الوحدة الوطنية في الاردن.. كيف تصحح العلاقة بين الاردنيين والفلسطينيين؟
15 - April - 2013
حجم الخط
6
ان شعار الوحدة الوطنية الذي ترفعه وتنادي به القوى والأحزاب والشخصيات الوطنية رداً على ما يقول به بعض الاردنيين من أن الفلسطينيين ضيوف علينا في الاردن، ولهم حق الضيافة علينا فقط، ولا أرغب أن أذكر ما هو أبعد من ذلك وأكثر سوءاً. ان شعار الوحدة الوطنية ليس الشعار الأصح موضوعياً لتصحيح العلاقة بين العرب الفلسطينيين والعرب الاردنيين. إن شعار الوحدة الوطنية ليس الشعار الأصح موضوعياً للدلالة على المضمون الأصح لموضوع العلاقة بين العرب الفلسطينيين والعرب الأردنيين في الأردن. فشعار الوحدة الوطنية يطرح كشعار في وطن يتكون شعبه من قوميتين أو أكثر كالعرب والأكراد والعرب واليهود (بعد أن أصبحوا دولة قومية دينها اليهودية وادعائهم بغير ذلك لا يغير الحقيقة)، والانكليز والاسكوتلنديين والايرلنديين والتشيك والسلاف وغيرهم الكثير. أما العرب الفلسطينيون والعرب الاردنيون فهم من عنصر واحد، أي من قومية واحدة في وطن واحد عبر التاريخ المشترك، وهم لا يزالون في نفس الوطن وفي نفس الخندق، على الرغم من كل ما مر بهم من مخاطر تاريخية، ومن يقول بغير ذلك ويعمل على أن يستعديهم على بعضهم البعض فهو إما جاهل بهذه الحقيقة ويمكن تصحيح معارفه، وإما أنه يخدم مصلحته الذاتية مدفوعة الأجر. ان التاريخ الممتد من (سايكس- بيكو) الى اليوم في هذه البقعة من الوطن العربي خاصة، وفي الوطن العربي الكبير عامة، استند الى التجزئة، التي شكلت أوطاناً تولاها المستعمرون الى حين، ومن بعد تولاها عملاؤهم الاكثر ولاء والأكثر هواناً. هذا الأمر أضعف الحقيقة التاريخية من أن هذه البلاد هي وطن واحد لعنصر واحد، وأن المحاولات التي جرت عبر التاريخ من أجل طمس هذه الحقيقة قد باءت جميعها بالفشل على تعددها. ان التناقض بين مسار وعد (بلفور) الذي التزم به الأردن كنظام منذ تأسيس الامارة حتى يومنا هذا، والمسار المقاوم للشعب العربي الفلسطيني لهذا الوعد، هما الأساس التاريخي لهذا الشرخ في المجتمع الاردني اليوم، يضاف اليه فعل القوى صاحبة المصلحة في ديمومة هذا الشرخ، فأنا ألمس هذا الشرخ بين الكثير من شرائح المجتمع في الأردن ذات الجذر الأردني، وهو كذلك بين الكثير من شرائح المجمتع ذات الجذر الفلسطيني، وهو أشد وأسبق ولكنه لا يظهر، وسأروي واقعة غير منقولة لأنها حدثت معي شخصياً، ففي (أيلول الأسود) كما يسمى عام 1970، حينما وقع الصراع المسلح بين المقاومة ومكونات النظام الأمنية، كنت في حينه في منطقة جرش وعجلون، وكنت والفصيل الذي أقوده أساسيين في المقاومة، وهناك كنت ألتقي بقائد قوات حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) عضو اللجنة المركزية المرحوم أبو صبري، وفي إحدى زياراتي له لم أجده، فجلست انتظره وكان يوجد في المكان الكثير من الشباب المقاوم، وطبعا كان الحديث يدور حول الأحداث ولم أشارك في الحديث، ولكنني كنت أستمع باهتمام، وكان هؤلاء الشباب الذين ولدوا جميعهم في الأردن لا يشيرون في حديثهم الى النظام وجيشه الذي كان يجري معهم الصراع، ولكنهم كانوا يقولون الأردنيين، أي أن الصراع يجري مع الأردنيين، وقالوا بالأردنيين ما لم يقله مالك في الخمر، وانتبه أحدهم الى وجودي فجرى حينها صمت مطبق فضحكت وشر البلية ما يضحك. طبعا هذا الشعور الفلسطيني لم يأت من فراغ تجاه الأردن كنظام تجاوز بامتداد الزمن الى الاردنيين كشعب، وقد نتج عن تراكم تاريخي أساسه دور الأردن السياسي الاستراتيجي في المسألة الفلسطينية منذ وجود الأردن ككيان سياسي ملتزم بوعد (بلفور) معاوناً على تحقيقه وانتهاء بفك الارتباط وما بينهما الكثير الذي علينا المرور بأهمه. قبيل انتهاء الحرب العالمية الأولى وقعت اتفاقية (سايكس- بيكو) وبعد انتهاء الحرب صدر وعد (بلفور) وبهذا تكون قد جزأت بلاد الشام وأصبحت بذلك سورية ولبنان في ذمة الاستعمار الفرنسي، وفلسطين والأردن في ذمة الانتداب البريطاني. وقد قام الانتداب البريطاني صاحب الذمة الواسعة من أجل تحقيق هذا الوعد بكل الوسائل والاساليب غير المشروعة الظالمة التي تتخطى القانون والقيم المشروعة من أجل تحقيق هذا الوعد. ولما كان الأردن تحت سلطة هذا الانتداب ويعترف بوعد (بلفور) فقد ساهم بالقدر المطلوب منه لتحقيق هذا الوعد. هذه واحدة، أما الثانية فقد شكل دور الأردن السياسي والأمني تجاه هذا الوعد خلافاً بين الأمير عبدالله والحاج أمين الحسيني (رحمهما الله)، قائد نضال الشعب العربي الفلسطيني في تلك المرحلة، مركز استناد لاتجاهين استراتيجيين متناقضين، أحدهما وافق على اعطاء أرض فلسطين واغتصابها من أهلها لغير اهلها، وهو بذلك لا يعادي الحاج أمين الحسيني فقط بل يعادي الشعب العربي الفلسطيني- كل الشعب العربي الفلسطيني. وهو يفرض هذه المساهمة على الواقع الذي يحكمه وهو الشعب العربي في الأردن. أما الاتجاه الاخر فقد قاومه بالنضال السياسي وبالسلاح وبالشعر وبالاوصاف، من مثل ابو الطبيخ، ابو العبدات، الحاخام. هذا التناقض بين الاتجاهين تجذر في نفوس الشعب العربي الفلسطيني بامتداد الزمن الذي استمر لأكثر من ربع قرن، أي منذ تأسيس الامارة حتى خروج الانكليز من فلسطين، ولهذا تطور عداء الشعب العربي الفلسطيني لينال كل من ساهم في ضياع فلسطين. وهذا العداء اذا لم يستأصل بفعل يعيد للشعب العربي الفلسطيني حقه في فلسطين، فان هذا العداء يصبح حقداً مدمراً للذات. ينطبق عليه القول (علي وعلى من ضيعوا حقي في فلسطين). ولسوء الحظ أو لضعف المعرفة والقدرة فلا المعارضة في الاردن، التي لم تكن ضعيفة ففيها زعماء عشائر وشخصيات قائدة في مجتمعها ولا قادة الشعب العربي الفلسطيني استطاعا أن يثبتا علاقات نضالية توحد طاقات الشعبين ضد ‘عدو مشترك’ يستهدفهما كليهما. وكانت ادارة الانتداب تخشى خشية جدية من أن تمتد مقاومة مشروعها الى الاردن، وسأروي لكم حكاية تعبر عن هذه الخشية: كان سليمان الجمعاني أحد وجهاء قبيلة بني حميدة ، ميسور الحال شجاعا سافر الى الشام ليجهز لأحد أبنائه، وبعد عودته من هناك بأيام وصل الى مضاربنا أحد فرسان الدرك أبلغه أنه مطلوب للقاء سمو الأمير آنذاك. وفي اليوم التالي سافر الجمعاني الى عمان والتقى سمو الأمير، سأله الأمير قائلا يا سليمان أنت كنت بالشام؟ فأجابه نعم يا سيدنا لقد كنت في الشام وهناك التقيت صديق لابد أن التقيه حين أكون في الشام وهو الدكتور صبحي أبو غنيمة، والدكتور صبحي أبو غنيمة كان زعيمأ للمعارضة في الاردن لاجئا سياسيا في دمشق. فرد الامير قائلأ: لا ما هي هذه. لقد وصلتني معلومة أنك التقيت الحاج أمين الحسيني الذي أعطاك 300 ليرة لتقيم ثورة في جبل بني حميدة. فأجابه الجمعاني أنت تعرف يا سيدنا أنني موال لك وأنت تعرف كذلك أنني لست بحاجة الى 300 ليرة. هذه الواقعة تدل على خوف القائمين على المشروع الصهيوني من توحيد الرؤية والفعل بين الشعبين العربيين الأردني والفلسطيني تجاه هذا المشروع ومخاطره عليهما كليهما. لأن فلسطين والأردن هما المستهدفان أساساً من قبل هذا المشروع. واصرار الحركة الصهيونية على أن يكون الأردن جزءأ من وعد (بلفور) شاهد على ذلك والعوامل التي استند اليها هذا التفريق لا تزال قائمة ولم تختلف إلا بالاساليب والوسائل فقط. وقد زاد شعورالعرب الفلسطينيين، الذي ذكرت، عمقا النتائج التي تحققت في دخول الجيوش العربية القتال في فلسطين، والتي تحمل الكثير من وزرها الأمير عبدالله في حينه كونه قد عين قائدأ عاماً لهذه الجيوش التي لم يكن يملك أي قدر من المسؤولية والسلطة مهما صغرت على هذه الجيوش، بما فيها جيش بلاده الوطني. وكانت ثالثة الأثافي الدور السياسي والأمني الذي تولى مسؤوليته الأردن في المناطق التي استطاع الجيش العراقي والأردني الدفاع عنهما في فلسطين (أي الضفة الغربية) في ما بعد، قبول أن يكون الأردن عامل عون للأرض وأصحابها يمنحهم الحق في المسؤولية عن ادارة شؤونهم السياسية والاجتماعية والدفاعية وغيره. تولى النظام في الاردن كل ذلك مطبقاً اسلوبه في حكم شرق الاردن ملتزمأ بوعد (بلفور). الأمر الذي اعتبره أحد الشيوعيين البارزين في مذكراته احتلالا وهذا المفهوم للعلاقة بين فلسطين والأردن أي بين العرب الفلسطينيين والعرب الأردنيين لم يرد على ذهني اطلاقأ كوني ملتزما قومياً الا حينما قرأت هذه المذكرات لهذا المناضل الشيوعي السيد نعيم الأشهب، الذي يقول لقد تعرضنا لثلاثة احتلالات، الانكليزي والأردني والاسرائيلي، وهو يضع الاسرائيلي اخر المحتلين. طبعا هذا القول فيه الكثير من التناقض الموضوعي مع التحليل للظروف والواقع مثال ذلك: (1) ان الفلسطينيين والأردنيين من عنصر واحد فرضت عليهم التجزئة فرضاً رغما عنهم. (2) ان وطنهما كليهما مهدد من قبل قوى طامعة. (3) كلاهما يتطلعان الى وحدة الأرض والعنصر الذين هم جزء منه تجميعا للقدرة لدفع المخاطر التي تحيط بهم وبوطنهم. (4) ان العلاقة بين فلسطين والاردن هي علاقة تكاملية في كل أبعادها عنصرا وجغرافيا واجتماعا واقتصادا وسياسة. والموقف الشيوعي من القضية الفلسطينية في ذلك الحين هو موقف سياسي وايديولوجي مفروض وخاطئ وهو بالتالي غير ماركسي. والآن بعد الذي ذكرت ما هو دور الشعب في الاردن في نكبة فلسطين. وكلاهما ‘الشعبان العربيان الفلسطيني والاردني’ فرض عليهما واقع لم يستطيعا دفعه عنهما حتى يومنا هذا؟