هل رأى أحدكم اليوم التالي؟ تفيد الأستوديوهات بوجود نصر مطلق، لكنه اختفى، ضاعت آثاره، والحكومة لا تطلب معونة الجمهور في بحثها عنه، والسياسيون كفوا عن الحديث عنه. من لا يكترث لما سيحصل بعد ساعتين، لن يهتم بما سيحدث بعد أسبوعين أو شهرين أو سنتين. لن يشتري بعد الآن تذكرة سفر لما بعد شهر، ولن يستثمر في شقة تنتهي بعد سنة.
في مكان طبيعي، يخطط شاب طبيعي لمستقبله. في مكان طبيعي، توفر الدولة شروطاً لتحقيقه. لكن هذا ليس عندنا الآن. مستقبل الشباب هنا ليس في أيديهم، فقد تخلوا عنه. الطلاب، الذين يكافحون في كل مكان لضمان مستقبلهم، يتركونه في أيدي شيوخ مستائين يجعلون منهم لحم مدافع. بدلاً من العمل على وقف الحرب، يُسفرهم “أخوة السلاح” إلى حتفهم.
كيف يمكن العيش دون معرفة ما سيكون في اليوم التالي؟ نعيش من يوم إلى يوم. نجعل غير الطبيعي طبيعياً. فكل شيء هنا غير طبيعي: النوم بالبنطال، قرب السرير، جاهز لارتدائه في الدقيقة والنصف من الصافرة. ليس طبيعياً أن نفرح لتذكرة سفر إلى قبرص بـ 700 يورو. وليس طبيعياً أن يخدم الاحتياط أربعة أشهر في السنة. ليس طبيعياً أن نعرض الحياة للخطر في حرب خاصة لحاكم مجنون.
اعتدنا على أن نقبل غير الطبيعي على أنه طبيعي في أي مكان. ليس هناك دولة طبيعية تُضرب مواصلاتها العامة يوم السبت. ليس هناك دولة طبيعية فيها مجرم يقف على رأس الشرطة، ولا توجد في أي دولة طبيعية زوجة رئيس وزراء تنضم إلى كل رحلة. طبقات من انعدام الطبيعية تبنى على الطبيعية وتشوش الفوارق. عندما لا نعرف الحدود، نطبع كل شيء.
لماذا نقبل كل هذا؟ لأننا لا نعرف أين الحدود. لأنهم يطعموننا انعدام الطبيعية ببطء، لقمة لقمة. من الصعب ترسيم الخط الذي لا نجتازه في الوقت الذي يهبط علينا انعدام الطبيعية بالتدريج، فيعطي وقتاً للهضم. صحيح، كنا قد قلنا “هذا فظيع” حين دخل بن غفير إلى الكنيست، لكن ربما يمكننا العيش مع هذا. كان يمكننا العيش أيضاً مع السيطرة على رئاسة العليا، مع سيطرة كيش على مجلس التعليم العالي، مع فاشية سخيفة تمارسها القناة 14 ومع تقارير الدعاية السوفيتية في التلفزيون عن جنود يموتون ليكونوا في غزة.
تعلمنا أن نعيش مع كل شيء، لكن لهذا ثمناً. إذا ما سكتنا عن ممارسات سارة نتنياهو كعقيلة، فسنستقبلها غداً كعضوة في الحكومة، ومقررة، مثل افيتا بارون، واميلدا ماركوس. إذا غفرنا لابن نتنياهو الذي يستجم في ميامي بينما يقتل الجنود في غزة ولبنان، فسنقبل تعيينه سفيراً في الأمم المتحدة. إذا ما صدقنا الأكاذيب التي يطعمنا إياها المراسلون العسكريون فسنظن أننا غزونا لبنان “كي نعيد النازحين” واحتللنا محور فيلادلفيا “كي نحرر المخطوفين”. يكذبون علينا بوجود حاجة عاجلة “للرد” على إيران. فهل يعرف أحد ما لماذا؟ الشرف؟ الثأر؟ آه، مرة أخرى “الردع”؟ نعم. العبث إياه الذي يخرجه محللون حين لا يكون هناك ما يقولونه؟ لكن “الردع” لا يستهدف فقط إخافة الأعداء، بل إخافتنا نحن أيضاً. نحن مجانين، تحذرنا الحكومة، لا يهمنا كم يقتل عندنا، المهم أن نقتل المزيد منهم.
كان يمكن العيش في واقع غير طبيعي لو عرفنا بأننا سنكون طبيعيين عندما تنتهي الحرب، ولكن أي طبيعية تنتظرنا عندها؟ مرة أخرى بيبي؟ مرة أخرى بن غفير؟ نلحس ونبتلع انعدام الطبيعية العضال. غير مبالين لتخفيض التصنيف الائتماني، ولا لعزلة كوريا الشمالية التي تغلق علينا، ولا لهروب المثقفين الشباب.
لمن يعز عليه مستقبله، ليس هناك ما يعول عليه؛ لا على السياسيين الفاسدين، ولا على الإعلام الذي يعطي لمن يعطي أكثر مثل المومس، أي “للشعب”، أي للرعاع البيبي الجاهل والعنيف والفظ، الذي يلف بادعاء ديني بالحق كراهيته لتكون الثقافة والعلم. لن يذهبوا إلى أي مكان، أولئك البيبيون. في الأرجنتين: مات خوان بارون، لكن البارونية بقيت. بيبي سيختفي، لكن البيبية ستبقى؛ لأن لفساد والعنف اللذين سيخلفانه أكبر من أن يختفيا بهذه السرعة.
بقلم: يوسي كلاين
هآرتس 10/10/2024