نواكشوط ـ «القدس العربي»: شهدت القارة الأفريقية، وخاصة منطقة غرب أفريقيا، تزايدًا مطردًا في الحملات الإعلامية المضللة التي تهدف إلى التلاعب بالرأي العام والتأثير على السياسات المحلية.
وقد أظهر تقرير حديث صادر عن مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية أن هذه الحملات تضاعفت بخمسة أضعاف في السنوات الأخيرة، مع تفاقم العنف، وانتشار التأييد للانقلابات العسكرية، وتنامي الخطاب المعادي للغرب. هذا الوضع أدى إلى انهيار الثقة في وسائل الإعلام التقليدية، ما جعل الحملات التضليلية أكثر تأثيرًا وانتشارًا.
وأفاد التقرير أن الدولتين الأكثر تورطًا في هذه الحملات هما روسيا والصين، اللتان تسعيان بشكل متزايد للتأثير على الأنظمة الإعلامية في أفريقيا.
وتعتمد روسيا على مزيج من الأدوات الرقمية والإعلامية، مثل نشر الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المحلية، في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى تحسين صورتها كحليف بديل للقوى الغربية، لا سيما في مواجهة الأزمات السياسية والاقتصادية التي تعصف بالعديد من الدول الأفريقية.
وأضاف المركز أن موسكو تستفيد أيضًا من تعزيز علاقاتها العسكرية مع بعض دول المنطقة، مثل مالي وبوركينا فاسو، حيث يتم دعم هذه العلاقات بحملات إعلامية مكثفة تروج لموقف الحكومة الروسية وتعمل على إضعاف الثقة في الحلفاء الغربيين التقليديين.
في المقابل، تعتمد الصين على ما يعرف بـ «القوة الناعمة» حيث تستخدم استثماراتها الاقتصادية الضخمة في البنية التحتية ومشاريع التنمية لتعزيز نفوذها في المنطقة.
وتلعب وسائل الإعلام الأفريقية دورًا حيويًا في الترويج للنموذج التنموي الصيني، حيث تسعى بكين إلى تقديم نفسها كشريك تجاري موثوق وصديق حقيقي لأفريقيا.
وتقوم الصين بدعم مؤسسات الإعلام المحلي عبر تقديم تمويلات مباشرة وتدريب الصحافيين الأفارقة لتعزيز رسائلها السياسية والاقتصادية، مركزةً على ضرورة تحسين العلاقات الاقتصادية والسياسية بين دول المنطقة وبكين. في هذا السياق، تستغل الصين نجاحاتها الاقتصادية كأداة رئيسية في خطابها الإعلامي.
التحديات
والانعكاسات
وتواجه أنظمة الإعلام المحلية في غرب أفريقيا تحديات كبرى في مواجهة هذه الحملات، بسبب نقص الموارد وضعف البنية التحتية الإعلامية؛ كما أن الإعلام التقليدي في المنطقة يعاني من تراجع الثقة فيه، مما يفسح المجال أمام حملات التضليل لتوسيع نفوذها.
وطبقًا لتقديرات المركز الأفريقي، فإن ما يقرب من 60 في المئة من هذه الحملات مصدرها دول خارج القارة، تتصدرها روسيا بتقنياتها المتطورة، بينما تساهم الصين والسعودية والإمارات في نشر روايات تضليلية لدعم مصالحها الجيوسياسية في القارة.
وأشار منبر الدفاع الإعلامي الأفريقي «ADF» إلى أن الروايات المفبركة تشهد رواجًا كبيرًا، في ظل وجود أكثر من 400 مليون مستخدم نشط لوسائل التواصل الاجتماعي و600 مليون مستخدم للإنترنت في أفريقيا. ووفقًا لبياناته، هناك حاليًا 23 حملة تضليل عابرة للحدود، منها 16 تدعمها روسيا.
وأكد عبد الله غويندو، منسق موقع «بنبيري» المتخصص في تقصي الحقائق ومقره مالي، لصحيفة «نيويورك تايمز» أن «الأخبار الزائفة الروسية منتشرة كالسيل الجارف، ولا أحد ينكر تأثير الحسابات المؤيدة لروسيا».
كما أضاف الصحافي المالي سيغا ديارا أن «محطة إذاعية في باماكو تبث بودكاست إخباريًا روسيًا كل مساء» مشيرًا إلى أن «هذا هو منهاج موسكو لتوسيع نفوذها في أفريقيا من خلال المرتزقة والإعلام».
تشير المصادر إلى أن ما يقرب من 40 في المئة من حملات التضليل التي تم رصدها في القارة تحدث في غرب أفريقيا، وأن نصف هذه الحملات تقريبًا ترعاها روسيا. وتبرز في هذا السياق، الرسوم المتحركة التي تروج لروايات روسية تظهر مرتزقة روس ينضمون إلى جنود أفارقة لهزيمة غزاة فرنسيين «على هيئة زومبي» وهي رسالة تعزز النفوذ الروسي في المنطقة.
على الجانب الآخر، أظهر تقرير مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية أن البلدان التي تلتزم بفترات رئاسية محددة تكون أقل عرضة لحملات التضليل مقارنة بالدول التي لا تحترم الفترات الرئاسية؛ فالبلدان الديمقراطية تسجل في المتوسط 1.5 حملة تضليل، بينما تتعرض الدول التي لا تلتزم بتحديد الفترات لأكثر من ثلاث حملات تضليل في المتوسط.
وتواصل الصين من جانبها، توسيع نفوذها الإعلامي في أفريقيا، لا سيما في دول مثل زيمبابوي حيث تدعم الحزب الحاكم، وتستخدم الصحف المملوكة للدولة كمنصات لترويج دعاية معادية للغرب، بما في ذلك تحميل الناتو مسؤولية اندلاع الحرب في أوكرانيا، وتقديم انتقادات غربية لسياسات حقوق الإنسان الصينية على أنها غير دقيقة.
وفي مواجهة هذا التحدي المتزايد، تظهر حاجة ملحة لتعزيز قدرات الإعلام المحلي في أفريقيا من خلال تحسين تكوين الصحافيين، وزيادة الوعي بأهمية التحقق من المعلومات، والتعاون مع المنظمات الدولية لمكافحة التلاعب بالمعلومات.
ويُعد التصدي لهذه الحملات أمرًا أساسيًا للحفاظ على استقرار المنطقة ولحماية استقلالية الإعلام الأفريقي من النفوذ الأجنبي.