النشيد الفلسطيني المرموق «موطني» الذي كتبه الشاعر إبراهيم طوقان ولحنه الموسيقار اللبناني محمد فليفل عام 1934، لم يعد رمزا لشحذ الهمم، بل أيضا أصبح سبيلا مهما لشحن المشاعر وتوليد الشعور الوطني بالعزة والإباء والفخار والعنفوان.
ومن شدة عشق العرب لهذا النشيد فقد اعتمده الفلسطينيون والأردنيون والعراقيون سلاما وطنيا لهم، ليصبح سلام فلسطين الوطني إلى أن استبدل بنشيد «فدائي» إبان ولادة الثورة الفلسطينية المعاصرة، ونشيد «المنى» في الأردن، وصولا إلى العراق الذي اعتمده سلاما وطنيا له إبان حرب عام 2003.
النشيد القديم الجديد يمتلك قدرة خارقة على إثارة مشاعر الناس، كونه لا يشير إلى جغرافيا أضيق من جغرافيا الوطن العربي، ولا إلى دين إلا ما يؤمن به العرب، ولا إلى فئة أو طائفة أو ملة أو نظام أو حتى زعيم، وإنما يتمحور في كلماته حول التاريخ العربي المشرف والعز والإباء والنهضة والشباب والفداء والوحدة والقلم والهوية والاعتزاز والأماني والطموح والعلم والتعليم، الأمر الذي أهله لاحتلال موقع الصدارة ومكنه من أن يمتلك القدرة العجيبة على أن يصلح لكل زمان ومكان.
ومع استعار نيران ما سمي بـ»الربيع العربي» ولدت الحاجة المعنوية العربية لاستحضار الزمن الفائت والحنين إلى ذلك الماضي الأصيل، فعاد نشيد «موطني» للظهور من جديد بإصدارات مختلفة وعبر عدة مغنين.
لكن جمالية النشيد تكمن في قوة لحنه وسرعته وجديته وإصراره وعظمة أدائه ورشاقة كلماته ودوره في إذكاء العزيمة والإرادة والنهوض من الأنقاض. لذا فإن أي تغيير على طريقة الإلقاء أو اللحن لن يراه البعض إلا انتقاصا من جمالية النشيد وقوته الخارقة.
المحزن في الأمر هو ما رشح من محاولات ظهرت على الشبكة العنكبوتية للاحتجاج على الواقع العربي المعاش، وحالة التقهقر الشاملة عبر تسطيح النشيد وتسخيفه وحشوه بمفردات الاحتجاج. نعم حق الناس أن تحتج، لكن ليس من حق أحد إهانة نشيد «موطني» أو استغلاله للتعبير عن رسائل الضيق المتراكمة، خاصة أن كلمات النشيد وفحوى مفرداته قد جبلت بحبات غزيرة من العرق والدم. لذا فإن تسخيف «موطني» والزج به في حروب فصائلية أو طائفية أو عرقية عبر تحريفه وتشويهه يشكل إساءة لمن كتبه وإساءة لمن ارتقوا شهداء وجرحوا واعتقلوا دفاعا عنه وحماية لكلماته. نشيد يستشهد من أجله مناضلون ويجرح من أجله مناضلون ويعتقل من أجله مناضلون ضد الاستعمار والاحتلال لا يجوز أن يصبح مسرحا للتهكم والاستخفاف والسجال.
وقد زاد هذا الامر اضطرابا مع اشتداد موضة نشيد «موطني»، مؤخرا ظهور تعليقات وتسجيلات تتهكم على إحدى المطربات التي غنت النشيد لتطالبها بالصمت أو ستر الجسد قبل غنائه.
وعليه تستكمل موضة النشيد ليس بالإلقاء البطيء ولا بالتحريف فحسب، بل أيضا من خلال استخدامه للنكات والطرف.
إن الوطن العربي قد تعدى حدود التناحر ليصل في معظمه إلى عالم الفوضى بشكل يصل إلى الموروث الثقافي والنضالي العربي الذي يداس تحت أقدام الجهل والتسطيح والإساءة. فهل مع استمرار انهيار ركائز العالم العربي وتفككه وذهاب ريحه وسرقة جغرافيته وموروثه الثقافي وأزيائه وحتى أكلاته الشعبية سنصل إلى يوم يصبح «موطني» نشيدا لدولة الاحتلال الإسرائيلي؟
٭ كاتب فلسطيني
د. صبري صيدم