كان لقائي الأول بليلى إنجرامز في مدينة غيل باوزير بحضرموت في أواخر تسعينيات القرن الماضي، إذ ذهبت لأتعرف إليها عندما علمت أنها تقيم في مبنى المدرسة الوسطى التاريخية الذي كان في الأصل حصناً حكومياً بناه ليكون مقراً له الأمير منصّر بن عبدالله القعيطي، ثم اختير في أواسط الأربعينيات ليحتضن أول مدرسة وسطى في تاريخ حضرموت بصفوفها الدراسية والسكن الداخلي لطلابها الوافدين من مختلف مناطق حضرموت، وربما غيرها من المناطق القريبة.
كانت هذه المدرسة، التي افتتحت أولاً في المكلا قبل انتقالها إلى غيل باوزير، إحدى ثمرات حركة تطوير وتحديث التعليم التي انطلقت في عهد السلطان العالم المثقف صالح بن غالب القعيطي، بمساعدة دار المستشار البريطاني وبإشراف مباشر من هارولد إنجرامز، والد ليلى الذي كان أول مستشار إنكليزي للسلطنتين القعيطية والكثيرية الحضرميتين، وقد لعبت المدرسة دوراً كبيراً في النهضة التعليمية وكان يضرب بها المثل في الانضباط والنظام والأنشطة اللاصفية المتعددة، التي كان يقوم بها الطلاب ويقدمون من خلالها إبداعاتهم في مختلف المجالات، فضلاً عن المنهج التعليمي الرفيع الذي كانت تتبعه. ولكن في الفترة التي التقيت بليلى داخلها كانت قد أصبحت فقط مبنى أثرياً أشبه بمتحف ومركز ثقافي لإقامة بعض الفعاليات الثقافية والاجتماعية، تحت إشراف السفير محمد سعيد مديحج، أحد الذين تولوا إدارة المدرسة الوسطى في الفترة التي كنت طالباً فيها، وهو الذي قام بمهمة تعريفي بليلى.
عندما انتقلت المدرسة الوسطى إلى الغيل في عام 1944، كان الزوجان هارولد ودورين اللذان عشقا حضرموت وعاشا فيها قرابة العشر سنوات، ينهيان فترة عملهما هناك في المكلا العاصمة، حيث غادرا تلك البلاد في يوليو/تموز من العام نفسه، وكانت ابنتهما ليلى ما زالت طفلة صغيرة، إذ كانت قد ولدت في العاصمة المصرية القاهرة في ظروف الحرب العالمية الثانية تحديداً في 16 يونيو/حزيران 1940. وقد روت دورين إنجرامز قصة ذهابها إلى مصر لتضع ليلى، وكيف حلّت هناك ضيفة على إحدى الأسر الحضرمية المقيمة في القاهرة، في فصل كامل من كتابها «أيامي في الجزيرة العربية» الذي قمت بأول ترجمة له إلى اللغة العربية وصدرت في المكلا عام 2011، بينما كانت طبعته الإنكليزية الأولى قد صدرت في عام 1970 عن الناشر جون موري بلندن. ومن حسن الحظ أن الراحلة ليلى تمكنت قبل وفاتها من إصدار طبعة جديدة أنيقة من كتاب والدتها صدرت عام 2013 وأهدتني نسخة منها.
على الرغم من قصر المدة، نسبياً، التي جمعتني فيها المعرفة والصداقة مع الراحلة ليلى، إلا أنها كانت حافلة بالتواصل المستمر بيننا، والعمل المثمر في مجال اهتماماتنا المشتركة. وقد جمعتني بها لقاءات كثيرة بعد لقائنا التعارفي الأول ذاك في مبنى المدرسة الوسطى، وكان أحد هذه اللقاءات في مدينة لندن، وكنت برفقة صديقي العماني ذياب بن صخر العامري، حيث جاءت خصيصاً من مقر سكناها في مدينة (كنت) لتلتقي بنا، وكان ذلك عام 2001.
كانت ليلى شديدة الاهتمام بتراث والديها كما كانت وفية للعلاقة التي ربطتهما بحضرموت واليمن عموماً، وحرصت على أن تكون هي امتداداً لتلك العلاقة من خلال زياراتها المتكررة لعدن وحضرموت، وانخراطها في العديد من الأنشطة المرتبطة بالمنطقة، ومن ذلك عضويتها الفاعلة في جمعية أصدقاء حضرموت البريطانية الخيرية، التي كنت شاهداً على بعض ما قدمته لمدارس غيل باوزير على نحو خاص، ويشمل ذلك ترميم بعض الفصول الدراسية وإهداء بعض الكتب الإنكليزية؛ لأنني كنت حينها مرافقاً ومساعداً في مهمة الترجمة بحكم علاقتي بليلى، حتى لو لم تكن هي نفسها موجودة ضمن وفد الجمعية، ومن ذلك أيضاً مساهمتها بالكتابة في مجلة الجمعية البريطانية اليمنية، فضلاً عن تنظيمها بين وقت وآخر لبعض معارض الصور من مقتنيات والديها في سيئون وغيرها من مدن حضرموت.
واستناداً إلى الكتيب الذي صدر بالتزامن مع مراسيم دفنها، فإن ليلى كانت قد عملت في بداية السبعينيات في العاصمة العمانية مسقط موظفة في مكتب المستشار الاقتصادي للحكومة العمانية، جون تاونسند، وعملت بصورة مؤقتة سكرتيرة في مكتب مدير الإعلام العماني الشيخ ناصر بن سيف البوعلي، الذي عين بعد ذلك أول سفير لسلطنة عمان في لندن. وكان والد الشيخ ناصر، الشيخ سيف بن علي البوعلي، وهو من العمانيين الذين استوطنوا زنجبار، قد تولى منصب سكرتير الدولة في السلطنة القعيطية بحضرموت بناء على توصية من والد ليلى، هارولد إنجرامز، ولا بد أن هذه العلاقة بين والديهما هي التي جعلت الشيخ ناصر يستقدم ليلى للعمل في عمان.
إلا أن حياة ليلى الأدبية بدأت في الثمانينيات عندما اشتركت مع والدتها، دورين، في ذلك العمل الجبار المتمثل في تحرير ونشر المجلدات الستة عشر لما عرف باسم (سجلات اليمن 1798- 1960) التي صدرت عام 1993. وكانت مهتمة بإعادة نشر كتب والديها، وقد عرفنا كيف أعادت نشر كتاب والدتها الذي حظيت بفرصة ترجمته، كما عثرتُ عندما كنت في إحدى زياراتي لعُمان على كتاب لوالدها، هارولد إنجرامز، عنوانه «زنجبار تاريخها وسكانها»، وهو عبارة عن إعادة نشر للكتاب الذي صدر عام 1931. ولا أدري إن كانت قد أعادت نشر كتب أخرى لوالديها، إذ من المعروف أن والدها بالذات ألف عدة كتب ولا أدري كيف كان هذا الرجل يجد الوقت ليؤلف كتباً ليست من النوع السهل، بل كتباً تغوص في التاريخ واللغة والميثولوجيا والقضايا الإشكالية، مع كثرة مشاغله السياسية والإدارية. ومن هذه الكتب التي ألفها غير ما سبق ذكره مع تواريخ صدورها: «لهجات سلطنة زنجبار» (1924)، «تاريخ الأسرة الحاكمة في زنجبار وأنسابها» (1926)، «الدليل المرشد لأسئلة امتحانات اللغة السواحلية» (1927)، «تاريخ المدارس في موريشس» (1932)، «هونغ كونغ» (1953).
غير أن الكتاب الذي ألفه هارولد إنجرامز وربما شكلت ترجمتي له مدخلاً مناسباً للعلاقة المتميزة التي ربطتني بابنته ليلى هو كتابه المعنون «اليمن أئمتها وحكامها وثوراتها». ولا أتذكر الآن بالضبط هل اخترت هذا الكتاب للترجمة وبدأت فعلاً في ترجمته قبل أو بعد تعرفي إلى ليلى، ولكن هذا الكتاب كان أول تجربة لي في ترجمة كتاب كامل وقد شجعني على خوض هذه التجربة جعفر الظفاري، عندما كان مديراً لمركز البحوث والدراسات اليمنية في عدن، إذ عثرت على نسخة من هذا الكتاب في مكتبة المركز. وقد نُشرت الترجمة، بعد إنجازها، على حلقات في مجلة «اليمن» التي يصدرها المركز ثم صدرت في كتاب، إلا أن الشيء المثير الذي أعطاني الفرصة لدخول تحد آخر هو عندما فوجئت بوصول طلب لي من هذا المركز نفسه للمشاركة في ملتقى علمي تحت عنوان (إنجرامز في اليمن).
ورغم أنني لم أكن من المهتمين بالتاريخ المتعمقين فيه، إلا أنني اخترت جانباً من هذه الشخصية يمكنني أن أتناولها على نحو مقبول، فكان عنوان مشاركتي «هارولد إنجرامز من خلال كتاباته عن اليمن». ومما شجعني على اختيار هذا الموضوع أن ليلى، أثناء زيارة أخرى لها إلى الغيل، كانت قد أهدتني كتاب والدها الضخم «الجزيرة العربية والجزر» الذي يعد من أهم كتبه إن لم يكن أهمها على الإطلاق، والذي يتحدث فيه عن تجربته الشخصية منذ أن عمل في شرق أفريقيا ثم في عدن وبعدها الفترة الممتدة التي عاشها في حضرموت وما أحدثه هناك من تأثيرات وخاض فيه من ملابسات، بالإضافة إلى هذا الكتاب والكتاب الذي ترجمته لإنجرامز وسبقت الإشارة إليه، كان الكتاب الثالث الذي اعتمدت عليه في بحثي هو كتاب «حضرموت 1934- 1935م»، وهذا هو عنوان الترجمة التي قام بها سعيد عبدالخير النوبان، أما العنوان الأصلي لكتاب إنجرامز فهو «تقرير عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لحضرموت»، إذ كان الكتاب في الأصل تقريراً قدمه هارولد إلى وزارة المستعمرات على أثر أول زيارة استطلاعية قام بها للمنطقة بصحبة زوجته دورين، التي ساهمت مساهمة كبيرة في إعداد ذلك التقرير. والجدير بالذكر أن دورين قامت بعد ذلك بإصدار كتاب في عام 1949 يحمل عنوان «دراسة استطلاعية عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في محمية عدن»، حيث توسعت في المادة التي سبق أن ساهمت فيها مع هارولد. ومنذ فترة قريبة فقط أرسلت لي الراحلة ليلى نسخة مصورة من هذا الكتاب على أمل أن أترجمه إلى اللغة العربية، وهو ما سأقوم به، بإذن الله، في أقرب فرصة ممكنة انطلاقاً من أمرين: واجب الوفاء لذكرى الصديقة ليلى، وأهمية الكتاب نفسه وما يكتنزه من معلومات مهمة عما كان يسمى محميتي عدن الشرقية والغربية.
وأعود بعد هذا الاستطراد إلى حكاية الملتقى فأقول: إنه عقد فعلاً بتاريخ 6 أكتوبر/تشرين الأول 2003 في إحدى قاعات جامعة عدن، واكتشفت أن مطارحتي كانت هي قطب الرحى في هذا الملتقى العلمي! وكانت ليلى حاضرة في هذا الملتقى مع بعض الضيوف الآخرين، وألقت كلمة بعد كلمة الافتتاح التي ألقاها جعفر الظفاري مدير المركز. وأذكر من بين الحاضرين أيضاً مصطفى راجمنار مسؤول القنصلية البريطانية بعدن، والقاص اليمني عبدالله سالم باوزير رحمه الله، وقد شارك بمداخلة قصيرة تحدث فيها عن تجربة شخصية حدثت في غيل باوزير عندما زارها هارولد إنجرامز عام 1953، فذكر أن تلاميذ المدارس خرجوا في ذلك اليوم لتحية إنجرامز في الساحة التي أمام المدرسة الوسطى، وكان من بينهم التلميذ عبدالله الذي كان من بين ما لاحظه على إنجرامز أنه كان (أعرج)! ومعروف أن هذا العرج كان نتيجة تعرضه لإصابة بليغة أثناء مشاركته بالقتال في الحرب العالمية الأولى. وقد تطرقت أنا في بحثي إلى هذه الزيارة لأن إنجرامز تحدث عنها في كتابه «الجزيرة العربية والجزر» وعن تفقده للمدرسة الوسطى الشهيرة التي افتتحنا هذا المقال بالحديث عنها، إذ كانت كما أسلفنا من بين مشاريع تطوير التعليم التي أشرف عليها واستقدم من أجلها السوداني الشيخ القدال سعيد القدال. ولعله من الطريف الإشارة إلى أن هذا السوداني الذي استُقدم في الأصل لإصلاح التعليم وكان ناظراً للمعارف قد أصبح في ما بعد سكرتيراً للدولة، أي رئيساً للحكومة، خلفاً للشيخ سيف بن علي البوعلي الذي لمحنا إليه أيضاً في ما مضى في سياق هذه الخواطر عن ليلى إنجرامز.
هل رحلت ليلى حقاً؟ ما أعجب تصاريف القدر! فإلى وقت قريب كانت ليلى ملء السمع والبصر.. كانت رسائلها الإلكترونية تصل تباعاً، بمناسبة وبدون مناسبة، وكانت تحرص على أن تهنئني بعيدي الفطر والأضحى. وعندما كنت أعمل في ترجمة كتاب والدتها كنت ألجأ إليها لتساعدني في توضيح بعض الأشياء الغامضة في النص، وقد قدمت لي خدمة لا يستهان بها في هذا الصدد، كما وافقت على أن تكتب مقدمة ضافية للترجمة أشارت فيها إلى جانب من نشاط والدتها بعد عودتها إلى بريطانيا من الجزيرة العربية ومن ذلك عملها لاثني عشر عاماً في القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية وتنقلاتها الكثيرة في أنحاء العالم العربي لجمع المادة للبرامج التي كانت تقدمها، كما تحدثت عن موقفها المنصف والمتعاطف مع قضية فلسطين ومعارضتها للسياسة البريطانية الرسمية وكيف أنها أشارت بوضوح في أحد كتبها إلى مسؤولية الوزراء والمسؤولين البريطانيين عن المأساة التي حدثت في فلسطين.
إن علاقة تستمد روحها ومغزاها من الهم الثقافي لهي علاقة مكتوب لها أن تظل خالدة بخلود أثرها في جملة أو بيت شعر أو مقالة أو كتاب، وكما (في البدء كانت الكلمة) فإنه أيضاً حتى نهاية النهاية ظلت (الكلمة) هي أكثر ما يربطني بليلى التي لجأت إليها لتساعدني في ترجمة بعض العبارات الفرنسية التي وردت في الكتاب الجديد الذي أترجمه وقد أنجزته الآن، لأنني كنت أعرف أنها تجيد اللغة الفرنسية عن دراسة، وكنا قد انتهينا معاً من ترجمة الجزء الأكبر من هذه العبارات قبل أن تسقط صريعة المرض وتغيب عني فجأة أخبارها ورسائلها. لقد كتبت إليها أهنئها بعيد الكريسماس والعام الميلادي الجديد 2015 ولكن لم أتلق منها رداً، على غير العادة. ساورني قلق حتى إنني استفسرت عنها من صديق حضرمي مقيم في لندن فإذا به هو نفسه مستغرب من اختفائها المفاجئ، ولكنه رجح أنها قد تكون مريضة ولا تريد أحداً أن يعرف. وكان توقع الصديق في محله؛ لقد قررت ليلى أن تعيش حزنها وحدها لأنها لم تتعود أن تتقاسم مع الآخرين إلا الفرح والبهجة، إلى أن وصلتني ذات يوم الرسالة التي عممها أحد أقاربها على أصدقائها ومفادها أن ليلى مريضة وأنها تعيش أيامها الأخيرة، ولا تستطيع أن تتلقى زواراً أو رسائل مباشرة، وبعد أسبوع تقريباً جاء الخبر المتوقع: توفيت ليلى إنجرامز في 22 مارس/آذار 2015 ، فلترقد روحها بسلام. وداعاً.. أيتها الصديقة العزيزة!
كاتب يمني
نجيب سعيد باوزير