تسفي برئيل
“بيان تحذير من سكان مدينة صور! بسبب الرغبة في الحفاظ على أمن مدينتنا وسلامة بيوت سكانها، نحذر كل من ينوي الدخول إلى البيوت الفارغة التي اضطر سكانها إلى تركها بسبب هجمات العدو الصهيوني من أجل النهب أو تخريب الممتلكات، فإن هذه النشاطات لن تمر بدون رد. سنستخدم كل الوسائل المناسبة لمعاقبة من تثبت مشاركته في هذه الجرائم. وسنردع كل من يحاول المس بأمن وسلامة مدينتنا وممتلكاتنا. ممتلكات النازحين ودائع في أيدينا”.
هذا نص تحذير نشرته بلدية صور الأسبوع الماضي، بعد انضمام الآلاف من السكان إلى حوالي مليون وربع مليون مهجر هربوا من بيوتهم. الشرطة في صور تعمل ضد الجريمة المدنية التي تطورت عقب الحرب، لكن نجاحها في استئصالها أمر مشكوك فيه. قوات الشرطة آخذة في التقلص أمام ضرورة التعامل مع النظام العام ومعالجة المساعدات الضرورية للمدنيين الذين بقوا حتى الآن في بيوتهم ولا ينجحون في الخروج من المناطق التي يتم قصفها. عبء قوات الإنقاذ والخدمات الطبية والإطفائية والرفاه يفوق أي خطة حكومية أو بلدية، وآلاف المتطوعين يحاولون استبدال السلطات ضئيلة الإمكانيات والقدرة.
الدول الغربية وبعض الدول العربية مثل مصر والسعودية والإمارات، أرسلت طائرات مساعدات للبنان، لكن آلية التوزيع والرقابة تجد صعوبة في الوصول إلى التجمعات السكانية أو العثور على المحتاجين. هؤلاء يملأون طرق الحركة من جنوب لبنان ومن ضاحية بيروت إلى المناطق التي تعتبر أكثر أمناً، أو إلى سوريا، التي انتقل إليها أكثر من 400 ألف شخص. ومثلما في غزة، المأساة الإنسانية في لبنان تتطور أيضاً إلى مسألة استراتيجية تضر بكل الدولة، حتى بدون مهاجمة إسرائيل لبنى تحتية مدنية بشكل ممنهج، والتي قد تملي الخطوات السياسية.
يبدو أن وضع لبنان أفضل من وضع غزة، فثمة حكومة ومؤسسات سلطوية واجهة تعمل، وتحصل على دعم دولي، وإدخال المساعدات الإنسانية لا يتعلق بحسن نية إسرائيل. ولكنه مشهد مضلل. فحكومة لبنان كيان نظري، خزينتها فارغة، والوزراء فيها يتقنون إطلاق التصريحات الواعدة، لكنهم غير قادرين على إدارة شؤون وزاراتهم وطرح حلول للمهجرين والنازحين، والاهتمام بتقديم المساعدات الأساسية. وبالأحرى، الاتحاد من أجل الدفع قدماً بحل سياسي.
الجهود الدبلوماسية للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار ازدادت هذا الأسبوع، لكنها تتحطم على صخرة الخلافات السياسية التي ترافق لبنان منذ عشرات السنين، وكأن الحرب خشبة المسرح التي تستهدف إجراء نقاشات سياسية. حكومة لبنان المؤقتة برئاسة نجيب ميقاتي، تعلن بصوت مرتفع بأن الحل يكمن في تطبيق القرار 1701 الذي أنهى حرب لبنان الثانية في 2006 ولكنه لم يطبق بشكل كامل يوماً ما. ولكن ليس كل الأطراف تعتبر تطبيق هذا القرار هو الحل المناسب والمرضي.
تنظر إسرائيل بتشكك كبير إلى قدرة حكومة لبنان وقوة اليونيفيل، التي طلبت منها إسرائيل مغادرة مناطق عملها في جنوب لبنان وتطبيق القرار بالكامل. إضافة إلى ذلك، جزء من القوى السياسية في لبنان، التي تعتبر الحرب مناسبة لتخليص الدولة من سيطرة حزب الله وفرض سيطرتها على كل أراضي الدولة، يطالبون بحل أكثر راديكالية. ولكن هذه القوى لا تنجح حتى الآن في بلورة إجماع، ويبدو أنها منشغلة في حساب الربح والخسارة السياسية أكثر مما هي منشغلة في بذل الجهود لطرح خطة واقعية تؤدي إلى وقف إطلاق النار واتفاق.
على سبيل المثال، رئيس حزب القوات اللبنانية، سمير جعجع، استدعى حركات المعارضة لعقد اجتماع، عقد السبت في بلدة معراب مقر الحزب، تحت عنوان “من أجل إنقاذ لبنان”. لم يشارك الجميع في هذا الاجتماع. وليد جنبلاط، زعيم الدروز الذي وقف إلى ما قبل سنة على رأس الحزب الاشتراكي التقدمي، لم يشارك في الاجتماع. هذا الأمر كان متوقعاً على خلفية النزاع التاريخي بينه وبين جعجع. حزب “التيار الوطني الحر” المسيحي برئاسة جبران باسيل، لم يُدعَ بسبب خلافات سياسية عميقة بين الحزبين. ميشيل معوض، رئيس حزب “الاستقلال السني”، المحسوب على كتلة المعارضة التي ترأسها في السابق رئيس الحكومة رفيق الحريري وبعده ابنه سعد، أرسل مندوباً صغيراً عنه هو فؤاد السنيورة، رجل الحزب الذي كان رئيس الحكومة في فترة حرب لبنان الثانية، وكان من رواد خطة القرار 1701، لم يشارك لأنه متخاصم مع جعجع.
إلى جانب الخلافات الشخصية، فإن نقطة خلاف أساسية ركزت على سؤال: أي قرار للأمم المتحدة يجب تطبيقه القرار 1701 أم أيضاً قرار 1559 الذي صدر في 2004؟ للوهلة الأولى، يتضمن القرار 1701 أيضاً الحاجة إلى تطبيق القرار 1559 وقرارات أخرى، التي تنص على وجود قوة مسلحة شرعية واحدة في لبنان، هي قوة الحكومة. ولكن القرار 1559 ينص أيضاً على وجوب تفكيك كل المليشيات، اللبنانية وغير اللبنانية. في حين أن القرار 1701 ينص على “لن يكون هناك سلاح دون موافقة الحكومة”. يبقي هذا البند في يد الحكومة صلاحية تحديد إذا كان السلاح سيبقى في يد حزب الله. وفي كل الحالات، القرار لا يتحدث عن تفكيك الحزب.
عندما طرح جعجع مجدداً المطالبة بتطبيق قرار 1559 وليس فقط قرار 1701، رد رئيس البرلمان نبيه بري وقال إن “القرار 1559 من الماضي”، أي لم تعد له صلة بالنقاشات الحالية. استند بري في أقواله، الذي يعمل أيضاً كمفوض من قبل حزب الله لإجراء المفاوضات حول وقف إطلاق النار، إلى غياب الاتفاق الموجود في لبنان على مكانة تسليح حزب الله، التي لم تحل حتى الآن. المعنى، إذا تبلور مشروع قرار جديد فبالإمكان التوصل إلى إجماع في لبنان على أن على قوات حزب الله الانسحاب إلى خط نهر الليطاني، لكن ليس حول نزع سلاح حزب الله.
هآرتس 14/10/2024