الجيش الاسرائيلي يحتاج الى ابطال

حجم الخط
1

إن حرب لبنان الثانية في 2006 هي المعركة العسكرية المهمة الاخيرة التي شاركت فيها اسرائيل (يوجد بالطبع من يخالفون هذا التشخيص ويقولون انه ليس الحديث عن حرب حقيقية بل عن معركة بين فرقة أو اثنتين شبه مطبوختين). كانت تلك الحرب مصحوبة بتضخم درجات المدح. ففي مراسيم توزيع أوسمة الشجاعة بعد أكثر من سنة من انتهاء الحرب تم توزيع ما لا يقل عن 38 وسام شجاعة من رئيس هيئة الاركان و104 أوسمة اخرى من قادة المناطق وقادة الفرق.
تقول المواضعة العسكرية القديمة انه في المكان الذي يفشل فيه الجنرالات يُمنح الضباط الصغار والمحاربون العاديون بعد ذلك أوسمة أكثر لأنه حينما يسير الأكثرون على حسب الخطة لا يُحتاج على نحو عام الى ظواهر بطولية غير عادية توجب أوسمة شجاعة بعد ذلك. ويشتمل هذا التشخيص على زعم آخر وهو ان وسام الشجاعة هو في الحقيقة تغطية للمؤخرة يحمي به الجهاز العسكري مؤخرته بعد ان تتعقد الامور، وليس هذا صحيحا دائما لكن لا شك في ان هيئة الضباط العليا يطيب لها ان تلوذ في ظل غبار النجوم الذي يثيره المقاتلون الشجعان ذوو أوسمة الشجاعة.
انتبه رون بن يشاي، المحلل العسكري لـ ‘واي نت’ قرب موعد مراسيم أوسمة الشجاعة من لبنان الى ظاهرة تثير العناية. فقد كتب بن يشاي يقول ان أكثر المتميزين في الحرب حظوا بأوسمة شجاعة بسبب ظواهر بطولية كانت تتصل بتخليص جرحى تحت نار العدو، ورأى المحلل القديم في ذلك شهادة حاسمة على صورة سير الحرب في 2006 فقد كانت معارك تقدم مبلبلة وقفت في كل مرة أظهر فيها حزب الله مقاومة تستحق هذا الاسم، وأصبحت دفعة واحدة جهدا لانقاذ الجرحى. وإن الافتراض السائد الذي يقول ان الجنود حتى رتبة قائد الكتيبة قد حاربوا مثل أسود وهزموا حزب الله في حين فشلت الرتب التي هي أعلى وأفشلت، كما كتب بن يشاي، هو ‘أسطورة جميلة فيها قليل من العزاء لكبريائنا والعلاج لثقتنا بأنفسنا، لكن هذه ليست الحقيقة’. فقد زعم أنك لا تصنع الحرب بالندب.
أُضيفت الى انتقاد بن يشاي مزاعم أثارتها لجنة تابعة لهيئة القيادة العامة برئاسة الجنرالين يورام يئير واليعيزر شتيرن فحصت عن ‘قيم الجيش الاسرائيلي في الحرب’. وزعم يئير بعد ذلك ان السبب الرئيس لاخفاقات الجيش الاسرائيلي في الحرب كان ‘السلوك القيمي للقادة من رئيس هيئة الاركان الى رتبة قادة الكتائب’ وان الجيش قد نسي أهم قيمة وهي التمسك بالمهمة والسعي الى النصر.
قيلت أقوال المحلل والجنرال في فترة كانت الحرب ما زالت تُرى فيها وبحق فشلا عسكريا. ومرت منذ ذلك الحين سبع سنوات هدوء على حدود لبنان. ونبعت هذه السنوات في الأساس من الفرق الأساسي في القدرات بين الجيش الاسرائيلي وحزب الله الذي ظهر في الحرب ايضا، فما زالت الضربة التي تلقتها المنظمة اللبنانية تردعها عن محاولة تصعيد آخر مع اسرائيل. لكن الهدوء خدم اولئك الذين أرادوا اجراء ما يشبه حركة تصحيح تاريخية في وصف الحرب وعرضها على أنها نصر سياسي وعسكري تُحسن نتائجه الرأي في صورة ادارة المعركة. ومن حسن الحظ أن مرت بضع سنوات قبل ان يسمح الجيش الاسرائيلي لنفسه بأن يصبح أسير سحر هذه الأكذوبة. إن غابي اشكنازي، رئيس هيئة الاركان الذي عُين بعد الحرب بذل جهدا كبيرا في اعادة أهمية القيم القديمة وانعاش العلم العسكري الفني الذي نُسي في سنوات الانتفاضة الثانية.
عاد الجيش حقا للحديث بالمصطلحات التي كانت ذات مرة، لكن التغيير المبارك هذا لا يغير الاطار الذي تتم فيه المعارك العسكرية الاسرائيلية وهو ما وصفه الباحث البروفيسور ادوارد لوتفيك بأنها ‘حروب ما بعد البطولة’. في حروب كهذه يوجد لديمقراطيات غربية (واسرائيل منها) هدفان رئيسان: منع الخسائر من جانبنا والامتناع عن مس مبالغ فيه بمواطني العدو. انها حروب لا تقترن في الأكثر بتهديد وجودي للدولة التي تختار ان تستغل تفوقها التقني كي تقوم على نحو عام بمعركة من بعيد تُمكّن من الحفاظ على فاعلية عملياتية ومعايير اخلاقية معقولة من غير ان تزعزع الشرعية الداخلية بل على قدر من الشرعية الدولية لعملياتنا.

هآرتس 15/4/2013

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية