وتفيض بحار الشوق

حجم الخط
0

كــم سنـة مرت منذ لقائنا الأول… أنا لم أعد أتذكــر الأيـام والسنين.. كــل شيء مضى بسـرعة، تلاشت تلك اللحظــات الرائعــة التــي نقشناها في كتاب الخلود.. وفجـأة بدون رغبة منا ضرب لنا القدر موعدا للتنائي والإبحار فـي سفـن الرحيـل إلى جزر الألم والحرمان، بعثر صفحات الماضي وصبغها بلون أسود قاتــم، ولكــن اليوم التقينا صدفة والدنيـا يعمـــها البياض، ثلوج في كل مكان، وجه المدينة الضبابية تغير الناس سعداء يسرقون من الزمن سويعات للفــرح.
آه كم نحن بعداء عن أزمن الحب والابتهاج، مــدن السعـادة بينـنا وبينهـا مسافـة ألــف ميـل.
حدقنا في بعضنا بعـضا، بحـار الشـوق تفيض وأمـواج الحرقـة تقـذف بنـا إلـى شــواطىء الأمــان.
أيــن كنــت طـوال هــذه السنين؟
فاجأني السؤال
كــان صوتــك ناعـما، رقيـقــا.
التــزمت الصـمـت، بحـثـت عنـك كثيـرا، كتبــت لك ولــم تـرد علـى رسائلي.
حـدقــت فيــك مــن جــديـــد، أبحـــرت فــي عينيــك الخضــراوين ثـمة أعمــاق فيهما لم أصـل إليــها، أدهشني اللقـاء كنــت أمامك مثل الطفــل الصغير الذي يقف أمام الأشياء مندهشا يتأمل فيها، يريد فك ألغازها وأسرارها أو كالسجين الذي مكث بزنزانة سنوات وسنوات، وعندما يطلق سراحـه يرى النـور فينبهر به بعــد دكنــة الليالــي ودماستــــها. فأنت الشمس التي افتقدتها… بعيدا عنــك كانت فصـولي متشابهة، أنت امـرأة ليست ككل النساء أحببـت فيك روحـك السامية كـان حبي لك ضربا مـن الجنون وكــان منحــة كبيرة للأدب، كـم كتبـت عنك قصصا وخواطر فـي كـل المجلات والجــرائــد. لقـد أعــدنا قصـص الحـب العـذري ورأيـت قيسا بجنبي يبكي ليلاه وروميو يبـث لـــي بأسراره وكثيــر ينــاشد عــزة… كــل هؤلاء كانوا أصدقائي أخرجهم من بطون الكتــب لأضفـي عليهـم حياة جديـدة… أسليهم ويسلــــوننــي.
مــن أجلك ضحيت.. منحتك فــرصة لتعيشي حياتك سعيدة مع مــن عنـده المـــــال.
كنت أريـدك أن تذهبي إلى باريس وتكملي دراستك وتحققـي آمــالك العريضة…الحــب وحـده لا يكـفي… لـم أكـن أملك شيئـا مـن متـاع الدنـيا… ومـا فـائدة أفكـاري وكتاباتـــي عبــر الصحف! لـم أجـن منهــا ســوى الأرق والعــــذابات، بــل تيقـنت أن سبـب مـأساتــي وضياعي هـو هـذه الحـرفة التعيسة «الكتـابــة».
ولكنـنـي أحـببتـك بصــدق وكنـت مستعدة أن أعيــــش معــك ولــو فـي كــوخ، الحـب يعـوضنا كــل الحرمان.. أنـا لســـت امــرأة ماديــة، جمعنا حـب صـادق، بعـث فـي قلبينا دفء السنيـن وجعلنا نعـيش ربيــعا مخضــرا لا يــا «خليـدة» هنــاك فــرق بيـــن الـواقع والخيال، أنت فتــاة رومـانسية حالمـة، الـواقع يطلـب منـا بيـتا يقينا بـــرد الشتـاء وحـرالصيـف، وأنا لا أملك كـوخا حقيـرا كـل أمـوالــــي أنفقتـــها فـي شـــراء الكتـب والمجـلات والجرائـد،عنـدما استفقـت بـعد مضـي السنيـن وجـدت أن الأفكار والفلسفـات لا تجـدي نفعـــا «نظــريـة الحـب من أجــل الحـب» قـد تنـجـــح فـي المسلسـلات والأفــلام، أمـا الواقــع فشــيء آخــر.
وبقيــت صامتـة أمـام كلامي، فيـه نــوع مـن القسوة وفـي الحقيقة كنــت أتـــألـم لـرحيلك، بـل تعذبت كثيـرا وفقدت كـل رغبة فـي الحيـاة .
ومـا الجـدوى أن أنجـح بعدك، أن أحقق آمالي؟
لقـد ضـاع كـل شـيء بـذهابك، رحلـــت عـن مدنـي شمـوس السعـادة وتلبـد قلبــي بغيوم اليأس والشجن وطـارت عصـافيـرالحب عـن شجـرة الأيـام حاملـة معـها سمفــونية الأمـل والانطـلاقـة الـواعـدة إلـى آفـــاق الدنيــا الـرحبـة. كنـت أنــت حبـي الأول والأخيــر، مـــرة واحـدة خفـق قلـبي وغــردت أطيـاره لمــا كنــت ملكـة متـوجــة علـى عـرش الحـب، واليــــوم هــا أنـا أعــيــش غـربـة قـارصــة، تتقــاذفني ريـاح الـزمن، تعصف بـي إلـــى الهـــوة السحيـقــــة.
وسافرت مع كلماتي المعطرة بـالدمع والمضمـخة بالصـدق والصـفاء إلـى
سمــاوات نورانيـة رفعــت بصـرك إلـيّ، ثمـة دمـعـة هاربة مـن مقلتـك، خرجت الكلمـات من شفتيك تئن أنينا «لـقـــد حطمــت حياتـي، جعلتنـي أعيـش صراعـات
رهيبـــة».
ـ انتظــرتك كثيـرا ولمـا قـرأت رسـالتــك تألمـت كثيــــرا لكلمـات الفـراق وعشـت فــي بيت واسـع وفـي عاصمة جميلـة، لكــن دفء الحـب لـم أشعـر بـه أبـدا، بـــاريس لـم تكــن بالنسبة لـي كـل شـيء، عنــدما افتقدتــك لـم يكـن لــدي خيـار ســــوى الهجــرة بعيـدا عــن كـــل مــا يذكــرني بــــك، وكنت دومــا فـي بـالـي، في حلـي وتـرحالي، لـم
أنـــس طيفــك ولــو لــحـظــة وســرنا مــع بعـض، شـارع المـحطــة يبدو أمـامنـا طويـلا، بيـن الفينـة والأخـرى تصيبنا كـرات الثلـج التي يرميها الصـغــــار والكبــار معـــبــرين عن فــرحتهــم، وفـي المنعـرج ودعتـك بنـظـرات حيــرى وجـــاء صوتــك يـلاحقـنــي متـــى أراك مـرة أخـــرى؟
سأمكث هنا شهرين قبل سفري
سنلتقي عما قريب، قلتها ومضيت، أفكار كثيرة تصطــرع بــداخـلك، وشــوق كبيـر يعتـريك، لقـد تمنيت لهـذا اللقـاء أن يــدوم إلــى الأبـــد.

كاتب من الجزائر

شدري معمر علي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية