انفتاح تركيا على كردها أولوية استراتيجية لها وللمنطقة

كان اللقاء الدبلوماسي الأول بين وفد المجلس الوطني السوري بعد الإعلان عنه في اسطنبول يوم 2 تشرين الأول/أكتوبر 2011، هو اللقاء الذي تم مع وزير الخارجية التركي في ذلك الحين الدكتور أحمد داود أوغلو، مساء اليوم ذاته. ما أتذكره من اللقاء المعني هو أن وفد المجلس ضم حوالي 8-9 أشخاص. في حين أن الغرفة كانت مليئة بموظفي الخارجية التركية، وربما موظفي الدوائر الأمنية الذين كانوا يرغبون في التعرف إلى القيادة السورية الجديدة التي كان يعتقد بأنه ستكون القيادة البديلة لسلطة بشار الأسد.
افتتح الدكتور أوغلو اللقاء بالترحيب بأعضاء الوفد، وتحدث عن جهود تركيا في ميدان المساعي التي كانت بهدف التوصل إلى توافقات بين السلطة والمعارضة بغية تجنيب سوريا كوارث القتل والتدمير. غير أن تلك الجهود فشلت، بكل أسف، وفق كلام الوزير الذي أعلن بكل وضوح عن وقوف تركيا إلى جانب الشعب السوري بكل انتماءاته وتوجهاته؛ وبيّن في الوقت ذاته أهمية الاستقرار في سوريا بالنسبة إلى تركيا. ثم دعا الدكتور برهان غليون، بوصفه كان رئيس المجلس في ذلك الحين، ليتحدث عن المجلس وأهدافه، ويقدم أعضاء الوفد.
حين جاء دوري في الحديث، شكرت الدكتور أوغلو على الوقت الذي خصصه لنا، وقلت له: لقد قرأت كتابك «العمق الاستراتيجي»، كما اطلعت على أهمية الفكرة المحورية التي تتمفصل حولها رؤيتك وسياستك، وهي فكرة (صفر مشاكل مع الجيران)». وبينت له أن هذا المبدأ إذا أردنا له أن يكون مفيداً منتجاً، ينبغي ألا يقتصر على الدول وحدها بل يشمل الشعوب أيضا. فتركيا التي تريد إقامة العلاقات مع العرب لا بد أن تفعل ذلك عبر مناطق الكرد الذين يعتبرون أيضاً من الشعوب الأساسية في المنطقة، وذلك إلى جانب العرب والأتراك والفرس. والسلام والاستقرار لن يتحققا في منطقتنا ما لم تكن جميع شعوبها مرتاحة، وهذا أمر لن يكون من دون إيجاد حل عادل للمسألة الكردية سواء في تركيا أم في سوريا.
ومن بين ما أورده أوغلو أن الأيديولوجيا القومية لا تتناسب مع واقع مجتمعاتنا؛ فهي أيديولوجية أوروبية، فرضتها حاجة الدول الأوروبية إلى تثبيت وتوحيد كياناتها السياسية، والمحافظة على مبدأ سيادتها.
فما فعلته هذه الأيديولوجية بمنطقتنا، والكلام لأوغلو، كان سلبياً. فنحن في تركيا كنا على حافة فقدان الدولة والسيادة. في حين أنهم قسموا الدول العربية إلى نحو أكثر من 20 كيانا سياسيا. هذا بينما حرموا الكرد، وهم صاحب البيت (قال العبارة بالعربية متجاوزا بذلك المترجم) من حق تشكيل أي دولة.
ومع الوقت تعددت اللقاءات بيننا وبين الوزير أوغلو. وفي جميع اللقاءات تقريبا كان الموضوع الكردي على جدول الأعمال بهذه الطريقة أو تلك. وكنا نتجاوز حواجز الرسميات لنناقش المواضيع بأسلوب أقرب إلى الاستفادة من الخبرات والتأملات والاستلهامات. كنا نتحدث بطريقة أقرب إلى استشفاف واقع المنطقة ومشكلاتها حاضراً ومستقبلاً. أما من جهة سلطة الأسد، عبر أداتها (حزب العمال الكردستاني)، فقد كنا نلاحظ أنها تقف خلف افتعال الأزمات بين الكرد والعرب، أو بين العرب أنفسهم، وذلك حينما تشعر ان هناك نية للتوافق بين العرب والكرد.
وفي سياق تناولنا للقضية الكردية في المنطقة سواء في تركيا أم في سوريا على وجه التخصيص، من خلال اللقاءات الخاصة والمناقشات البحثية، سواء مع أوغلو أم مع غيره، كنت أدعو إلى تغيير الرؤية في التعامل مع هذه القضية، فبدلا من التعامل معها بوصفها مشكلة، لا بد من التعامل معها بوصفها جسرا للتواصل، وميداناً لعقد التفاهمات والتوافقات، شرط توفر المصداقية والحرص على العمل لتعزيز الثقة المتبادلة، وبهذه الطريقة ستكسب تركيا صداقة ملايين الكرد في المنطقة عوضا عن عداوتهم.
وفي لقاء موسع مع الوزير أوغلو في أربيل صيف 2012 حضره وفد من المجلس الوطني الكردي، ووفد من المكونات المجتمعية السورية في محافظة الحسكة، وعدد من أعضاء المكتب التنفيذي للمجلس الوطني السوري، إلى جانب ممثلين عن الحزبين الكرديين الكبيرين (الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني)؛ هذا فضلا عن وفد تركي موسع ضم موظفين من وزارة الخارجية والأجهزة الأمنية؛ تطرق أوغلو إلى موضوع حزب الاتحاد الديمقراطي قائلاً: لا مشكلة بيننا وبين هذا الحزب إذا كان يعتبر نفسه حزبا كرديا سوريا؛ ولكنه إذا كان يعتبر نفسه تابعاً لحزب العمال المصنف لدينا ولدى حلفائنا ضمن قوائم الأحزاب الإرهابية فالمشكلة كبيرة، ولا يمكن لنا التعامل معه.
ثم جاء دوري لأتحدث من موقعي كرئيس للمجلس الوطني السوري، وأقدم وجهة نظري حول هذه النقطة، وحول المعالجلات المقترحة. توجهت إلى الوزير أوغلو قائلاً: لقد تناولنا الموضوع الكردي معا مرات عدة، ورأيي بشأنه واضح؛ فمن دون حل عادل للقضية الكردية في كل من تركيا وسوريا لن يكون هنا استقرار في المنطقة، والخطوة الأكبر المطلوبة هي بيد الحكومة التركية، وذلك باعتبار أن تركيا تضم النسبة الأكبر من الكرد، وتوجد فيها مساحات واسعة من الأراضي التي يعيش فيها الكرد (كردستان تركيا). وبالمناسبة علينا ألا نخشى من استخدام مصطلح كردستان الذي حُمّل أيديولوجيا أكثر من اللازم، في حين أنه هو في واقع الحال مصطلح حيادي أيديولوجيا، يشير إلى المناطق التي يعيش فيها الكرد. وأضفت: من كان يصدق قبل عشر سنوات أن تركيا ستفتح قناة كردية رسمية في تلفزيونها الحكومي أو تفتح أقسام اللغة الكردية والمعارف الكردية في جامعاتها الرسمية؟ لنتخذ خطوات أخرى جادة في هذا المجال، وحينئذٍ سنفتح الطريق أمام الحل المنتظر. ابتسم الوزير أوغلو وعلّق قائلاً: حبذا لو اطلعت على الصراعات التي خضناها حتى وصلنا إلى هذه المرحلة. كان جوابي هو التالي: حسنا فعلتم. فقد أثرتم بصورة إيجابية في عقلية الترك والكرد معاً، وأثبتم جديتكم في هذا المجال.
وبعد ذلك، بل قبل ذلك، كانت العملية السلمية بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني؛ وهي العملية التي انتكست نتيجة تدخل الأطراف المتضررة، الإقليمية (النظام الإيراني بصورة أساسية)، وحتى الداخلية البينية سواء في الجانب التركي أم الكردي. وهي العملية التي طالبنا، ونطالب، كما طالب ويطالب غيرنا، باحيائها. وأكدنا مراراً بأنه يمكن التمهيد لكل ذلك، بالدعوة إلى عملية فك الارتباط العضوي بين حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني؛ على أن تقدم الحكومة التركية، وجهة نظرها حول الخطوط العامة للحل، بعيداً عن المجاملات والتهديدات والتهويلات.
ما ذكّرني بكل هذه المواضيع يتجسد في الأحاديث التي تدور اليوم في تركيا في العديد من الأماكن، وعلى مستويات مختلفة حول امكانية التوصل إلى حل للقضية الكردية في تركيا على قاعدة وحدة الشعب والوطن، والاعتراف بالخصوصيات والإقرار بالحقوق. وهي الدعوات التي سبقت خطوات بهجلي الأخيرة الخاصة بامكانية دعوة عبد الله أوجلان إلى البرلمان ليؤكد استعداده لتسليم سلاح حزب العمال، والإعلان عن حل الحزب المذكور، وذلك مقابل العفو عنه. وهي دعوة لا تمثل مشروعا سياسياً قابلا للتطبيق في ميدان امكانية التوصل إلى حل للقضية المعنية، ولكن ربما تتشخص أهمية الموضوع في كونه قد طرح من جانب دولت بهجلي زعيم الحركة القومية التركية، حليف الرئيس رجب اردوغان في الحكومة.
فليس من المضمون أن يلتزم حزب العمال، بناء على تعليمات النظام الإيراني، بما يراه أوجلان نفسه، وهو الحزب الذي لم يمنح مسألة الحكم على صلاح الدين ديمرتاش، النائب في البرلمان التركي رئيس حزب الشعوب الديمقراطي المعتقل منذ عام 2016، قبل مدة، بـ 42 عاماً أي اهتمام. كما أن التحالفات والمعطيات قد تغيرت كثيرا منذ القبض على أوجلان في كينيا قبل نحو ربع قرن، إذ بات حزب العمال الكردستاني أقرب إلى حليفه أو معلمه الإيراني، يلتزم بما يُفرض عليه، أو يُطلب منه في هذا المجال.
ولكن كل هذا لا ينفي أهمية التوصل إلى حل يستند إلى المصداقية والثقة المتبادلة، وفي جميع الأحوال تقع المسؤولية على عاتق حكومة حزب العدالة والتنمية، وعلى الرئيس التركي اردوغان شخصياً، الذي يُعد الشخص الوحيد في تركيا على الصعيد الرسمي القادر على فتح ملف العملية السلمية مجددا، والإقدام على خطوات عملية منتجة في هذا الميدان. وكل ذلك يستوجب وجود رؤية واضحة حول الحل الذي يمكن عرضه على الكرد بصورة عامة في تركيا ممن هم في صف حزب العمال أم أولئك الذين هم على خلاف معه. وكل ذلك لن يؤدي إلى الحصيلة المطلوبة من دون الايمان بأهمية حل الموضوع الكردي في تركيا بوصفه موضوعا وطنيا عاماً، يهم جميع الترك على المستويين الرسمي والشعبي، بغض النظر عن مواقفهم المؤيدة للحكومة أو المعارضة لها. وبطبيعة الحال ستكون القوى التي لا تجد مصلحتها في مثل هذا الحل داخلياً وخارجياً بالمرصاد لأي انفتاح حقيقي على الحل سواء من جانب الحكومة أم من جانب حزب العمال. فالقوى المعنية ستلجأ إلى الأعمال الاحتجاجية وحتى الإرهابية بكل أشكالها، وستفبرك العمليات المبرمجة المدانة، بهدف المبالغة في حجم المخاطر التي تتضمنها الحلول المعنية، (عملية  أنقرة الأخيرة التي استهدفت شركة الأسلحة الجوية والفضائية مثالاً) لتسوّغ عملية الابتعاد عن الضرورات الواقعية والنتائج المفيدة لمثل هذه الحلول.
ولكن في جميع الظروف تبقى معالجة القضية الكردية في تركيا، عبر التزام حل عادل ممكن، في مقدمة الأولويات التي تنسجم مع سياسات تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.
*كاتب وأكاديمي سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية