى فقدان الكرة بعد ثلاثي الهجوم، فقط العجوز الكرواتي لوكا مودريتش، هو ما لديه نسبة تمريرات مكتملة أفضل بين لاعبي وسط لوس بلانكوس. أما على مستوى أرقامه الدفاعية، فيأتي في المرتبة الثالثة من حيث اعتراض هجمات المنافسين، والأول بدون منازع على مستوى التدخلات لكل 90 دقيقة، وهذه الأرقام من مشاركته في 6 مباريات قبل وبعد عودته من الإصابة، والبعض يراها تتوافق مع إمكاناته والمطلوب منه في وسط الملعب، كلاعب أنيق وممتع ومتعدد المهام في أم المعارك، بالأحرى لاعب وسط خلاق من الطراز العالمي، وليس لاعب الوسط المهاجم الذي يجمع بين صانع الألعاب والمهاجم الكاذب، كما كان الوضع قبل قدوم مبابي واضطرار المدرب لإجراء هذه التعديلات في طريقة اللعب ومراكز بعض اللاعبين، التي تسببت بشكل أو بآخر في تراجع أداء الفريق هذا الموسم مقارنة بالنسخة البراقة التي كان عليها الموسم الماضي، وبالتبعية سلطت الضوء على أسباب اختفاء تأثير جود في الثلث الأخير من الملعب، ما بين مجموعة كانت وما زالت تلقي باللوم على المدرب لإخفاقه في توظيف اللاعب في مركز يساعده على مشاركة ثلاثي الهجوم في الغلة التهديفية، ومجموعة أخرى تضع علامات استفهام على مردوده بوجه عام منذ خسارة نهائي اليورو مع منتخب بلاده أمام إسبانيا، بدون إعطاء أي أهمية للغة الأرقام والإحصائيات التي تثبت أن اللاعب يقوم بالمطلوب منه على أكمل وجه في دوره الجديد، والسؤال الآن لك عزيزي القارئ: هل تعتقد أن بيلينغهام تأثر بشكل سلبي بقدوم مبابي؟ أم أنه يؤدي دوره التكتيكي بشكل جيد ومع الوقت سيستعيد غرازته التهديفية مرة أخرى؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية