مصر وإسرائيل .. ‘ رسائل الكتمان ‘

حجم الخط
0

حكيم بالطيفة في السياسة، الشيطان يكمن دائما في التفاصيل الصغيرة.. فثمة تفاصيلُ تعـدّ من الأساسيات يصعب أن نتغافل عنها والمرورُ عليها مرور الكرام لا يجعلها مادة غير قابلة للإنفجار.. رسالة الرئيس المصري محمد مرسي إلى الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز والتي طعنت القاهرة في مصداقيتها هي سابقة من نوعها، فهي أول رسالة رسمية من القاهرة الجديدة إلى إسرائيل.. هذه الرسالة التي تحولت إلى أزمة حقيقة بسبب الروايات المتضاربة بشأنها تطرح أسئلة هامة وخطيرة وتقتضي أجوبة دقيقة وسريعة.. بين مشكّك ومؤكد وحتى نتفادى أي مضيعة للوقت، الأكيد أن هذه الرسالة ليست زائفة والمـــؤكد أيــضـــا أنه لم تحملها حمائم السلام بل نقلها السفير المصري بتل أبيب ياسر رضا إلى العميد حسون حسون السكرتير العسكري للرئيس الإسرائيلي. هذه الرسالة التي استقبلتها إسرائيل عبر البريد وعن طريق الفاكس جاءت ردا على تهنئة من الرئيس بيريز للرئيس مرسي بتوليه الرئاسة منذ شهر وردا على تهنئة ثانية أعرب خلالها شيمون بيريز عن أفضل أمنياته لمرسي بمناسبة حلول شهر رمضان. ومن غير المعقول بل ومن المستحيل لعاقل أن يتصور أن مرسي قد مزّق رسالة بيريز ورمى بها في القمامة من دون أن يبعث بالرد ليس فقط لإلزامية هذا الرد وفق العرف الدبلوماسي بل أيضا بالعودة إلى مرجعية الرجل التي تفرض عليه التعامل الحسن حتى ولو كان مع عدوه ما أتاه مسالما. التحية بأحسن منها؟ما أثار الدهشة والسخط لدى البعض في معسكر الإخوان المسلمين هو أن مرسي رد التحية بأحسنَ منها. إذ أنه لم يكتف بالشكل البروتوكولي المعتاد في الرد على برقيات التهنئة بين الدول بل كتب فوق الشكر قائلا إنهُ يتطلع لبذل قصارى جهده ‘لإحياء جهود السلام من أجل تحقيق الأمن والاستقرار لجميع شعوب المنطقة بما في ذلك إسرائيل’.. طريقة صياغة الرسالة أثارت الإستياء إذ رأى فيها البعض من الإخوان المسلمين وحتى من غيرهم الرافضين لأي شكل من أشكال التواصل مع إسرائيل فما بالك بالتطبيع ‘توددا وتواضعا مبالغا فيهما الأمر الذي من شأنه أن يبعث برسالة خاطئة مفادها أن مصر في خانة الضعفاء أمام عدو غاصب وتخشى المواجهة’.وبالعودة سويعات إلى الوراء.. تروي مصادر إسرائيلية في صلب مكتب شيمون بيريز أنها سألت السفير المصري بتل أبيب عما إذا كان لمصر أي اعتراض على نشر الرسالة في وسائل الإعلام الإسرائيلية، فطلب السفير المصري مهلة من نصف ساعة عاد بعدها بضوء أخضر من الرئاسة المصرية يجيز النشر.. ويُعتقد أن وصول هذه الرسالة إلى مكتب بيريز لم يكن يتوقعه بيريز نفسه، فالرد على التهاني الإسرائيلية جاء من الرئيس المنحدر من الإخوان وهذا في حد ذاته حدث جلل.. كما جاء الرد في وقت تبددت فيه الآمال بشأن وصول خطاب من مرسي بعد شهر كامل من الانتظار.. ولعل هذا ما يفسر المفاجأة في مكتب بيريز وقت استلام الرسالة لذلك حرص مكتب الرئاسة الإسرائيلية على سرعة نشر نسخة منها في الصحافة. إسرائيل ‘المتفهمة’ ووفق الرئاسة الاسرائيلة، ردة فعل الرئاسة المصرية طبيعية والإنكار متوقع بالعودة إلى الجلبة الذي أثارها هذا الخطاب خاصة وأن مرسي كان معروفا بانتقاداته اللاذعة لإسرائيل وهو الـــذي التقى منذ أيام فــقـط قــيــــادات من حركة حماس آخرها اسماعيل هنية.. تقول اسرائيل إنهُ ثمة خشية من أن تُـلحق هذه الرسالة الضرر بموقف الرئيس المصري وإنها تستوعب وتتفهم حساسية موقف الرئيس مرسي الذي يتعرض لضغوط داخلية وإن اسرائيل لن تنزعج حتى ولئن أنكر مرسي شخصيا أمر الرسالة..ومن جهتهم يؤكد محلّلون سياسون إسرائيليون أن الرئيس بيريز أعطى مرسي فرصة ذهبية أخفق فريق مستشاريه في استغلالها. فلبيريز قناعة راسخة يرغب في أن يتقاسمها مع الشعب الإسرائيلي مفادها أن الإخوان ‘ليسوا من أتباع الشياطين’ وأنهم حريصون على المضي قدما في عملية السلام وأنهم لن ينكثوا عهدا ولن يهددّوا أمن إسرائيل على عكس المخاوف التي تثيرها لدى الرأي العام رئاسة الوزراء المتوجسة من الإخوان.. وبالنسبة لمرسي الذي يتحمل أعباء مسؤلية ليست بالهينة بالنظر إلى التحديات الكبيرة الداخلية منها والخارجية التي تنتظر بلاده، يدافع البعض عنهُ بالقول إنهُ ما أخطأ أبدا، فقد اعتمد مبدأ التقية وفق ضوابطها الشرعية باظهاره عكس ما يبطنه وبتغاضيه عن بيان العداوة باللسان.. وأوضاع الحرب تجيز كل شيء.. ما لم تقله الرسالة هذه الرسالة ولئن وصلت إلى إسرائيل إلاّ أنه تمت صياغتها وكأن ‘المرسَل إليه’ هي واشنطن، فهدف هذه الرسالة هو طمأنة واشنطن قبل إسرائيل بشأن النوايا المصرية. وفي مقابل الدعم اللافت للانتباه الذي تقدمه واشنطن للإسلاميين، تبدو الشكوك عميقة في أن هذه الرسالة إما صيغت بحضور أمريكي أو أملتها رغبة أمريكية ملحة تزامنا مع جولة وزير الدفاع الأمريكي ليون بانيتا في الشرق الأوسط وأيا يكن من أمر وحتى نخلص إلى المغزى ونقف عند ‘ما لم تقله الرسالة’.. فإن بامكاننا استخلاص عدد من الاستنتاجات بعضها قد يأتي في قالب تساؤلات : أولا الرئيس محمد مرسي تصرف بشكل مسؤول تمليه عليه صلاحياته كرئيس دولة لا كقيادي في حزب إسلامي.. وعليه فان رسالة مرسي إلى بيريز لا ضير فيها خاصة وأنها وُجهت إلى رئيس ذي منصب شرفي التعاطي معه غير ملزم سياسيا وأنها تأتي ردا على رسالة تهنئة بشهر رمضان وهذه أبسط آداب المعاملة الدبلوماسية، فلم الإنكار؟ ثانيا النفي المصري كان متسرّعا ولم يكن موفّـقا لا في شكله ولا في مضمونه ويرى محللون مصريون أنهُ أثار الشكوك حول ما يمكن أن يخفيه هذا النفي من شبهات خاصة وأن مرسي تعهد أكثر من مرة باحترام التزاماتِ مصر تجاه إسرائيل.. ثالثا هذا النفي يضع الرئاسة المصرية أمام مأزق كبير، فهل ستظل القاهرة التي تصر على تكذيب خبرالرسالة صامتة أمام تزوير إسرائيل لخطاب رسمي يحمل إمضاء الرئيس وشعار الجمهورية في خطوة تعتبر تعديا على سيادة الدول ويعاقب عليه القانون الدولي..؟ رابعا هذه الرسالة تتوجب وبشكل عاجل أن يبدي الرئيس المصري موقفه بكل وضوح للداخل والخارج من إسرائيل عامة ومن عمــلـيـة الســلام خاصة وتحمل المسؤولية كاملة على هذا الأساس حتى ولئن وجد مرسي نفسه بين مطرقة الالتزامات الدولية وسندان الصف المتشدد في حزبه.. هذا الصف الذي عليه أن يستعد من الآن نفسيا ويتهيأ لأن المصافحة بين مرسي والمسؤولين الإسرائيليين آتية آتية لا ريب فيها وموعدها على الأرجح في شهر أيلول سبتمبر المقبل على هامش انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة ..أخيرا وللمرة الألف وجب على ساسة مصر الجدد أن يفهموا أن المواطن المصري لن يدّخر اليوم جهدا في الدفاع عن مكاسبه وقناعاته وطموحاته فلذا هو بحاجة إلى أن يتم التعامل معه بشفافية مطلقة لا وفق مبدأ ‘ما يطلبه المستمعون’ وعليه كفى استغفالا لهذا المواطن. وووجب على هؤلاء الساسة أن يُـفهموننا إلى متى سيستمرون في إقامة علاقاتٍ تحت جنح الظلام مع إسرائيل في الوقت الذي يصدحون فيه ويتباهون علنا بمقاطعتها؟ إلى متى سيفضّل الساسة العرب على حد قول الإسرائيليين أنفسِهم أن يلعب الإسرائيليون معهم وبطلب ملح منهم دور العشيقة لا دور الزوجة الشرعية في علاقة سرية تغذيها رسائل الكتمان ثم تـنـفيها ؟!.’ كاتب وصحافي تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية