البشرية شغوفة بالتغيير والإكتشاف وترتقي بواقعها وتاريخنا شاهد على ذلك وحياة الأمم البشرية لم تكن يوما راكدة بل متغيرة لتحسين واقعها وتسخير الطبيعة لخدمتها، فإنظر لحال الأمم السالفة وحالنا اليوم ما أنجزه الإنسان اليوم كان مستحيلا في الأمس القريب، ونحن اليمنيين، جزء من هذه الأمم ونملك كل مقوماتها وملكاتها، ينقصنا الصقل لكي ننهض ونرتقي. وفي اليمن قامت حضارة إنسانية راقية وعرف اليمن دولة النظام والقانون الدولة العادلة وكان له في التاريخ القديم حضورٌ مميزٌ استحق ذكراً في كتاب الله العزيز، وتدويناً في المصادر الجغرافية منذ القدم وكان لليمن وأهل اليمن إسهامات بارزة في نواحي الحياة الاقتصادية والثقافية والعسكرية والإدارية .
ومخطئ من يقول إن اليمن والإنسان اليمني غير قابل للتغيير والنمو والتطور والرقي وان التخلف والجهل سمة من سمات المجتمع اليمني تعيق مواكبته للتطورات العصر واللحاق بالأمم البشرية الأخرى التي تجاوزت صراعاتها وتناحرها وانطلقت إلى رحاب النمو الاقتصادي والسياسي والاجتماعي واستطاعت ان تتعايش في أوطان تسودها النظام والقانون والمواطنة والحقيقة أن التخلف والجهل هما نتائج فرضتها السلطة الطاغية والمستبدة بقصد بقائها متسلطة على مقدرات وحياة الأمة اليمنية العظيمة لتبقى خانعة مستسلمة للواقع المفروض عنوة ولو استعرضنا التاريخ القريب جدا لوجدنا صحة هذه الحقيقة المؤسفة .
وهذا لا يعني ان الشعب اليمني كان مستسلما لواقعة المزري بل هناك ثورات اجتماعية وسياسية قامت في بلدي اليمن وهناك عقول ونخب اجتماعية وثقافية وفكرية تناضل من زمن لتغيير الواقع المزري منذ الخمسينات من هذا القرن
توجت بثورات شعبية عارمة كثورة سبتمبر وأكتوبر وأخيرا ثورة شباط/فبرير كجزء من الربيع العربي حملت شعارات تعبر عن آمال وطموح الجماهير الغفيرة وعمت كل أرجاء الأرض اليمنية دون استثناء وفي اعتقادي ان تحقيق الوحدة اليمنية كانت ثورة الثورات اليمنية باقترانها إصلاحا في النظام السياسي والاجتماعي بإعلان التعددية السياسية والديمقراطية كنهج في بناء الدولة ومؤسساتها لو تهيئة حينها الظروف الموضوعية والذاتية وصارت الديمقراطية سلوكا وثقافة ونهجا سياسيا تقبله كل المكونات والأطياف الاجتماعية والسياسية لنتقل اليمن نقلة نوعية نحو تغير حقيقي لواقع أفضل ومأمول ووصلنا لما وصلت إليه الأمم المتطورة في عالمنا الإنساني في هذا الكون وتجاوزنا صراعاتنا المدمرة لكن قدر لنا أن تتربع على سلطتنا فئة طاغية ومستبدة ترفض أن تكون جزءا من هذا التغيير بل وقفت عائقا أمامه لتبقى متسلطة على الأمة كعصابة تسخر مؤسسات الدولة والديمقراطية لخدمتها بأنانية وجشع مفرط بزعامة علي عبدالله صالح المشهور كلص لإنجازات القوى الوطنية قوى التغيير ليقدم نفسه صانعا لهذا التحول شكلا ومضمونا معيقا أساسيا له ونصب ذاته زعيما روحيا وسياسيا ودمر كل القامات النضالية والنخب الثقافية والفكرية الصادقة لعملية التحول ليبقى رمزا وحيدا دون منافس ودفعه غروره وتسلطه لتمادي نحو توريث السلطة لابنه وافرغ دستور الوحدة والقوانين التي تساعد على هذا التحول من محتوياتها الحقيقية لتبقى ديكورا يتشدق به أمام العالم والمنظمات الأممية متناسيا انه يعد انقلابا على الوحدة واتفاقياتها .
هذا التصادم من الممارسات مع مبدأ التغيير والتحول خلق مزيدا من التنافر والتناحر بين المطيعين والمرتزقة الذين استخدمهم وبين الجماهير الطامحة والشغوفة للتغيير وعملية التحول وكانت النتيجة الكارثة التي نحن اليوم نعاني منها والمؤسف انه لم يستسلم لإرادة الجماهير واستمر يفرض نفسه زعيما على شعب رفضه واعتبره غير أمين على مستقبل الوطن ومقدراته حيث أثبتت الوقائع والبراهين انه كان لصا في حراسة المال العام وطاغية على تنفيذ القانون وقاضيا فاسدا على تطبيق العدل ومنتهكا على حرية شعب وتاجر مخدرات وممنوعات على تربية جيل وجاهلا على رسم ثقافة وفكر أمة ولهذا دس المؤامرات والدسائس في صفوف القوى الوطنية وغذاء الصراعات السلبية والتناحر المدمر مستخدما مجموعة أعْراب لا يهمهم إلا انتفاخ بطونهم وإرضاء رغباتهم وشهواتهم حتى اهتداء لأنصار الله الطامحين للسلطة للاستمرار بنفس النهج مع اختلاف الأجندات ليحولوا اليمن لمقاطعة إيرانية يصدرون ثورتهم الحلم الذي راودهم منذ ان قامت الثورة الإسلامية وكان لابد من البحث عن المبررات والخصوم لخلق صراع عنيف يبدد آمال وطموحات الجماهير ويعيق التحول القائم لخلق وطن يعيش ويتعايش به الجميع وفق أسس ودستور ينظم هذا التعايش ويكون فاعلا يخضع الجميع لبنوده وهو ما يعيق أي مشروع غير وطني مرفوض وكان العنف هو الوسيلة الذي يحقق لهم أجنداتهم وبالعنف سيتم تصفية الخصوم وإلغائهم والاستحواذ بالسلطة وهذا هو المشروع المنفذ اليوم على الواقع .
مثلما كان زعيمهم الطاغية يدغدغ مشاعر البسطاء مستخدما معاناتهم و وأجاعهم وهو صانعها سار خلفاؤه وحلفاؤه على نفس المسار واختلقوا ثورة وهمية بزعيم روحي صور نفسه المهدي المنتظر مرتديا الدين والمذهب لأهداف سياسية وميليشيات بالعنف تركع الخصوم والآخر مستخدما في ثورته أدوات ومخالب النظام الذي طالبت الجماهير الغفيرة في ثورتها فبرز تحالف الشر ضد عملية التغيير والتحول المنشود مستخدما نفس الأدوات والمليشيات لفرض العنف واقعا لنهش جسد الوطن في حروب عبثية مستهدفا كل مناطق ومدن منبع الثورة الشعبية كمناطق مدنية ترفض العنف والاستبداد والطغيان فدفعوا بالوحوش البشرية المتعطشة للدماء والقتل والتدمير نحو تعز ومأرب والحديدة والجنوب وعاصمته عدن كبيئة مدنية قابلة لخصائص الدولة العصرية والتغيير المنشود.
يطلقون عليها ثورة وأي ثورة هذه تأكل أبناءها وتنتهك الحريات والحقوق وتهدد الداخل والخارج الجوار بإيلامهم وإقلاقهم وتفجير مساكنهم وتوجيه سلاح دولتهم لصدورهم وقتلهم خارج إطار النظام والقانون ما حدث في عدن والضالع ولحج وتعز وشبوة ومأرب جرائم يندى لها الجبين ويؤكد وحشيتهم وعنصريتهم المقيتة أي ثورة تعزز الشرخ الوطني والاجتماعي الذي كان قائما نتيجة ممارسات سلطة فاسدة وطاغية شرخا كنا على وشك علاجه واذا بهم يعمقونه لينزف دما ويشتد ألما وتكثر أوجاعه ومآسيه ويقتل كل ذرة تقارب تأسست والقضاء على أي فرصة ممكنة للشفاء. هذه المدن وعلى رأسها عدن حددت اليوم بكل وضوح منهم أعدائها وعرف المواطن اليمني الطموح للمستقبل المنشود من هم معيقو التغيير اليوم و تحول الوطن لساحة صراع إقليمي ضحاياها يمنيون ووقودها يمنيون حرب عصابات تبرهن دون شك أنهم فعلا عصابة لا يعو مفهوم الدولة ولن يكونوا يوما دولة بل استغلوا الدولة واستولوا على وطن ولم يكونوا في مستوى حمايته وتجنيبه مآسي اليوم فاستدعوا كل عصابات الشر بما فيها القاعدة الوجه الآخر لهم .
هل استوعبوا درس عدن وتعز المدن المدنية التي لا تعرف العنف والسلاح وصمدت أمام جبروت وعنجهية الطغاة ومرغت أنوفهم في التراب هل سيغلبون صوت العقل والفكر عن العنف والعضلات التي دمرتهم ومعهم وطن كان على وشك التعافي من مآسيه لينهض ويرتقي لواقع أفضل.
احمد ناصر حميدان* – اليمن عدن