هكذا انكشفت عورة بايدن واستراتيجية واشنطن بـ”ميناء المهزلة” على شواطئ غزة والإقليم

حجم الخط
1

عندما عُين عباس عراقجي، الشهر الماضي، وزيراً للخارجية، وتلقى جواد ظريف منصب نائب الرئيس، كان يبدو أن الحكم الجديد في إيران برئاسة مسعود بزشكيان يعتزم شق طريقه نحو المصالحة مع الغرب. فقد كان عراقجي وظريف من مهندسي الاتفاق النووي الذي وقع في 2015 تحت حكم الرئيس حسن روحاني. كلاهما يعرفان الغرب ونظراءهما الأمريكيين الذين أداروا المفاوضات. عراقجي نفسه بدأ جولة محادثات مع نظرائه في دول أوروبا لفحص السبل للمضي نحو اتفاق جديد، ونثر بزشكيان تصريحات تفيد بأن إيران لا ترى مانعاً من إدارة مفاوضات مع الغرب حين تكون مسنودة بتأييد الزعيم الأعلى علي خامنئي. وحتى الأمين العام للجنة الدولية للطاقة النووية، رفائيل غروسي، قال إنه يلاحظ نوايا جدية لدى إيران.

غير أن عراقجي عني في الأسبوع الماضي وهذا الأسبوع بعدة أمور عاجلة، وتأجلت مسألة النووي حالياً كما يبدو. الجمعة الماضي، سافر إلى بيروت، وبعد يوم وصل إلى دمشق ليلتقي بالرئيس الأسد، وأول أمس هبط في الرياض والتقى بولي العهد السعودي محمد بن سلمان ليبحث معه “التطورات في المنطقة”، على حد تعبير البيان الرسمي.

سيناريوهات هجوم الرد الإسرائيلي تملأ وسائل الإعلام الإيرانية، مثلما في الدول العربية والغربية بعامة. وهي تتراوح بين هجوم على حقول النفط ومنشآت التنقيب والتصفية، عبر قصف بنى تحتية مدنية، وحتى ضرب مواقع النووي. مثلها أيضاً التحذيرات والتهديدات من كبار مسؤولين إيرانيين تجاه إسرائيل، بل وتجاه كل دولة تتيح لإسرائيل و/ أو الولايات المتحدة استخدام أراضيها ومجالها الجوي لمهاجمة إيران. يستند تقرير “رويترز” إلى مصادر إيرانية رفيعة المستوى يروي أن إيران حذرت جيرانها في الخليج من أن تعاون دولة واحدة مع الهجوم الإسرائيلي سيعتبر كتعاون من كل مجموعة الدول، وسيكون الرد متناسباً مع ذلك.

في كل واحدة من دول الخليج – من السعودية والإمارات وحتى قطر والبحرين – ترابط قوات أمريكية، لكن ليست قواعدهم الوحيدة التي ستكون أهدافاً لهجوم إيراني أو من جانب مليشيات مؤيدة لإيران تعمل في العراق وسوريا؛ ففي السيناريو الأكثر تهديداً، فإن موانئ النفط والغاز ومنشآت التصفية في دول الخليج قد تعلق في خط النار، ومثلها كل حركة الملاحة المدنية في الخليج الفارسي.

نحو 30 في المئة من عموم النفط الخام في العالم ونحو 20 في المئة من منتجات النفط تمر عبر الخليج. لقد سبق للسعودية أن شهدت في 2019 آثار هجمة حوثية دقيقة على منشآتها النفطية التي عطلت نصف إنتاج النفط لشركة “أرامكو” الكبرى. إيران التي تنتج نحو 2.5 مليون برميل نفط في اليوم وإن كانت ستتعرض لضربة جسيمة، لكن أي ضربة لصناعة النفط لديها ستؤثر على السوق المحلية والتصدير النفطي إلى الصين. فالصينيون يشترون بالمتوسط نحو 1.4 مليون برميل نفط في اليوم من إيران، أقل 10 في المئة من عموم استيراد النفط اليومي لديهم. كمية كهذه يمكن للصين أن تحصل عليها من مصادر أخرى، وإن كان بسعر أعلى، لأن إيران تبيعها النفط بتنزيلات واضحة. لكن “حرب النفط” التي ستتطور في الخليج تبدو قصة أخرى تماماً، يصعب تصور آثارها. عندما “لا يوصي” الرئيس بايدن إسرائيل بمهاجمة منشآت النفط الإيرانية، فهذا هو الخوف الأكبر الذي يقف أمام ناظريه.

“التهديد باندلاع حرب نفط يوضح غياب الاستراتيجية الواحدة لدى دول المنطقة وللولايات المتحدة؛ لتصدي نتائجها؛ بخاصة حين يتضح إذا ما نجح بايدن في إقناع نتنياهو بالامتناع عن هجوم على موانئ نفط ومنشآت تصفية في إيران رغم الأهمية الهائلة التي يوليها بايدن لمنع حرب كهذه قبل ربع ساعة من الانتخابات الأمريكية. وهذا ليس المجال الوحيد الذي تشهد فيه سنة الحرب على غياب استراتيجية إقليمية لواشنطن، أو أن استراتيجيتها على الورق بمثابة أمنية.

هكذا مثلاً تبخرت المبادرة الأمريكية لإعادة السلطة الفلسطينية لإدارة المنظومة المدنية في غزة. بات صعباً أن نتذكر، لكن في تشرين الثاني رسم بايدن منحى سياسياً لـ “اليوم التالي” تجتاز السلطة الفلسطينية بموجبه سلسلة إصلاحات تصبح بعدها الجهة المناسبة للحلول محل حماس لإدارة القطاع. هذه الخطوة خطط لها لتكون مرحلة جوهرية قبيل تطبيق حل الدولتين، ثم المضي بالتطبيع بين إسرائيل والسعودية، وبالتوازي إقامة حلف دفاع إقليمي ضد إيران.

كان يمكن أن تعيد هذه الخطوات رسم خارطة الشرق الأوسط، لكن أمراً منها لم يحصل. السعودية، التي كانت مستعدة عشية الحرب للتوقيع على اتفاق مع إسرائيل والاكتفاء بمنحى تكون فيه “حياة الفلسطينيين أكثر راحة”، على حد تعبير بن سلمان، تراجعت. وهي الآن تعرض إقامة دولة فلسطينية كشرط مسبق لكل اتفاق مع إسرائيل. واضطرت الإدارة الأمريكية للتراجع وسحب فكرة عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة. فضلاً عن ذلك، فهمت أنه رغم المساعدة الهائلة بالمال والسلاح والذخيرة والإسناد السياسي، لا تتوقع أن تخفف حليفتها من حدة مواقفها في مواضيع مهمة جداً للولايات المتحدة، وبرأيها تخدم المصلحة الإسرائيلية أيضاً.

واشنطن لم تصطدم فقط بمواضيع ذات أهمية استراتيجية عليا؛ فجهود أمريكا لتفعيل منظومة ناجعة لتوريد المساعدات الإنسانية إلى غزة فاترة (مهزلة إقامة الميناء العائم المؤقت لا تزال تدوي)، وحجم المساعدات التي تدخل اليوم يشبه الذي كان في كانون الثاني. أما جهود إعادة فتح معبر رفح وإيجاد حل متفق عليه للسيطرة على محور فيلادلفيا ففشلت هي أيضاً. وفي هذه اللحظة، يبدو أن إسرائيل تستعد لتتسلم إدارة توزيع المساعدات وعملياً السيطرة على المنظومة المدنية في القطاع، الخطوة التي معناها احتلال إسرائيلي مباشر وطويل دون خطة خروج.

القدرات لا تُقتطع

تلقى بايدن صفعات رنانة من نتنياهو مرة تلو أخرى في كل ما يتعلق بصفقة المخطوفين أيضاً. فحركة الالتفاف على الموافقات التي سبق أن تحققت، وتصريحات نتنياهو المتضاربة، أوضحت لبايدن بأن حماس ليست الوحيدة التي تعرقل المفاوضات، بل ليس هناك شريك في إسرائيل يتطلع لإعادة المخطوفين. شتائم بايدن لنتنياهو التي تقتبس في كتاب “بوب ودورد الجديد”، وإن كانت تشهد -ليس للمرة الأولى- على العلاقات المسمومة بين الزعيمين، لكنها تعرض بايدن في الوقت نفسه كمن لا ينجح في تحقيق سياسته.

القوة العظمى الأكبر والأقوى في العالم تتصرف كقوة تكتيكية حتى في ردود فعلها على هجمات الحوثيين التي تواصل إلحاق ضرر هائل بالاقتصاد العالمي. وسياسة “اقتطاع القدرات”، الاصطلاح الذي تبناه الجيش الإسرائيلي ليشرح منطق عملياته ضد حزب الله وحماس، مأخوذ من القاموس العسكري الذي حدد أهداف الهجمات ضد الحوثيين. فبعد الهجمة الأمريكية المهمة في كانون الثاني، شرح وزير الدفاع لويد أوستن بأن “هذا العمل يستهدف تشويش واقتطاع قدرات الحوثيين على تعريض مستخدمي البحر الأحمر والتجارة العالمية في أحد المسارات البحرية الأهم للخطر”. لم ينفعل الحوثيون لحديثه، ومثلهم مصر والسعودية والأردن. فهم تعرضوا لأساس الضرر، لكنهم قرروا عدم الانضمام إلى التحالف الدولي الذي يعمل في البحر الأحمر. يبدو أن جدول المخاطر والاحتمالات الذي لديهم يقول إن التهديد الحوثي والإيراني يغطي على تقديرهم بشأن قدرة الولايات المتحدة الوقوف إلى جانبهم.

بعد سنوات غابت فيها الإدارة الأمريكية عن لبنان (مثلما غابت عن سوريا أيضاً)، واعتبرته معقلاً هامشياً لا أهمية استراتيجية له، باتت اليوم مطالبة أن تكون في الساحة اللبنانية. وقد فعلت هذا دون خطة استراتيجية ودون روافع ضغط كافية تمنع التصعيد بين إسرائيل وحزب الله، وهكذا تجد نفسها تنجر وراء التطورات في لبنان. الحرب في لبنان تعد اليوم “حرب اللا خيار” بعد أن اضطر عشرات آلاف المواطنين الإسرائيليين إلى النزوح عن بيوتهم، لكن رغم تصفية قيادة حزب الله في عمليات استعراضية مبهرة، أخذت دائرة الضرر في إسرائيل تتسع.

مع أن الإدارة الأمريكية غيرت نهجها، وعلى الأقل تصريحياً تقف إلى جانب إسرائيل في الساحة الشمالية، لكن ما هي “خطة عملها” وكيف الوصول إلى “نهاية اللعبة” كما يقول التعبير الأمريكي؟ هل يكفي تطبيق قرار 1701؟ هل يمكن للولايات المتحدة أن تجند وتدفع بقوة متعددة الجنسيات لتراقب المسافة بين الخط الأزرق والليطاني؟ هل ستوافق على عرض خطة اقتصادية مغرية لإعمار لبنان؟ هل سيكون لها شركاء عرب أو غربيون؟ أم أن النموذج الغزي هو ما سيطبق في لبنان؛ أي الإسرائيلي؟

الخطط الاحتياطية وإن وجدت، لكنها صيغت قبل أن تصبح المواجهة في الشمال جبهة قتال داخل أراضي لبنان، وقبل أن يصبح أكثر من مليون وربع مواطن لبناني نازحين، بعضهم في بلادهم وبعضهم في سوريا وما وراءها. الآن باتت هذه هي الساحة الأخطر التي تشكل مدخلاً لنشوب الحرب الإقليمية التي تقلق الولايات المتحدة دون أن تكون لديها استراتيجية كبح أو خطة مرتبة لإدارتها، فكيف والحال هذه بشأن خطة لليوم التالي في هذا المفترق الحرج الذي يمكن وينبغي للولايات المتحدة أن تمارس فيه كامل ثقلها وهي أشبه بالمراقب الذي يوصي ويشير ولكنه ينتظر ليرى كيف تتدحرج الأمور؟.

تسفي برئيل

هآرتس 11/10/2024

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية