الجزائر:1 نوفمبر 1954 … من أجل الوطن أم الدين؟

حجم الخط
11

حرب التحرير، التي دارت بين عامي 1954 و1962، وأدت إلى استقلال الجزائر، لم تخرج من مسجد ولم تندلع على إثر فتوى، بل جاءت عل سياسية. اتفق بشأنها ستة مناضلين، آمنوا بتعددية الجزائر العقائدية والعرقية، من غير انحياز إلى دين، أو معارضة آخر. مع ذلك فقد طرأ في السنين الأخير مذهب جديد، يصر على ربط حرب التحرير بالدين، كأن المحرك إليها إنما العقيدة وليس إرادة الناس، كأن «جبهة التحرير»، التي تبنت هذه الحرب كان اسمها «جبهة َإسلامية»!

وقصد فهم الدوافع والخلفيات، التي سبقت اندلاع هذه الحرب، لا بد من العودة إلى البيان التأسيسي، أو ما يطلق عليه «بيان أول نوفمبر 1954»، وهو أول وثيقة تصدرها جبهة التحرير، وقد وردت في هذا البيان ديباجة واضحة، لا تحتمل تأويلات، جاء فيها: «أيها الشعب الجزائري.. أيها المناضلون من أجل القضية الوطنية»، بالتالي فإن الخطاب كان موجهاً إلى الشعب بأكمله، من مسلمين وغير مسلمين، وموجهاً إلى المناضلين من أجل القضية، بغض النظر عن عقيدتهم أو هويتهم، وهي قضية انضم إليها أجانب كذلك، من فرنسا وغيرها. وكان يمكن أن نصدق من يود ربط حرب التحرير بالدين، إذا جاءت الديباجة في صيغة: «أيها الشعب الجزائري المسلم»، لكن الذين تبنوا الحرب لم يروا في الدين جامعاً بين الناس، بقدر ما يجمعهم الهم القومي في التحرر. ولم ترد كلمة «إسلام» في ذلك البيان سوى مرة واحدة، عندما عبر أصحاب البيان عن أهدافهم في «إقامة دولة جزائرية ديمقراطية اجتماعية ذات سيادة.. ضمن إطار المبادئ الإسلامية»، قبل أن يضيف في الفقرة التالية: «مع احترام جميع الحريات الأساسية دون تمييز عرقي أو ديني». إن مجموعة الست شخصيات التاريخية، التي دونت بيان أول نوفمبر/تشرين الثاني كانت تعلم انتماء الجزائريين إلى الإسلام، كان إسلاماً متصوفاً، خالياً من التعصب إلى العقيدة، لذلك حافظت على هذا المكون العقائدي، من غير إسراف، وأن يصير هذا الانتماء إلى الدين من نتائج الحرب وليس سبباً فيها. على طول البيان لن نصادف كلمة «جهاد» أو واحدة من مرادفاتها، فحرب التحرر لم تكن مسألة ذات أبعاد دينية، ولا جهاداً في سبيل الله، بل دفاعاً عن الأرض، دفاعاً عن الإنسان، بغض النظر عن عرقه أو هويته أو ميوله الفكرية.

الخروج من الفلكلور

يتبادر إلى الذهن سؤال: لماذا هذا الانقلاب على بيان أول نوفمبر 1954؟ والربط بينه وبين التدين؟ ظاهرياً يبدو أن هذا الانقلاب يعود إلى سوء الدفاع عن ذاكرة حرب التحرير، حيث إن هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ الجزائر، تكاد أن تتحول إلى فلكلور. يجري الاحتفال بها والتذكير بها، في كل عام، لكن الأمر لم يخرج من سياق استعراضات، مع غياب مبادرات ملموسة في إعادة كتابة التاريخ، وتحريره من الشوائب التي أصابته في السنين الأخيرة. إن فشل السلطة، في الماضي، في حماية الذاكرة أتاح الفرصة للأحزاب الدينية، التي بدأت في الظهور منذ نهاية الثمانينيات من القرن الفائت. هذه الأحزاب أدركت العلاقة العاطفية التي تربط الشعب بحرب التحرير، وأن تلك الحرب جزء من هويته، لذلك استغلت غياب تاريخ جامع، وصنعت تاريخاً موازياً للفاتح من نوفمبر. أخرجته من سياقه التاريخي، ومن أبعاده السياسية، وحصرته في مفاهيم دينية محضة، وكأن الحرب التي اندلعت في 1954 كانت جهاداً، بينما كلمة «جهاد» لم تكن من المصطلحات المتعارف عليها في الثقافة الجزائرية. هذه الأحزاب كانت تعلم أن الشعب لا يفقه تفاصيل حرب التحرير، وأن الكثير من الأمور تغيب عن مخيلته، نظراً إلى الخلل الذي أصاب كتابة التاريخ، لذلك سهّل عليها الأمر في إقناع أتباعها أن ما وقع في 1 نوفمبر 1954 كان مسألة دينية، بينما هي مسألة وطنية. في الأثناء لم تبادر السلطة إلى تصحيح التاريخ، مواصلة التعامل مع الحدث التاريخي بوصفه مناسبة للاحتفال، لا مناسبة من أجل تصويب الحقائق.

العلاقة مع فرنسا

عندما نحول حرب تحرير إلى «حرب مقدسة»، كما يفعل البعض، فذلك يفترض أنها كانت في نزاع مع ديانة أخرى، أو عقيدة مختلفة عنها، وهي مغالطة لا نجد أثراً لها في بيان الفاتح من نوفمبر، حيث إن كلماته جاءت واضحة، وإن الحرب لا يقصد منها مواجهة ديانة أو الرد على أصحاب مذهب مخالف، بل كانت قضية وطنية فحسب، بل إن حرب التحرير في الجزائر ضمت إليها مسيحيين ويهودا ولا دينيين، لم تكن حرباً تقيم الصلاة أو تصوم رمضان، بل كانت حرباً تود الوصول إلى الاستقلال. ثم إن الشيء الآخر الذي نلاحظه في هذا البيان أنه لم يعلن حرباً ضد فرنسا، بل إنه لم يورد كلمة فرنسا في البداية، بل في جزئه الثاني للحديث عن الاتفاقيات المحتملة مع الفرنسيين، في حفظ حقوق الجزائريين والفرنسيين، وفي تحديد الروابط بين فرنسا والجزائر «وتكون موضوع اتفاق بين القوتين الاثنتين على أساس المساواة والاحترام المتبادل». إن حرب التحرير في الجزائر لم تكن حرباً ضد الفرنسيين، وهذا ما يبرر أن فرنسيين انضموا إليها، ومثقفين تعاطفوا معها، على غرار جان بول سارتر أو سيمون دو بوفوار وغيرهما، بل كانت حرباً ضد المستعمرين (بغض النظر عن هويتهم)، وهي حرب لم تكن لها نزعة دينية، بل الأحرى كانت على النقيض من المتدينيين، وذلك ما يخبرنا به الراحل محمد بوضياف. ففي واحدة من الحوارات التي أجريت معه، يتذكر بوضياف عندما أوفد رسولاً إلى واحد من قادة جمعية العلماء المسلمين، يطلب منه انضمام الجمعية إلى الحرب، فكان رد ذلك القائد واضحاً: «نحن نربي هذا الشعب، وهو غير مستعد للاستقلال»، هذا ما ورد على لسان محمد بوضياف، الذي امتعض من تأخر المتدينين في الالتحاق بحرب التحرير، التي لم ينضموا إليها سوى في عامها الثاني، وبشكل محتشم، مع ذلك فقد سرت الخطابات على الألسنة، ويكاد الناس يصدقون تلك النظرية التي تقول، إن حرب التحرير التي أدت إلى استقلال الجزائر، كانت حرباً باسم الدين!

 كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية