لندن ـ «القدس العربي»: وأخيرا وبعد أكثر من ثلاثة أسابيع هاجمت إسرائيل إيران ليلة-فجر السبت من الأسبوع الجاري، وتشير المعطيات إلى محدودية الهجوم بل وإبلاغ طهران به مسبقا لتفادي الرد المضاد والدخول في دوامة الانتقام، الأمر الذي قد يقود إلى حرب إقليمية كبيرة. وعلى الرغم من كل هذا، يبدو أن العلاقات العسكرية بين الطرفين انتقلت من الحرب الباردة إلى المواجهة المباشرة.
ويأتي الهجوم الإسرائيلي كرد على الذي نفذته إيران ليلة فاتح تشرين الأول/أكتوبر الجاري عندما انهال أكثر من 200 صاروخ كروز وباليستي وفرط صوتي على قواعد ومنشآت عسكرية في أراضي الكيان. غير أن الرد الإسرائيلي تأخر كثيرا لقرابة أربعة أسابيع ليحدث أخيرا، وتتضارب الروايات بين إيران وإسرائيل حول فعاليته وحجم الخسائر. وهكذا، تقول الرواية الإسرائيلية أنها شنت هجمات جوية بأكثر من مئة مقاتلة لتنفيذ ضربات دقيقة في عدد من مناطق إيران ضد قواعد عسكرية، ومصانع الصواريخ التي تعتبر نقطة قوة هذا البلد علاوة على تدمير أنظمة الدفاع الجوي.
ويبقى المثير هو ترويج البروباغاندا الإسرائيلية لصور انفجارات على أساس أنها للهجوم، ويبقى التساؤل لماذا لم يتم نشر صور الأقمار الاصطناعية الأمريكية والإسرائيلية لتعزيز هذه الرواية؟
في المقابل، تعلن إيران عبر وسائل إعلامها مضمون بيان «العلاقات العامة للدفاع الجوي الإيراني» ما يلي: «نعلن للشعب الإيراني الأبي، أنه وعلى الرغم من التحذيرات السابقة من قبل مسؤولي الجمهورية الإسلامية للكيان الصهيوني الإجرامي وغير الشرعي لتجنب القيام بأي عمل مغامر، فقد قام هذا الكيان المزيف هذا الصباح، في خطوة مثيرة للتوتر، بمهاجمة مراكز عسكرية في محافظات طهران وخوزستان وإيلام، وبينما تم اعتراض هذا العمل العدواني ومواجهته بنجاح من قبل المنظومة الشاملة للدفاع الجوي، فقد لحقت أضرار محدودة ببعض النقاط، ويجري التحقيق في أبعاد الحادث».
وبعد تنفيذ إسرائيل لهجومها العسكري على إيران، توجد عدد من الملاحظات والتساؤلات حول نوعية الهجوم وتوقيته، ومدى مشاركة الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة فيه. في هذا الصدد، لعل أبرز ملاحظة لهذا الهجوم هو ما أوردته جريدة «أكسيوس» الرقمية وكذلك الإعلام الإسرائيلي بإخبار إسرائيل مسبقا إيران بتاريخ الهجوم ونوعية الأهداف وموقعها التي تبقى عسكرية دون المساس بالأهداف النفطية والمشروع النووي الإيراني. ويبقى التأويل العسكري الواضح للإبلاغ المبكر هو أن إسرائيل تبلغ رسالة غير مشفرة إلى الجانب الإيراني بأن الهجوم سيكون محدودا ولن يمس المنشآت النفطية لتفادي أزمة اقتصادية عالمية. والإعلان بساعات يعطي الوقت الكافي لإيران لاتخاذ إجراءات مثل تغيير مواقع الأسلحة لتقليص حجم الخسائر. في الوقت ذاته، هناك رسالة أخرى وتتجلى في أن الهجوم هو للحفاظ على التوازن حتى تحافظ إسرائيل على صفتها كقوة إقليمية لتجنب الدخول في دوامة الرد والرد المضاد إلى مستوى حرب إقليمية مدمرة. وتنقل «أكسيوس» في مقالها حول الهجوم «قالت المصادر إن الرسالة الإسرائيلية بإبلاغ إيران كانت محاولة للحد من تبادل الهجمات الجارية بين إسرائيل وإيران ومنع تصعيد أوسع نطاقاً.
في ملاحظة أخرى تبقى جوهرية للغاية، وهو أن إسرائيل كانت ترد بقوة وبسرعة على كل هجوم يستهدفها بل وتستبق مصدر الخطر الذي سيهددها بتدميره كما تفعل مع مصانع الصواريخ السورية وكما فعلت مع المشروع النووي العراقي، إلا أن هذه المرة تأخرت قرابة أربعة أسابيع. ويكشف هذا التأخر استحالة إسرائيل الدخول في حرب لوحدها في مواجهة إيران بدون دعم غربي ملحوظ ورئيسي لأنها تفتقر للقوة العسكرية الكافية لخوض هجوم أو حرب بمفردها، باستثناء إذا لجأت إلى استعمال السلاح النووي.
يعود تأخر الرد الإسرائيلي لما يقارب الأربعة الأسابيع إلى الانتظار للتزود بالصواريخ من الولايات المتحدة بحكم أن هذا الهجوم تم بصواريخ كروز وقنابل انزلاقية عن بعد لأن مقاتلات إف 35 وإف 15 قادرة على حمل هذا النوع من القذائف التي تطلق عن بعد يتجاوز الألف كلم. ومن المحتمل جدا أن تكون الطائرات الإسرائيلية قد بقيت في الأجواء العراقية المتاخمة لإيران، وانطلاقا من هناك نفذت القصف دون خرق الأجواء الإيرانية. وعموما، تأخرت إسرائيل كثيرا لأنها كانت تنتظر تعزيز الدفاعات الجوية لحمايتها بشتى الأنظمة منها التي توجد على متن المدمرات الأمريكية الراسية شرق البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر وهي ست مدمرات، والتوصل بنظام «ثاذ» الذي يعتبر أهم منظومة دفاعية أمريكية، وجرى نشر هذه المنظومة حول المواقع الحساسة جدا. ويضاف إلى هذا الدفاعات الأوروبية من الفرقاطات الإيطالية، والفرنسية، والألمانية والبريطانية.
وقعت الصين وروسيا مع إيران منذ سنتين اتفاقيات استراتيجية تمتد لعقود من الزمن تشمل استثمارات في الطاقة والبنى التحتية، ولا يمكن للبلدين التوقيع على اتفاقيات من هذا النوع من دون تقديم حماية عسكرية لطهران وبالخصوص تزويدها بأنظمة دفاع متطورة للغاية. وكانت جريدة «بوليتكو» الأمريكية قد نشرت خلال آب/أغسطس الماضي حصول إيران على برنامج «مورمانسك بي إن» ضمن دعم عسكري روسي آخر. ويساهم هذا البرنامج في التشويش بشكل كبير على القدرات العسكرية الأوكرانية في الحرب ضد روسيا. وتتوفر إيران على أنظمة دفاع جوي متطورة محلية الصنع من عائلة صياد التي تنتمي إليها منظومة خرداد وأنظمة أرمان التي تواجه ستة أهداف مرة واحدة وذات مدى يصل إلى 180 كلم، لكن لا يمكن استبعاد توصلها بأنظمة من روسيا والصين، الأمر الذي جعل المقاتلات الإسرائيلية لا تقتحم الأجواء الإيرانية. وكانت طهران قد طلبت خلال ايلول/سبتمبر الماضي من روسيا أسلحة نوعية للدفاع، وقد يكون الأمر متعلقا ببرامج التشويش وبرامج الدفاع الجوي على الأقل منظومة إس 300 في نسختها المنقحة دون استبعاد إس 400. ولا يستبعد أن تكون إيران قد حصلت على منظومة الدفاع الجوي HQ 22.
تتميز العلاقات العسكرية بين إيران وإسرائيل بأنها تدخل في إطار الحرب الباردة منذ أربعة عقود، وهي التهديدات المتبادلة ثم عمليات تنفذها استخبارات كل بلد ضد الآخر سواء الاغتيالات الإرهابية أو تفجيرات ذات طابع إرهابي في أراضي هذا الطرف أو ذاك أو في مناطق من العالم. كما تتميز الحرب الباردة بما يسمى الحرب بالوكالة، حيث تساند إيران حركات المقاومة في مواجهة إسرائيل، وتعمل هذه الأخيرة على دعم حركات الأكراد والمعارضة الإيرانية وتحاول استمالة جيرانها ليصبحوا ضدها. إلا أنه ابتداء من 14 نيسان/أبريل الماضي، لم تعد الحرب الباردة قائمة وتطورت إلى المواجهة المباشرة بدون الوصول بعد إلى حرب حقيقية. يوم 14 نيسان/أبريل الماضي، هاجمت إيران إسرائيل بمئات الصواريخ الباليستية والمجنحة وطائرات بدون طيار بسبب قيام الكيان بقصف تمثيلية دبلوماسية إيرانية في العاصمة دمشق. وجاء الرد الإسرائيلي محتشما جدا يوم 19 من الشهر نفسه. ثم شنت إيران أكبر هجوم لها على إسرائيل يوم فاتح تشرين الأول/أكتوبر الجاري بأكثر من 200 صاروخ باليستي ومجنح وفرط صوتي، وهو أكبر هجوم تتعرض له أراضي الكيان منذ تأسيسه. وكان الرد الإسرائيلي يوم السبت 26 تشرين الأول/أكتوبر الجاري.
ويأتي الرد الإسرائيلي على إيران محدودا إذ حتى الصحافة الإسرائيلية قالت إنه كان باهتا، إذ سخر مراسل قناة «كان» الإسرائيلية روعي كايس، من الهجوم الإسرائيلي على إيران قائلا في تغريدة على حسابه: «لو كنت أنا خامنئي، لعدت إلى النوم، وتحققت مما حدث في الصباح». غير أن الهجوم ينهي مرحلة الحرب الباردة بين الطرفين لتدخل مسارا جديدا يتميز بالمواجهة المباشرة كلما دعت ضرورة الأمن القومي لكل واحد منهما. وهو تطور جديد في الصراع في الشرق الأوسط خاصة إذا ردت إيران بهجوم مضاد.