في مقالة كتبها لصحيفة» ناشيونال إنترست» في 9 كانون الأول/ديسمبر 2023 أي بعد شهرين على هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر الذي شنَّـته «كتائب القسام» على غلاف غزة، ودخول «حزب الله» حرب الإسناد من جنوب لبنان، دعا مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق لشؤون الشرق الأدنى دايفيد شينكر في عهد دونالد ترامب، إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى أخذ العِبر وتعلّم الدرس المستفاد من حرب تموز/يوليو 2006 في لبنان، بأن «وقف إطلاق النار السيّئ – الهدنة التي تترك حماس في مكانها – لن يؤدّي إلاّ إلى تأجيل الجولة التالية من إراقة الدماء»، في مقارنة مع قرار مجلس الأمن 1701 الذي أَوقف الحرب في لبنان، لكنه من شبه المؤكّد أنّه ضَمِنَ اندلاع حريقٍ آخر أكثر تدميراً بين إسرائيل و«حزب الله» في المستقبل.
وحسب ما ترويه في كتابها «لا شرف أعلى» كانت وزيرة الخارجية كونداليسا رايس تدرك أنه في غياب «الشروط الصحيحة لوقف إطلاق النار» فإن حزب الله «سيحصل على انتصار لعدوانه». وكذلك كانت تعتبر أن القرار 1701 كان «حلّاً غير كامل» بل مجرّد ترتيب من شأنه أن يؤدّي إلى استقرار الحدود، معوّلة على دور اليونيفيل التي قالت إنها كانت «قوة قادرة على حفظ السلام» بعدما تمَّ تضمين القرار لشروط واشنطن. وبرأي شينكر كانت إدارة جورج بوش الابن حسنة النيّة، لكنّ ثقة رايس بقوات اليونيفيل كانت في غير محلّها. ويقول: «أثبتت اليونيفيل عدم فعّاليتها. واستغرق «حزب الله» خمس سنوات لإعادة بناء نفسه. ومنذ ذلك الحين، قام بتحديث ترسانته بشكل كبير. واليوم، لم يعُد التهديد على طول الحدود الشمالية لإسرائيل إلى الوضع الراهن الذي كان عليه في عام 2006 بل إنّه أسوأ بكثير».
في واقع الحال، يحصد لبنان اليوم عدم التنفيذ الفعليّ للقرار 1701 بكل مندرجاته بما كان يمكن أن يؤدي إلى وقف إطلاق نار دائم. ولعل ما يسرده وزير الخارجية بالوكالة طارق متري في كتاب أصدره عام 2022 «عن قصة القرار 1701» يُسهم في فهم أكبر لوقائع ما كان يجري. يقول: «إن القرار يخضع منذ إقراره في 11 آب/أغسطس 2006 إلى تأويلات كثيرة وأن كيفيات استخدامه متنوعة، أكان ذلك في الميدان اللبناني أم في المنظمة الدولية. وليس مرد ذلك إلـى غموض في نص القرار، إذ إنه تفصيلي وواضح، بقدر ما يكشف عن التعدّد في إدراك التبعات التي يحتملها معنى احترامه، طبقاً لتعدّد المعنيين ودوافعهم الظرفية. ولا يُغيِّر في الأمر شيئًا تكرار المطالبة بتنفيذه كاملاً كما يجيء في البيانات اللبنانية الرسمية، فكثيراً ما تخضع تلك المطالبة لمقتضيات سياسية متغيّرة، ليست تقلّبات العلاقة مع القوات الدولية، بل الدول المشاركة فيها، بعيدة عنها. ويكشف التشديد على جزء من «المندرجات كافة» مقابل تجاهل فعليّ لأجزاء أخرى عن حسابات دولية أو إقليمية تارة ومحلية تارة أخرى».
كان «حزب الله» – وعلى مرأى من نظر اليونيفيل والدول المشاركة في تلك القوة الدولية، وبمعرفة الجيش اللبناني والسلطة الرسمية المهيمن عليها «حزب الله» – يُعيد بناء ترسانته العسكرية في المنطقة بين الخط الأزرق (الحدود المعترف بها دولياً بين إسرائيل ولبنان) ونهر الليطاني، حيث نصَّت المادة 8 من القرار الدولي على وجوب أن «تكون تلك المنطقة «خالية» من أي أفراد مسلحين أو معدات أو أسلحة، بخلاف ما يخصُّ حكومة لبنان وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، ومنع وجود قوات أجنبية في لبنان دون موافقة الحكومة».
تواطؤ القوة الدولية، بغض الطرف عما كان يجري في جنوب الليطاني والتي تُشكِّل القوات الفرنسية والإيطالية الحيِّز الأكبر فيها، يعود في واقع الحال إلى حساباتها ومصالحها المرتبطة في جانب منها مع إيران، وفي جانب منها حماية جنودها الذين كثيراً ما كان حلفاء «محور إيران» يُشيرون إليهم على أنهم رهائن لدى «حزب الله».
لا أحد يملك جواباً
يروي أحد المعنيين الذي عمل مع «اليونيفيل» أنه بعد انتهاء حرب 2006 اكتشفت القوات الدولية مئات الأنفاق التي حفرها «حزب الله» في جنوب الليطاني. والسؤال الذي يُطرح: ما الذي فعلته هي والجيش اللبناني الذي يعلم بوجودها؟ هل تم تدمير هذه الأنفاق أو إغلاقها؟ لا أحد يملك جواباً ولا أحد تحدَّث عنها. ولعل العودة إلى ما قاله الوزير طارق متري في مقابلة صحافية من أنه لدى البحث في آليات تنفيذ القرار بين الجيش اللبناني و«اليونيفيل»، جرى بضغط من «حزب الله» الاتفاق على أن ما لا تراه العين يُعتبر غير موجود، بمعنى أن القوة الدولية تغاضت فعلياً عن أنفاق «الحزب» وما أضاف إليها خلال السنوات الماضية وما كان يُخطط منها. لذا لا يبدو غريباً أن يتم اكتشاف نفق على مقربة من برج مراقبة لـ«اليونيفيل» في إحدى القرى الجنوبية، ولا يبدو غريباً ما يقوله الإسرائيليون عن القوات الدولية، دون أن يعني ذلك أن إسرائيل لم تكن تقوم بخروقات للأجواء اللبنانية ولا سيما بمسيَّراتها الاستطلاعية، التي شكَّلت إحدى الوسائل لكشف تحركات عناصر «حزب الله» ومواقعه العسكرية ومخابئ أسلحته ومقراته السياسية والمدنية، ولا تزال تلعب دوراً أساسياً في الهجمات والاستهدافات ضد «حزب الله»، إضافة إلى قدرات الرصد عبر الأقمار الاصطناعية والتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي والتفوُّق التكنولوجي الذي تمتاز به إسرائيل على إيران و«حزب الله».
تَعْـلَم السلطاتُ اللبنانية علم اليقين أن الحرس الثوري الإيراني بضباطه ومستشاريه هم مَن يديرون الحرب مع إسرائيل من لبنان، حتى قبل أن يتم استهداف القيادة العليا لـ«الحزب». فمع استهداف فؤاد شكر كان هناك ضابط من الحرس الثوري، ومع استهداف الأمين العام لـ«حزب الله» قتل أيضاً نائب قائد فيلق القدس عباس نيلفوروشان، وكان السفير الإيراني لدى لبنان نفسه قد أصيب في تفجيرات «البيجرز» التي استهدفت قيادات وعناصر مهمة في «حزب الله «حيث كان يحمل واحدة منها، حتى إن نصرالله نفسه تحدَّث عن وجود قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني في غرفة عمليات «الحزب» في حرب 2006.
ولا شك لدى أحد في لبنان أن التدخل المباشر للحرس الثوري الإيراني بات أكبر بعد الضربة القاصمة التي تلقتها البنية القيادية العسكرية لـ«الحزب». وقد شكَّلت تصفية السيد حسن نصرالله في هذا الظرف مقتلًا للمشروع الإيراني في المنطقة، ذلك أن تأثيره ودوره يتعديان لبنان إلى أذرع إيران في المنطقة، من سوريا إلى العراق وغزة واليمن، مما يستدعي انخراطها بشكل أكبر، بعدما تبيَّن لها خطأ الرهان على الولايات المتحدة في ضبط بنيامين نتنياهو عن توسيع الحرب، لا بل حصوله على ضوء أخضر وغطاء أميركي وغربي في مهمة القضاء على «حزب الله» بوصفه الذراع الأقوى لإيران في المنطقة، وتفكيكه ليس سوى البداية لضرب نفوذها في عواصم الدول التي تغنَّت أنها تسيطر عليها.
انتفاضة ميقاتي
كانت لافتة انتفاضة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي على مقابلة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية التي قال فيها إن إيران ستكون مستعدة للتفاوض بشكل ملموس حول إجراءات تنفيذ القرار 1701 مع فرنسا، التي ستعمل كدولة وسيطة بين «الحزب» وإسرائيل. حتى الآن ليس واضحاً ما هي الأسباب التي دفعت ميقاتي إلى الذهاب بعيداً في الرد على قاليباف، واعتبار موقفه تدخلاً فاضحًا في الشأن اللبناني، ومحاولة لتكريس وصاية مرفوضة على لبنان، مؤكداً أن «موضوع التفاوض لتطبيق القرار الدولي الرقم 1701 تتولاه الدولة اللبنانية، ومطلوب من الجميع دعمها في هذا التوجّه، لا السعي لفرض وصايات جديدة مرفوضة بكل الاعتبارات الوطنية والسيادية».
في رأي مراقبين، أن موقف ميقاتي ما كان ليصدر من دون تشاور ضمني مع رئيس البرلمان نبيه بري الذي يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد المأساة التي حلَّت بالطائفة الشيعية والتدمير الممنهج لقراها ومدنها. ما قاله ميقاتي هو تعبير عن امتعاض كبير يختلج صدره وصدر بري، حيث الاثنين سمعا كلاماً من قاليباف وقبله من عباس عراقتشي يرقى إلى لائحة تعليمات وأوامر مطلوب تنفيذها، وفي مقدمها مواصلة الحرب ودعم «حزب الله» والاعتماد الأكبر على إيران.
لم يكتفِ ميقاتي بتصريحه المنتقِد للموقف الإيراني، بل ذهب خلال مؤتمر صحافي مع نظيرته الإيطالية إلى القول: «إن لبنان دفع ويدفع فاتورة غالية ثمناً للصراعات الخارجية، وما يحصل حالياً يجب أن يكون درساً لجميع الأطراف اللبنانية مفاده أن النأي بلبنان عن الصراعات الخارجية هو المطلوب، وأن سيادة الدولة اللبنانية على أراضيها هي الحل لكل المشكلات القائمة». هذا تحوُّل كبير في لهجة رئيس الحكومة الذي وقف منذ اليوم الأول لـ«حرب الإسناد» خلف «حزب الله» بدلاً من أن يرسم خطاً فاصلاً بين الموقف الرسمي اللبناني و«حزب الله» الذي ربط جبهة لبنان بجبهة غزة.
اليوم، تذهب مساعي الحكومة اللبنانية إلى وقف إطلاق نار في لبنان بمعزل عن غزة. وهذا أيضاً مراد إيران ومن خلفها «حزب الله»، حيث أعلن نائب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم في إطلالته الثالثة عن دخول «الحزب» في مرحلة جديدة اسمها «مواجهة الحرب الإسرائيلية على لبنان، ولم يعد في مرحلة المساندة»، مخاطباً الجبهة الداخلية الإسرائيلية بأن «الحل هو بوقف إطلاق النار ليعود المستوطنون إلى الشمال». كلام اعتُبر في رأي المتابعين بأنه إعلان ضمني جديد لفك الارتباط بغزة.
ليس أكيداً أن محاولة لبنان الرسمي تمييز نفسه عن «حزب الله» والتفلّت من نفوذ إيران عليه قد تنجح في المدى المنظور، ما دامت الحرب ما زالت في بداياتها، وفق ما يقوله طرفاها، وما دام نتنياهو يرفع يوماً بعد يوم من سقوف أهدافه المعلَنة بتغيير المعادلات في الشرق الأوسط، وليس في وارد وقف لإطلاق النار في لبنان قبل أن يُحقق هدفه الأول بتفكيك قدرات «حزب الله» وإنهاء خطره على الكيان الإسرائيلي، وبعده يأتي الكلام عن طاولة المفاوضات، التي سيكون القرار 1701 منطلقاً لها وليس نهايتها.
أما انتفاضة لبنان الرسمي، فلا يزال من المبكر معرفة ما إذا كانت تشكّل فعلياً انعكاساً لبداية تحولات في موازين القوى، أم أنها «يقظة الموت» بعد إدراك مسؤوليه لضياع فرصة إنقاذ لبنان الذي سيتحوَّل حكماً إلى «غزة ثانية».