في هجوم في 1 نيسان على مبنى القنصلية الإيرانية في دمشق، الذي نسب لسلاح الجو، جرت تصفية محمد رضا زاهدي، الجنرال في الحرس الثوري الإيراني في سوريا ولبنان. قبل ذلك، صفت إسرائيل ضباطاً إيرانيين في سوريا، دون رد إيراني. غير أن الساحة السياسية والعسكرية في إيران طالبت هذه المرة بهجوم مباشر ضد إسرائيل. لماذا؟ أولاً، ضرب القنصلية يعد هجوماً على الأراضي الإيرانية. ثانياً، كان القتيل رفيع المستوى. وثالثاً، كانت الساحة السياسية في إيران متطرفة في ذاك الوقت. إبراهيم رئيسي، الرئيس الإيراني في وقت التصفية وبعدها، ووزير خارجيته ومعظم أعضاء حكومته وكبار مسؤولي الحرس الثوري، كانوا بأقصى التطرف، وكانوا مندوبين في المجلس الأعلى للأمن القومي الذي يوصي الزعيم الأعلى خامنئي بكيفية العمل. خامنئي متزمت ديني شيعي، أعدم الكثيرين من أبناء شعبه. هو كاره متطرف لإسرائيل، لكنه ليس انتحارياً أو منقطعاً عن الواقع. هو متطرف براغماتي، واعتبارات الكلفة والمنفعة، ليست غريبة عليه. ومع ذلك، يتخذ صورة المحكم. بمعنى أنه في الوسط، بين أقصى المتطرفين والبراغماتيين. فهم الخطر الكامن في حرب ضد تحالف إسرائيل والولايات المتحدة نفسها، لكن لاعتبارات المكانة لم يعتبر انهزامياً. ولهذا، انضم إلى أقصى المتطرفين، وفي 14 نيسان.
في 19 أيار قتل الرئيس رئيسي ووزير الخارجية في حادثة المروحية. منذ نيسان، أدرك خامنئي بأن المواجهة مع إسرائيل لم تنته. لذا، فقد وجه الانتخابات لانتخاب مسعود بزشكيان، البراغماتي الصارخ، ومثله حكومته. لا يوجد معتدلون في القيادة الإيرانية، بل براغماتيون. وهكذا تأكد خامنئي أنه سيجد نفسه في الوسط في كل أزمة مستقبلية: بين الرئيس البراغماتي وأقصى المتطرفين.
في 31 تموز، أحد ما في مضافة الحرس الثوري صفّى هنية في طهران. هذه إهانة قاسية للنظام الإيراني، وكانت إسرائيل هي المشبوهة كالمعتاد. لكن كان هناك مسار إفلات للزعيم الأعلى هذه المرة؛ فبينما صرح أقصى المتطرفين بأن إيران ستهاجم، طالب الرئيس بزشكيان الاكتفاء بالهجوم على “منشأة الموساد” في كردستان، وألمح بالخطر على تصدير النفط الإيراني من رد إسرائيلي. هذه المرة، وبينما هو في الوسط، قرر خامنئي عدم المهاجمة.
في 17 أيلول، تفجر 5 آلاف جهاز إشعار في لبنان. سكتت طهران، وعادت إلى نهجها التقليدي في أن ما يحصل في لبنان وسوريا يبقى هناك، أي “أن الرد سيأتي من حزب الله”. في 27 أيلول، صفت إسرائيل نصر الله في بيروت. وتصفيته رجحت الكفة: حتى الرئيس البراغماتي لم يعارض هذه المرة هجوماً مباشراً على إسرائيل، وجاء هذا في 1 أكتوبر.
الجواب الإسرائيلي جاء السبت. حذرت إيران من المس بالنفط وبالنووي وبأهداف الحكم. الولايات المتحدة ضغطت، وإسرائيل وافقت. ضرب الأهداف العسكرية كان قاسياً، لكنه ترك لطهران إمكانية الإعلان بفشل إسرائيل. وهكذا فعل الناطقون بلسان النظام. لكن صباح أمس، جاء إعلان رئيس البرلمان، الجنرال محمد باقر قاليباف، متطرف براغماتي يشبه خامنئي: “الرد الإيراني محتم”. وكان يقصد على ما يبدو الهجوم المباشر، وربما عملية إرهاب، أو تفعيل العراقيين والحوثيين أو صواريخ حزب الله الثقيلة. لكنه لم يفسر.
المعسكران جاهزان للصراع في طهران: أقصى المتطرفين سيطالبون بهجوم مباشر فوراً والإسراع نحو النووي. والرئيس البراغماتي وحكومته سيقترحان طرقاً أخرى، وخامنئي في الوسط. إلى أن ترفع روسيا مستوى الدفاع الجوي الإيراني، ستظل المخاطر على إيران هائلة. وعليه، سيميل خامنئي إلى ضمان الوعد بعمل في المستقبل، وفي هذه الأثناء يغلق الحدث. لكن سيبقى كل شيء مفتوحاً.
البروفيسور أماتسيا برعم
معاريف 28/10/2024