العاهل المغربي الملك محمد السادس يستقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته في العاصمة الرباط، 28 أكتوبر 2024
الرباط- “القدس العربي”: يجري الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت زيارة دولة إلى المغرب، تمتد من الإثنين إلى الأربعاء، “بهدف إعادة بناء علاقة ثنائية عرفت تقلبات عدة خلال السنوات الأخيرة”، وفق ما كتبت صحيفة “لوبينيون” الفرنسية في عددها الإثنين.
وأفادت الصحيفة بأنه من المتوقع أن يتم التوقيع على عدة اتفاقيات كبيرة في مجالات الدفاع والطاقة والصناعة، مضيفة أن باريس والرباط ترغبان أيضًا في إعادة تفعيل تعاونهما للاستفادة من الأسواق الإفريقية.
وعملاً بمبدأ “الأخذ والعطاء” ـ حسب تعبير الصحيفة الفرنسية نفسها ـ وبعد أن عدّلت فرنسا موقفها في ملف الصحراء الغربية، يأمل الرئيس ماكرون أن يجني ثمارًا اقتصادية من خلال الزيارة.
يرافق الرئيس الفرنسي وفد رسمي كبير يضم 122 فرداً، بمن فيهم السيدة الأولى، وتسعة وزراء، ورؤساء غرفتي البرلمان
وخلال الأشهر الأخيرة، قام البلدان اللذان اعتادا على أساليب إدارة زمنية مختلفة، بتوحيد الرؤى بعد سنتين من الجفاء. وفي رسالة بعثها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للملك محمد السادس بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لعيد العرش في 30 تموز/ يوليو، أعرب عن دعمه الكامل لسيادة المغرب على الصحراء الغربية، فردّ الملك بالشكر على هذا “الدعم الواضح” خلال افتتاح جلسة البرلمان الخريفية، ووجه له دعوة رسمية للزيارة.
ويرافق الرئيس وفد رسمي كبير يضم 122 فرداً، بمن فيهم السيدة الأولى، وتسعة وزراء، ورؤساء غرفتي البرلمان، ورجال أعمال من كبرى الشركات الفرنسية مثل “سافران” و”أليانس”، إلى جانب شخصيات أخرى مثل جاك لانغ وليلى السليماني. وخلال هذه الزيارة، يسعى ماكرون إلى تحقيق أكبر عدد من الاتفاقيات الاقتصادية، حيث يتطلع إلى إبرام عقود تصل إلى 3 مليارات يورو.
في سياق متصل، كتبت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية، في عدد اليوم، أن زيارة إيمانويل ماكرون إلى المغرب تسعى لإعادة بناء العلاقات بين باريس والرباط بعد سنوات من التوتر. وأوضحت أن هذه الزيارة تأتي بعد تحوّل دبلوماسي فرنسي، حيث أقر ماكرون بسيادة المغرب على الصحراء الغربية في رسالة موجهة إلى الملك محمد السادس في تموز/ يوليو الماضي، مما أثار ردود فعل غاضبة من الجزائر الداعمة لجبهة البوليساريو.
وقالت إن ماكرون يرافقه وفد كبير يضم نحو 120 شخصية، بمن فيهم وزراء ورجال أعمال بارزون، لتوطيد الشراكات الاقتصادية والسياسية. وتشمل الأهداف توسيع التعاون في مجالات عدة مثل الدفاع والطاقة المتجددة، حيث ينتظر توقيع اتفاقيات حول الهيدروجين الأخضر وتحلية المياه. كما تُبحث عقود محتملة تشمل شراء المغرب لقطارات فائقة السرعة وأخرى تخص مروحيات وأنظمة بحرية.
وتتزامن الزيارة أيضًا مع قضايا حساسة مثل التعاون الأمني والهجرة، حيث تسعى فرنسا لتعزيز التعاون المغربي في مجال إعادة قبول المهاجرين غير النظاميين المرحّلين من فرنسا.
من جهتها، كتبت صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية في عدد الإثنين أنه “بعد سنوات من الأزمة بين باريس والرباط، أدى الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية إلى تهدئة التوترات. ويُستقبل الرئيس الفرنسي الآن بأذرع مفتوحة من قبل محمد السادس، في زيارة دولة تستمر ثلاثة أيام تبدأ الإثنين”.
وأضافت قائلة “ولم يكن من المفاجئ أن التغيير الفرنسي قد أغضب الجزائر بشكل آلي، وهي الراعي التاريخي لجبهة البوليساريو. ولذلك، سحبت الجزائر فوراً سفيرها في باريس. المنصب شاغر منذ ثلاثة أشهر. في نهاية المطاف، فضل إيمانويل ماكرون المصالحة مع المغرب على التقارب الشاق الذي بدأ مع الجزائر، والذي لم يُكافأ أبداً بأي تقدم دبلوماسي أو اقتصادي. ومع أن ملف الصحراء يعد ملفًا حساسًا بالنسبة للجزائر، إلا أنه يعتبر وجوديًا بالنسبة للرباط، ويعتبره جميع المغاربة “قضيتهم الوطنية الأولى”.
ليبراسيون: في نهاية المطاف، فضل إيمانويل ماكرون المصالحة مع المغرب على التقارب الشاق الذي بدأ مع الجزائر، والذي لم يُكافأ أبداً بأي تقدم دبلوماسي أو اقتصادي
وتابعت “لم يكن العاهل محمد السادس يخفي الأمر، إذ يقول إن “ملف الصحراء هو المنظار التي ينظر من خلالها المغرب إلى بيئته الدولية”، كما ذكر في خطابه بمناسبة عيد العرش في 2022.
ونقلت عن مصدر من “الشبكة التجارية الفرنسية المغربية” قوله: “خلال أزمة التأشيرات، كنا نستقبل سناتورات ونوابًا فرنسيين في زيارة إلى المغرب لحل هذا الخلاف، وقيل لهم: اتركوا هذا الموضوع واعترفوا بدلاً من ذلك بمغربية الصحراء”.
ووفقًا للمصدر نفسه، فقد كان تعيين كريستوف لوكورتير سفيرًا لباريس في الرباط، في كانون الأول/ ديسمبر 2022، “تنفسًا للهواء النقي” في هذه الفترة الجليدية.
ويشرح دبلوماسي فرنسي: “بمبادرة من محمد السادس، أصبحت الدبلوماسية المغربية واضحة وصارمة بشأن مسألة الصحراء الغربية. منذ اتفاقات أبراهام [التي شهدت تطبيع علاقات الرباط مع إسرائيل مقابل اعتراف واشنطن بالسيادة المغربية على الصحراء]، تم تحديد الخط: أنتم معنا أو ضدنا”. ومن ثم، عادت فرنسا إلى فئة الدول الصديقة للمملكة المغربية.
زيارة دولة إيمانويل ماكرون، التي تأجلت عدة مرات، هي “تجسيد لهذه العودة إلى النعمة”، تكتب الصحيفة الفرنسة. وتضيف: “اليوم، ظهرت الحقيقة، التي تفوق دائمًا أي اعتبارات أخرى، بوضوح، كما قال محمد السادس في افتتاح الدورة البرلمانية، في 11 تشرين الأول/ أكتوبر: “ها هي الجمهورية الفرنسية، تعترف بسيادة المملكة على كامل تراب الصحراء، وتدعم مبادرة الحكم الذاتي، في إطار الوحدة الترابية المغربية، كأساس وحيد لحل هذا النزاع الإقليمي المفتعل”. وأضاف أن “هذا التطور الإيجابي، ينتصر للحق والشرعية، ويعترف بالحقوق التاريخية للمغرب، لاسيما أنه صدر عن دولة كبرى، عضو دائم بمجلس الأمن، وفاعل مؤثر في الساحة الدولية. بالإضافة إلى أن فرنسا تعرف جيدا، حقيقة وخلفيات هذا النزاع الإقليمي. كما أنه يأتي لدعم الجهود المبذولة، في إطار الأمم المتحدة، لإرساء أسس مسار سياسي، يفضي إلى حل نهائي لهذه القضية، في إطار السيادة المغربية”.
ويشرح باحث متخصص في المغرب لصحيفة “ليبراسيون”: “كان يجب أن تتم هذه الزيارة بالفعل، منذ مدة طويلة. فغياب زيارة دولة كان أمرا غريبا بالنظر إلى الروابط التاريخية بين البلدين، ونشعر بعض الشيء بأننا في حالة استدراك، دون حماس كبير”.
منذ انتخابه، لم يزر إيمانويل ماكرون المغرب سوى في عام 2017، خلال زيارة “صداقة وعمل”، ثم لبضع ساعات فقط في عام 2018، من أجل تدشين القطار السريع طنجة -الرباط. هذه المرة، سيرافق رئيس الدولة وفد كبير (120 شخصًا) يضم تسعة وزراء، من بينهم وزير الداخلية، برونو ريتايلو، ووزير الدفاع، سباستيان لوكورنو، ووزيرة التعليم، آن جينيت، وسوف يثار موضوع التأشيرات وتصاريح المرور القنصلية.
تبقى الإشارة إلى أن إيمانويل ماكرون سوف يلقي خطابًا أمام النواب المغاربة، صباح غد الثلاثاء، مثلما فعل قبله الرؤساء السابقون: فرانسوا هولاند ونيكولا ساركوزي وجاك شيراك.