علماء جائزة نوبل في الاقتصاد: نوعية المؤسسات تقرر مكانة الأمة وثروتها

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

ينتقل تدريجيا علم الاقتصاد الذي يطلق عليه أحيانا إسم «العلم الكئيب» من مجرد التركيز على الأرقام والمعادلات والنماذج الرياضية، إلى مرحلة جديدة تمتد فيها جذور المعرفة بينه وبين العلوم الاجتماعية الأخرى، مثل علوم الاجتماع والسياسة والإعلام والإدارة. هذا الانتقال يعزز في الوقت نفسه علاقة السياسة الاقتصادية بالتطبيقات الاجتماعية المختلفة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وتوفير الأمن العام وغيرها. وكان من نتائج إقامة هذه الجسور والعلاقات تطوير تعريف الفقر، من مجرد الاعتماد على قياس الدخل النقدي إلى تعريف متعدد الأبعاد يشمل إلى جانب الفقر النقدي، الفقر في الرعاية الصحية والتعليم والإسكان والأمن العام. كذلك كان من نتائجها إعادة دراسة وتقييم السياسات الاقتصادية من مداخل متنوعة، بيئية وتكنولوجية وديموغرافية ومؤسسية. لم يعد علماء الاقتصاد يعتمدون على نموذج «هارود – دومار» في تفسير النمو الاقتصادي اعتمادا على معدلات الادخار والاستثمار والعلاقة بين العمل ورأس المال فقط. لكن تركيزهم راح ينصرف منذ روبرت سولو على إضافة التكنولوجيا والتجديد التكنولوجي إلى دالة الإنتاج والتراكم الرأسمالي. وقد أثبت سولو في دراساته عن النمو في الولايات المتحدة أن التكنولوجيا تزيد إنتاجية العمل ورأس المال معا إلى مستوى يفوق حاصل جمع إنتاجية كل منهما بمفرده. وقد وجد علماء الاقتصاد بعد ذلك أن التكنولوجيا الضارة بالبيئة من شأنها أن تفرض قيودا على دالة النمو، فجاءنا العالمان وليام نوردهاوس وبول رومر بإضافة جوهرية إلى دالة النمو، تؤكد أن النمو المستدام يجب أن يكون صديقا للبيئة وليس عدوا لها. ومن هنا أعاد علماء التنمية صياغة دالة النمو، ونحتوا مصطلحا اقتصاديا جديدا هو «النمو الأخضر» أو «الاقتصاد الأخضر» الذي يشترط تخليص النمو من تكنولوجيا الإنبعاثات الكربونية الضارة التي تهدد مستقبل العالم.

الدور المحوري للمؤسسات

الجديد الذي جاءنا به الفائزون بجائزة نوبل في الاقتصاد هذا العام: دارون عاصم أوغلو وسايمون جونسون، الأستاذان في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجيمس روبنسون الأستاذ في جامعة شيكاغو، هو توسيع نطاق التداخل بين دالة النمو وبين متغيرات غير اقتصادية، ما يجعل السياسة الاقتصادية منتجا معرفيا بحق، وليست مجرد تسطير أرقام وبيانات مشوهة، لا قيمة لها أحيانا، أو هي فقدت قيمتها بسبب فقدان الثقة فيها. وقد طور العلماء الثلاثة منهجا لدراسة العلاقة بين السياسة الاقتصادية وطبيعة المؤسسات التنفيذية وغيرها من المؤسسات المجتمعية، بدءا من صنع السياسة وحتى تنفيذها وتقييم الآثار المترتبة عليها خلال أكثر من عقد من الزمان.
وبذلك فإنهم يضيفون بعداً رئيسيا جديدا إلى دالة النمو ومعادلات التنمية. وقد بينوا أهمية دور المؤسسات في تحقيق التراكم، سواء في الدول الصناعية المتقدمة ومنها الولايات المتحدة، أو في الدول النامية ومنها جنوب أفريقيا. ولا يقتصر تقييم دور المؤسسات هنا على مجرد دراسة الهياكل الإدارية والتنظيمية، ولا على الأشخاص، وإنما يمتد إلى القيم التي تتأسس عليها، والقواعد التي تعمل طبقا لها والأساليب والأدوات المستخدمة بواسطتها في صنع وتنفيذ السياسة الاقتصادية. ويتم تقييم المؤسسات أولا من منظور مدى شمولها أو اقتصارها على جماعات من أصحاب المصالح الخاصة. وأظن أن إضافة البعد المؤسسي إلى دالة النمو، من شأنه أن ينقل التحليل الاقتصادي وسياسات التنمية إلى مستوى جديد يمثل إضافة نوعية إلى النقلة التي أحدثها سولو بإضافة التجديد التكنولوجي، والنقلة التي أضافها نوردهاوس و رومر بالتحول إلى النمو الأخضر. ومن قبلهم ومعهم جميعا كوكبة خالدة من رواد التجديد في الفكر الاقتصادي. ومن ثم فإن الفائزين بجائزة نوبل في الاقتصاد هذا العام، تجاوزوا نظرية المزايا النسبية، ونظرية المزايا التنافسية، ونظريات النمو السابقة، بإضافة نوعية «مؤسسات الحكم والإدارة» إلى محركات التنمية وتحقيق الازدهار.
أفكار عاصم أوغلو وجونسون وروبنسون في شأن دور المؤسسات ليست وليدة اليوم، وإنما هم يعملون على تطويرها منذ أكثر من عقد من الزمان، وقاموا بإجراء العديد من الأبحاث النظرية والتطبيقية في الجامعات التي يعملون فيها، وفي مؤسسات اقتصادية خارجها. كما أصدروا عددا من الأوراق البحثية المهمة. وشارك عاصم أوغلو مع روبنسون في تأليف كتاب مهم بعنوان «لماذا تفشل الأمم» (2012) درسا فيه مقومات القوة، وصناعة الرخاء، وأسباب الفقر داخل البلدان، والتفاوت بين الأمم. في هذا الكتاب، قام المؤلفان بإعادة بحث السؤال المركزي عن كيفية بناء الاقتصاد التنموي، والسؤال الذي ربما كان له التأثير الأكبر على الحياة اليومية لسكان الأرض: لماذا نجد أن بعض البلدان أغنى من غيرها؟
لقد تراوحت التفسيرات التاريخية في الإجابة على هذا السؤال من العنصرية البحتة، بإعادة التفاوت إلى الاختلافات الجينية أو «أخلاقيات العمل البروتستانتية» أو بأسباب ذات طبيعة أيديولوجية، كما هو في حالة الماركسية، التي فسرت التفاوت بالاستغلال الطبقي والاستعماري. وفي حين أن هناك بعض الحقيقة في الأخير، فإن عاصم أوغلو وروبنسون يجادلان بقوة بأن المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي المستدام هي المؤسسات الجيدة – على سبيل المثال، نظام قانوني تخضع له عاملة النظافة والملكة أو الأميرة بنفس المعايير. لكن هذا الشعور بالمساواة، طبقا للكاتبين، كان نادرًا جدًا تاريخيًا؛ فقد اتبعت معظم البلدان سياسات إقصائية، مصممة لإثراء النخب واستغلال الأغلبية الفقيرة. وفي المقابل، فإن هذه السياسات منعت الابتكار التكنولوجي، حيث قاتلت النخب القائمة بكل ما أوتيت من قوة ضد أي شيء قد يعرض امتيازاتها للخطر. وقد أفاض جوزيف شومبيتر في كتابه «الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية» في شرح تاريخ وعوامل الصراع بين الجديد والقديم في الاقتصاد، وكيف تقف القوى المحافظة ضد قوى التجديد بالمرصاد.
هذا يقودنا للإشارة إلى ما يحدث في الوقت الحاضر من ممارسات بواسطة الشركات العملاقة لمنع حصول شركات صغيرة منافسة على حصة من السوق، من شأنها أن تقلل من إيراداتها وأرباحها، وكيف تزيد هوامش أرباحها باتباع طرق ملتوية بزيادة الأسعار والخدمات في السوق. ومن هنا فإن ظاهرة نفوذ «أصحاب المصالح الخاصة» تهدد الديمقراطية وتهدد شمول قواعد العمل، والممارسات اليومية في الأسواق لكل الطوائف والفئات على أساس معايير متساوية. الظاهرة نفسها تتجلى أيضا في مجالات الممارسة السياسية، حيث تسيطر نخب سياسية معينة على الأحزاب والمؤسسات السياسية والبرلمانات، وتعمل على استمرار هذه السيطرة، باعتبار ان الاستمرارية تمثل أحد أهم عناصر النجاح.

كيفية استخدام التكنولوجيا

قدم العلماء الثلاثة الفائزون بجائزة نوبل في الاقتصاد هذا العام في دراساتهم السابقة استنتاجا رئيسيا ومحوريا من خلال جولة عميقة في تاريخ ومستقبل التكنولوجيا، إبتداء من الثورة الزراعية في العصر الحجري الحديث إلى صعود الذكاء الاصطناعي في العصر الذي نعيش فيه. يقول الاستنتاج أن التكنولوجيا بحد ذاتها ليست هي التي تقرر كيفية استخدامها، وأنها ليست قدرا يحدد مصير تطور العالم. ويؤكد الاستنتاج أن البشر، على الرغم من مؤسساتهم غير الكاملة، ودوافعهم المتناقضة في كثير من الأحيان، يظلون في مقعد القيادة، ويقررون من خلال مؤسسات الحكم والإدارة كيف يكون استخدام التكنولوجيا. في هذا العصر من الأتمتة الجبارة التي تقلل الحاجة إلى العمل التقليدي، وتركيز الثروة والسلطة الذي لا يمكن إيقافه على ما يبدو، يجيب كتاب «القوة والتقدم» (2023) على الأسئلة التي تفسر كيف أن بلدا غنيا بموارده الطبيعية يعاني من الفقر، بينما بلد آخر يتمتع بالثراء. في هذا الكتاب الذي ألفه عاصم أوغلو مع سايمون جونسون يناقش الكاتبان العلاقات الشبكية بين المجتمع والاقتصاد والتكنولوجيا، ودور المؤسسات في تحقيق النمو وتوجيهه. ويتضمن الكتاب توليفة من التاريخ والتحليل إلى جانب أفكار محددة حول كيفية تحسين المستقبل. وقال جاكوب سفنسون رئيس لجنة جائزة العلوم الاقتصادية في أسباب منح الجائزة للعلماء الثلاثة: «إن الحد من الفوارق الشاسعة في الدخل بين البلدان هو أحد أكبر التحديات في عصرنا» وأوضح أنهم أظهروا في أعمالهم أهمية المؤسسات المجتمعية لتحقيق ذلك.
وبعد إعلان الجائزة نشر «معهد ماكينزي العالمي» نص حوار مع دارون عاصم أوغلو، أجراه عام 2021 تركز على كيفية تحقيق النمو في عالم من التغير التكنولوجي الذي يعطل أسواق العمل إلى حد كبير. وفيه قال عاصم أوغلو: «أعتقد أن الاقتصاد السياسي للنمو والتكنولوجيا والأتمتة والذكاء الاصطناعي – هذه جميعا مترابطة بشكل وثيق».
وذكر أن التكنولوجيا ليست نوعًا من العملية العلمية التي لها مسار محدد مسبقًا، ولكن اتجاهها الدقيق، ونوع التكنولوجيا التي نسعى إليها، ومن يستفيد منها، وأي رهانات نخوضها، وأي المنتجات التي نطمح إليها، كل هذه خيارات يحددها البشر والمؤسسات. وأضاف أن التكنولوجيا إذا كانت مجرد متغير كامن يجعلك أكثر إنتاجية، فإنها سوف تساعدك. ولكنها قد تفيد بعض العمال أكثر من غيرهم. وقد يكون القول بأن أجهزة الكمبيوتر تفيد العمال المتعلمين أكثر من المتسربين من المدارس الثانوية صحيحا. لكن هذا يعني عمليا أن التفاوت بين الفئتين من العمال يتسع. وليس من المصلحة أن نرى المتسربين من المدارس الثانوية يخسرون. ولا ينبغي أن تنخفض أجورهم الحقيقية. ولكن يجب اتخاذ قرارات بتعليمهم إلى ما فوق المستوى الذي هم عليه.
إن المدخل المؤسسي الذي يتبعه عاصم أوغلو ورفاقه ملائم جدا لتنظيم فهمنا للعالم، من دون ارتداء نظارات قومية أو أيديولوجية أو سياسية، تقرر لنا كيف نرى الأشياء من خلالها. ففي عالم ما بعد القومية، وعالم ما بعد الأيديولوجية، وعالم ما بعد الصدام بين نموذجين في عصر العولمة (الأمريكي والصيني) ترتقي مكانة القيم الإنسانية العليا، والمصالح البشرية، في العيش داخل مجتمعات تعيش في سلام مع نفسها، ومع جيرانها ومع العالم وكذلك مع البيئة الطبيعية. مجتمعات تهتم بتوظف منجزات عقل الإنسان وعمله وتطبيقاته، التوظيف الأمثل لتحقيق السلام والرفاهية وتوفير الفرص المتكافئة للجميع. ولا يتحقق ذلك من دون مؤسسات تشمل الجميع، على أساس معايير واحدة بلا تمييز على أسس طبقية أو دينية أو عرقية أو سياسية أو جنسية. إن السعي لإقامة المؤسسات القادرة على تحقيق هذه الأهداف هو الذي يرسم طريق تقدم الأمم أو فشلها. ونحن نجد ذلك يتجسد في صور كثيرة، منها مثلا أبناء الدول النامية الذين ينجحون في نظم متقدمة، بينما أقرانهم يعانون من الشقاء في مجتمعاتهم الأصلية. قصة العالم المصري أحمد زويل الفائز بجائزة نوبل في الكيمياء عام 1999 وقصة عاصم أوغلو نفسه (التركي الأصل) والآلاف غيرهم من نماذج النجاح المنحدرين من دول نامية أو فقيرة، تقدم الدليل على أن الإنسان يزدهر معرفيا وعمليا وحضاريا عندما يعيش في نظام أفضل، أكثر شمولا وقدرة على تحقيق طموحات الأفراد وتحفيز طاقاتهم على العمل والابتكار.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية