يرى المعارض السوري زياد أبو حمدان أنه كان هناك حراك – سياسي ودبلوماسي في المنطقة للتهدئة وللوصول إلى اتفاقات، لكن أتى «طوفان الأقصى» وقَلَب المشهد برمته، وشكّل ارتداداً إلى الخلف خاصة بعد نتائج المواجهة العسكرية المدمرة في غزة ولبنان.
ويُشير إلى أن نظرية «وحدة الساحات» التي تتبناها إيران و«حزب الله» غير قابلة للتطبيق وإلا كانت نفّذتها منذ اليوم الأول، وعنوان «إسناد غزة» أثبت فشله. وبرأيه أن إيران تخوض معركة أكبر من قدراتها، وهي أصبحت – إلى حد ما – مثل سوريا، ورقة في اللعبة الدولية، وأن النظام السوري لو فتح جبهة الجولان لسقط مبكراً، والمصلحة الروسية – الإيرانية تقضي بتحييده.
ويعتقد أبو حمدان، العضو في المجلس الوطني السوري وفي الائتلاف الوطني سابقاً، وعضو مؤتمر «الرياض 1» و«الرياض 2» بأن استدارة النظام السوري وخروجه من محور المقاومة محفوفة بالمخاطر، وهو يريد ذلك لضمان بقائه لكن تركيبة نظامه تمنعه من ذلك. ويلفت إلى أن المطلوب استدارة سورية حقيقية شاملة شعبياً وحكومياً برعاية دولية لتحقيق الخروج من الحلف الإيراني، ولوضع سوريا على خريطة الحل.
ويُعرب عن قناعته بأن مسألة «حلف المقاومة» وشعارات «فيلق القدس» الجوفاء «الموت لإسرائيل ولأمريكا» تندرج ضمن سياسة المحاور، والنتيجة إلهاء شعوب المنطقة عما يحدث داخل فلسطين، ولا بد أن نذهب إلى تسوية شاملة عبر حل الدولتين وفرض السلام في المنطقة، وعقد معاهدات سلام جذرية للانتهاء من هذا الصراع الطويل والمرير، الذي جلب إلى المنطقة وشعوبها الكوارث والتخلّف وهجرة شبابها.
«ابن السويداء» يؤكد أن «حراك السويداء» يستمد قوته من وحدة القيادة العقلانية المجتمعية غير السياسية، وشعارات الحراك السلمية وتمسكه بالثوابت الوطنية الهادفة إلى التغيير السياسي السلمي تحت علم سوري واحد ضمن حدوده المعترف بها، كما يستمد قوته من الشعار الذي يرفعه بأن «الدين لله والوطن للجميع» وعدم القبول بتأسيس «الكانتونات» القائمة على أُسس دينية أو عرقية، كما يحدث في شرق الفرات وإدلب، واللتين لم تُقدما نماذج يُحتذى بها بديلاً عن النظام القائم على الفساد والاستبداد.
يتوقف أبو حمدان عند توجيهات الحكومة السورية الصريحة باستقبال اللاجئين اللبنانيين وتقديم المساعدة لهم وإغفال ذكر العائدين السوريين، وهو ما قد يندرج في انخراط الأسد مبكراً بمشروع التغيير الديموغرافي، وعدم سعي النظام الجدّي إلى طرح أي مبادرات قابلة للتطبيق مع المحيط العربي أو مع الشعب السوري من الموالين والمعارضين على حد سواء. وهنا نص الحوار:
○ منذ ما يزيد على سنة، والمنطقة تعيش على وقع تداعيات هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وفتح «حزب الله» لجبهة الإسناد من لبنان التي تحوَّلت إلى جبهة حرب، وعلى وقع المواجهة المباشرة وغير المباشرة بين إسرائيل وإيران عبر أذرعها المعروفة، كيف يمكن قراءة تأثير ذلك على مستقبل المشهد في سوريا؟
• لو نظرنا إلى حال المنطقة السياسي والعسكري، قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 (تاريخ انطلاق عملية «طوفان الأقصى») حيث شهدنا جهودًا لخفض التصعيد في المنطقة، وخاصة في سوريا والعراق، يقابله تصعيد في الحراك السياسي والدبلوماسي تجلّى في الاتفاق السعودي – الإيراني برعاية صينية، وفي مباحثات سلام بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل وشهدنا مشاركة محرجة لسوريا في الحراك العربي الذي قادته السعودية ودول الخليج مع مصر والأردن لتقديم تنازلات (وقف تدفق المخدرات وأمن الحدود والانخراط في تطبيق القرارات الدولية وعلى رأسها القرار 2254).
لكن أتى «طوفان الأقصى» المدعوم من إيران، ليقلب المشهد برمته، وانزلقت المنطقة إلى عنف منقطع النظير في غزة، ومن ثم في لبنان بعد إعلان المساندة لغزة من قبل «حزب الله» وما أسموه بـ«وحدة الساحات». وبذلك أجهضت إيران كل الجهود الدبلوماسية قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر، وهو ارتداد إلى الخلف خاصة بعد نتائج المواجهة العسكرية التي رأيناها وما حصل من دمار لغزة وشعبها أعادها مئة سنة إلى الوراء، وفقدان أكثر من 150 ألفاً بينهم أطفال ونساء بين قتيل وجريح باستخدام إسرائيل العقاب الجماعي ضمن سياسة التهجير المعلنة.
أما مستقبل المشهد في سوريا، فهي في قلب المعركة منذ زمن طويل، وتعرضت للكثير من العنف منذ الـ2011 حتى الآن، وزاد المشهد تعقيداً تدفق ميليشيات بقيادات متطرفة تابعة للخارج وجنّدت جيوشاً مقاتلة سنيّة وشيعية، ما وسّع التدخلات الإقليمية والدولية في الشأن السوري.
واستمراراً للجهود العربية الدبلوماسية بقيادة المملكة العربية السعودية والأردن ومصر ودعم وموافقة باقي دول الخليج وعدم معارضة أمريكا لاستعادة سوريا دورها الطبيعي، شاركت سوريا في قمة البحرين في 16 أيار/مايو بهدف إخراجها مما يُسمّى «محور المقاومة» الذي تتبنّاه إيران عن طريق «فيلق القدس» الذي سلك كل الطرق ما عدا طريق القدس، ورفع شعار «الموت لأمريكا وإسرائيل».
باختصار سوريا الآن في وضع لا تُحسد عليه حكومة وشعباً، وهي في أسوأ حالاتها السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، والحكومة صامتة تماماً عن المشاركة بالأحداث الخطيرة الجارية، وصمتها هذا يُعبِّر عن موقفها، فعدم اتخاذ موقف يُعتبر موقفاً بحد ذاته، لأن القرار السوري اليوم يتم التأثير عليه من قبل عدة جهات ويعتريه الشلل، لأن السيطرة الإيرانية الاقتصادية والسياسية والعسكرية لا تخلق أجواءً مناسبة لتحرّك سوري، سواء أكان رسمياً أم شعبياً، فإيران ما زالت تفرض قيوداً وضغوطاً على القرار السوري، تمنعه من الاستدارة نحو الحضن العربي وفكّ عزلته الدولية، وأيضاً هناك الحليف العسكري الروسي الغارق في الحرب مع الناتو في أوكرانيا.
إذاً سوريا تحتاج أولاً إلى معجزة تتمثل بتحصين الجبهة الداخلية وإصدار النظام قرارات نوعية تضع مصالح سوريا وشعبها فوق كل المصالح الأجنبية من إطلاق الحريات وإخراج المعتقلين وإصدار عفو حقيقي عن الوطنيين الشرفاء بإسقاط التهم الأمنية الكيدية عنهم، وتأمين عودة آمنة لكل من يرغب بالمشاركة في إعادة بناء سوريا على أُسس عصرية.
وثانياً: تحتاج إلى التجاوب مع احتياجات محيطها العربي والإقليمي والقبول بتطبيق القرارات الدولية وأولها القرار 2254 والسماح بمشاركة العقلاء والمفكّرين وأصحاب الرأي الآخر بالقرار، كي يتم إنقاذ سوريا من شرور التقسيم والتفتيت والدفع لإخراج القوى الأجنبية جميعها التي تنتهك السيادة الوطنية.
○ لطالما تم تصنيف سوريا من قبل «محور إيران» على أنها قطب من أقطاب «وحدة الساحات» أين تقف عملياً اليوم؟ منخرطة أم حيَّدت نفسها؟
• ما أراه أن قرار «وحدة الساحات» تمّ اتخاذه قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر وهو الذي شجَّع يحيى السنوار و«حماس» على تنفيذ «طوفان الأقصى» لكن ثبت بالدليل القاطع أن إيران تراجعت عنه، وأن نظرية «وحدة الساحات» غير قابلة للتطبيق مع توفّر الدعم الأمريكي والغربي غير المسبوق.
○ وهل إيران هي التي ضغطت عليه لعدم فتح جبهة الجولان؟
• من المعروف عبر العقود الماضية أن سوريا تجنّبت أي مواجهة مع إسرائيل، وسياستها اقتصرت على الاحتفاظ بحق الرد، خاصة وأن جبهة الجولان الساكنة منذ حرب العام 73 غير مجهزة للانخراط بالحرب، وفتحها يعني سقوط النظام، وإيران تدرك ذلك ولن تغامر بخسارة حليف أساسي ومعبر لها إلى لبنان وبحر بيروت، وروسيا لديها تفاهمات مع إسرائيل على تحييد سوريا المنهكة اقتصادياً وعسكرياً عن تلك المغامرة.
لذا أرى أن إيران عاجزة عن تنفيذ مشروع «وحدة الساحات» وحتى عن الانتقام لخسائر المحور الهائلة، وهذا العجز يُترجم بتحييد جبهة الجولان.
○ لكن هناك معطيات تشي بأن إيران ومن خلفها «حزب الله» كانا يعملان لتكون جبهة الجولان، أي الجنوب السوري، بديلاً لجبهة الجنوب اللبناني، أو متوازية معها؟ إنما النظام السوري يدرك جيداً أن الغطاء الإسرائيلي أمَّن بقاءه لغياب «البديل» وانخراطه في الحرب سيعني الإطاحة به؟
• هذا التعقيب لا ينفي الرأي الأول الذي طرحته، وهو مكمل له، فهناك تلاقي وتناقض مصالح في الوقت نفسه بين المشروع الإيراني المدعوم بخجل من فرنسا والمشروع الغربي على أرض المنطقة. وبالتالي إحجام النظام السوري عن فتح الجبهة هو سياسة قديمة وليست جديدة، ولكن «ضبط النفس» هو مصلحة إسرائيلية وإيرانية تلتقي مع إطالة عمر النظام.
○ ألا يوجد دور روسي باتجاه تحييد الجبهة السورية، فلو أرادت إيران هل كانت روسيا ستوافق؟
• تساؤلك في محله، فهناك مصالح مشتركة روسية وإيرانية تلاقت مع الواقع الموجود الذي تتم ممارسته على الجبهة السورية مع إسرائيل منذ عقود. كما أن التنسيق مستمر بين إسرائيل وروسيا. هذا الأمر معروف.
روسيا لها مصلحة باستمرار الاستقرار النسبي في سوريا بوجود النظام حسب وجهة نظرها، لكن سوريا تُستخدم كورقة في لعبة الأمم الآن بين إيران وروسيا والغرب، والشعب السوري هو الضحية.
○ ولمن ستكون الغلبة برأيك؟
• لن تذهب روسيا إلى مواجهة مفتوحة مع الغرب في الشرق الأوسط، وانشغالها بحرب أوكرانيا يزيد الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية عليها، وبالتالي يُضعف تأثيرها السياسي في المنطقة، كما أنها ترغب بالمحافظة على مكاسبها في الساحل السوري في قاعدة حميميم وميناء اللاذقية وبعض الأمور الأخرى، وتحاول التمسك بمؤتمر سوتشي لإظهار أن هناك تنسيقاً مستمراً بين إيران وروسيا وتركيا حول سوريا. هذا هو المشهد الآن برأيي، فروسيا في حالة انكفاء.
○ أجواء «حزب الله» كانت تشي بأنه عمل على خلق جبهة رديفة لجبهة الجنوب اللبناني في الجنوب سوريا، وأن سمير القنطار أنجز البنية التحتية؟
• سمير القنطار لم يُنجز شيئاً في الجنوب السوري، والدليل على عدم جدية المواجهة أو عجز المحور عن المواجهة الحقيقية، هو أنه لو توفرت القدرة على المواجهة لبدأوها منذ بدء «طوفان الأقصى» وعلى كل الجبهات. برأيي أن عدم فهم السياسة الاستراتيجية يؤدي إلى العجز عن تطبيق التكتيكات والعجز عن رد الفعل واتخاذ المواقف. إيران تخوض معركة خاسرة وأكبر من قدراتها، ولا تحقق مكاسب لشعبها الذي كان أكثر تقدماً قبل الثورة، وهي أصبحت – إلى حد ما – مثل سوريا، ورقة في اللعبة الدولية. لأن مصالح الشعب الإيراني لا تقتضي التوسّع خارج الحدود، وتصدير الثورة الإيرانية خلق واقعاً عسكرياً عبارة عن ميليشيات موازية للدولة لإسقاط مشروع الدولة في تلك الدول. ومشروعها أن تقاتل خارج أرضها بغية السيطرة على المنطقة العربية، وهو يتقاطع الآن مع المشروع الغربي سلباً وإيجاباً. الغرب اخترع «الثورة الإيرانية» واخترع التشدّد والتطرف في المنطقة، وأفلح في إيجاد وتضخيم عدو بديل للعدو السابق الذي كان الاتحاد السوفييتي. في فترة من الفترات، وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي، نمت «البروباغندا» الإعلامية لتضخيم دور التطرف والتديّن الإسلامي وأنه عدو الحضارة الجديد ويجب أن يُحارب. وكانت أحداث 11 أيلول/سبتمبر (2001) في نيويورك واضحة تماماً.
○ موقف النظام السوري الحالي هل يُشير إلى استدارة ما؟
• استدارة النظام السوري محفوفة بالمخاطر، فلا يستطيع إعلانها أو ممارستها. وهناك ضغوط عربية وغربية تحفزه على الاستدارة، لكن الأمر معقّد جداً بالنسبة له، فإيران متغلغلة عسكرياً وميليشياوياً واقتصادياً واجتماعياً في سوريا، وتحدّ من حرية اتخاذ القرار لدى النظام، حتى لو أراد ذلك. لديه قرار وقف مشروع تصدير المخدرات إلى دول الخليج عبر الأردن وتصدير الأسلحة، والتجاوب مع المطالب العربية والدولية، فالاستدارة تعني حل كافة العوائق التي تُقوِّض الهدوء في المنطقة والسعي إلى إيجاد حلول سياسية واقتصادية للوضع السوري. فالنظام ليس قادراً على الاستدارة تماماً، وقد يحاول… (مقاطعة)
○ برأيك، هل يريد تلك الاستدارة؟
• هو يريد الاستدارة من أجل بقائه، لكنّ هناك أموراً داخلية وخارجية تمنعه عن ذلك، وهذا الأمر واضح. هناك خلافات بين المؤسسة العسكرية والمؤسسة السياسية، وهناك تناقض في السياسات، وخلافات عميقة ربما تؤثر في اتخاذ قرار الاستدارة. المطلوب أن تتم استدارة حقيقية شعبياً وداخلياً ودولياً، من أجل وضع استقرار سوريا على خريطة طريق الحل. المطلوب استدارة وخروج من الحلف، وتغيير السياسة بشكل جذري. هذا الأمر أراه واجباً وضرورياً.
○ كثير من المراقبين يسألون: هل الرهانات على استدارة النظام صائبة، وهل هذا النظام الذي أعلن التصاقه بإيران قادر على هذه الاستدارة؟
• أنا شخصياً لا أرى قدرة للنظام على الاستمرار بالحلف الإيراني الذي أثبت فشله وأتى بالدمار والحرب. دعينا نتحدث بصراحة، مسألة «حلف المقاومة» و«فيلق القدس» و«الموت لإسرائيل ولأمريكا» عبارة عن سياسة إلهاء لشعوب المنطقة عما يحدث داخل فلسطين، واليوم نشهد حراكاً كبيراً تقوده السعودية باتجاه حل الدولتين، وعقدت من أجل ذلك مؤتمراً قبل أيام، وهذا المشروع هو سياسة مُعلنة للسعودية وتضغط باتجاه تحقيقه مع بعض الدول الأوروبية التي اعترفت بفلسطين والتي تؤيد «حل الدولتين» وجلب السلام إلى المنطقة، بما فيها سوريا ولبنان والعراق، وسيفرض ملف التطبيع، وهذا سيجعل، برأيي، حلف المقاومة من الماضي. وتصريحات الأمين العام الجديد لـ»حزب الله» الشيخ نعيم قاسم بأن المقاومة مستمرة والحرب مستمرة لا تعكس الواقعين العسكري والسياسي على الإطلاق.
يُفترض أن يكون هناك تغيير في منهجية السياسة ومقاربات جديدة لوضع حل شامل لقضايا الشرق الأوسط. الصراع العربي – الإسرائيلي، والصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، يجب أن ينتهيا سلمياً، لأنه لا حل عسكرياً، ومن يظن أنه سيدمر إسرائيل بـ7 دقائق ويقتل الشعب الإسرائيلي مخطئ، وكلامه عبارة عن أوهام وأحلام، وبالتالي لا بد أن نذهب إلى تسوية شاملة عبر حل الدولتين وفرض السلام في المنطقة، وعقد معاهدات سلام جديدة للانتهاء من هذا الصراع الطويل، لأنه لم يجلب إلى المنطقة وشعوبها إلا الكوارث والتخلّف وهجرة شبابها.
○ بعض السيناريوهات يتحدث عن إمكانية غزو إسرائيل للبنان عبر الالتفاف من الجولان باتجاه البقاع الغربي، هل هناك أجواء في الجنوب السوري توحي بذلك؟
• هذا الكلام هو من باب السيناريوهات غير الواقعية لأسباب متعددة، أولها البُعد الجغرافي. فالدخول من جنوب لبنان، ومن شبعا تحديداً، أسهل بكثير من الالتفاف حول جبل الشيخ للدخول إلى البقاع الغربي عبر طريق بعيد لا يخلو من المخاطر، ولا أظن أن هناك مصلحة لإسرائيل باتخاذ هكذا مسار. أما بخصوص إزالة الألغام فهذا أمر طبيعي على الصعيد العسكري، وقد تمَّ بعرض كيلومتر على ما أعتقد. كما أن «زحزحة» الحدود قليلاً، فهي لمواجهة أي ميليشيات قد تتواجد على الحدود مع إسرائيل من ناحية الجولان، ولا أعتقد أنه مشروع اجتياح بري، ومَن يقول إنها تريد الوصول إلى دمشق فأنا أستبعد أيضاً هذا السيناريو لأن إسرائيل ليست في هذا الوارد ولا تحتاج إليه. فمن أجل ماذا سوف تدخل دمشق؟ إسرائيل لديها أطماع بكسر قاعدة المقاومة، والبحث عن حل سلمي يجعلها متفوقة عسكرياً واقتصادياً وسياسياً في المنطقة. هذا ما ترغبه.
○ الكلام عن الدخول هدفه قطع الإمداد عن «حزب الله» فإيران بكل سرديتها تتكلم عن أنها ربطت طهران ببيروت عبر العراق وسوريا؟
• هل يُخفى على أي مراقب سياسي قدرة إسرائيل أو حتى أمريكا الموجودة في التنف على فعل ذلك؟ فمعبر البوكمال بالإمكان إقفاله أو مراقبته ببساطة، واحتلاله لا يحتاج إلا لبضعة عناصر. هذه سياسة مرسومة بدقة ترمي إلى إطالة الصراع وإلهاء شعوب المنطقة وتخريب حلم تلك الشعوب بالاستقرار والبحث عن مستقبل آمن للأجيال المقبلة. إسرائيل لا تحتاج إلى قطع خطوط إمداد الميليشيات الإيرانية من إيران، فهي متفوقة عسكرياً، وضحايا «حزب الله» وأُسراه من «قوات الرضوان» تثبت هذا الأمر، رغم مقتل عشرات من الضباط والجنود الإسرائيليين، وهو رقم متواضع إذا ما قارناه بخسائر «الحزب». هذا واقع لا يجب أن ننكره، ولا يجب أن نعود إلى «بروباغندا» الستينيات والسبعينيات وتصوير الهزائم وكأنها نصر. يجب أن نفكّر بنضج وبعقلية عملية. فهذه التصريحات والمواقف لا أظن أنها تخدم أي قضية لشعوب المنطقة.
○ ثمة تصعيد يشهده الشمال السوري من روسيا والنظام، البعض يعتبره رسائل تحذيرية من محاولة الاستفادة من انسحابات يقوم بها الإيرانيون والميليشيات التابعة لهم، وهناك كلام عن أنه يتم استبدالها بميليشيات عراقية. هل يمكن لحال الستاتيكو في الشمال أن يشهد تغييرات؟ وكيف يمكن تقييم الوضع في الشرق السوري؟
• هناك تناقض أيديولوجي ذات خلفيات دينية، وتصادم المشروع الإيراني والمشروع التركي في سوريا مع الوجود الروسي والنظام هو حالة موجودة على الأرض وواضحة. إيران ترغب بالسيطرة على الشمال السوري؛ ولا سيما حلب. وتركيا لديها ما يُسمى «الجيش الوطني» الذي تموّله ويحمل أيديولوجية مختلفة غير وطنية. وتوجد إمارة إسلامية تحت مسمى «هيئة تحرير الشام» بزعامة أبو محمد الجولاني في إدلب أيضاً. هناك تدخلات خطيرة جداً في الملف السوري تُعقّد المشهد في الشمال، وأيضاً من نواحي» قسد» (قوات سوريا الديمقراطية). فهذه المنطقة كلها منطقة غليان وليست منطقة استقرار. «قسد» لم تستطع أن تُشكّل استقراراً ونموذجاً لـ»حكم ذاتي» أو دولة مستقلة، إن صح التعبير، أو مثالاً يُحتذى به في سوريا، إذ لا يزال هناك صراع قائم بين «قسد» وقيادتها، وبين السكان المتواجدين وأغلبيتهم ليست كردية. أما الجولاني، فما هو المثال الذي يُحتذى به في الفكر والسياسة والاقتصاد في إدلب. هذه الممارسات الفاشلة تؤثر على قرار الشعب السوري وقناعاته بأن هذه المليشيات، سواء «قسد» أو الجولاني، لم تكن بديلاً عن نظام قائم على الفساد والاستبداد، ولم تُشكّل أي فارق. هذه النماذج من «قسد» إلى الجولاني إلى النظام بحال الوضع الراهن كلها أثبتت فشلها. وبالتالي يتم استغلالها وهي عبارة عن أوراق تلعب بها القوى الدولية والإقليمية، ومنها الشمال السوري، حيث إن هناك تقاطعاً كبيراً بين تركيا وإيران. هذه مشاريع واضحة التناقضات، وسياقها متفجر إلى حين حصول توافق بين القوى المتدخلة في سوريا لحل كل الملفات، وهو أمر يحتاج إلى وقت طويل، ومعقد جداً.
○ برأيك، من أين يستمد «حراك السويداء» قوته؟ وكيف يمكن فهمه فيما هو غائب بشكل كليّ عن المحافظات الأخرى التي يسيطر عليها النظام؟ وأي مستقبل له؟
• حراك السويداء يستمد قوته من عدة عوامل في مقدمها: وحدة القيادة العقلانية المجتمعية غير السياسية، وشعارات الحراك السلمية وتمسكه بالثوابت الوطنية دون أي دعم خارجي إقليمي أو دولي والتي تهدف إلى التغيير السياسي السلمي على أسس قرارات الشرعية الدولية واستبدال نظام الفساد والاستبداد بنظام لا مركزية إدارية للمحافظات وتحت علم سوري واحد ضمن الحدود السورية المعترف بها باتفاقية لوزان 1923. ومما يعزز قوته أيضاً رفع شعار «الدين لله والوطن للجميع» ورفض التطرف الديني والعرقي، وعدم القبول بتأسيس «الكانتونات» القائمة على أُسس دينية أو عرقية، كما يحدث في شرق الفرات وإدلب.
وثبت لدينا أن الشعارات التي رفعها «البعث العربي الاشتراكي» و«أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة» أو شعار الإخوان المسلمين القائل بأن «العالم كله هو وطن الإسلام» ما معناه أن هناك وهما مشتركاً بين كل تلك الشعارات الخيالية التي لا تستند إلى الواقع وغير قابلة للتحقّق ضمن المعطيات العصرية الحالية، وبالتالي أن كل تلك الشعارات تُستغل لتحقيق نفوذ ومكاسب آنية ضيّقة وعلى مقاس عقول رافعيها ضمن منهج استبدادي تمّ فرضه على الشعوب بالقوة، وأدى إلى كل المفاسد التي تعاني منها الشعوب الخاضعة للمحور ومنها أهالي السويداء.
وتظهر عوامل قوته بالمشاركة الحضارية المتنوعة لأطياف المجتمع وفعالياته رجالاً ونساءً من منظمات المجتمع المدني والنقابات المهنية ورفضهم للانفلات الأمني وتفشي المخدرات المستجد على المجتمع، فضلاً عن حماية الساحة من الاختراقات المسلحة. أما غياب المشاركة من المحافظات الأخرى فيعود لعدم توفر العوامل المميزة لحراك السويداء.
○ التقارير الرسمية اللبنانية، حتى 30 تشرين الأول/أكتوبر، تفيد بعبور أكثر من 353 ألف سوري الحدود إلى سوريا، برأيك هذه عودة نازحين أو مقيمين سوريين مما كانوا يتنقلون بحرية بين البلدين؟ وإذا كانت عائلات نازحة، هل من حماية لها؟ وهل يمكن أن تؤسِّس لعودة مستقبلية للنزوح السوري من لبنان وربما من دول الجوار؟ أم أن ما أراده نظام الأسد من «نقاء» في التركيبة السورية وفق منطوقه أضحى واقعاً غير قابل للتغيُّر؟
• النازحون أُكرهوا على النزوح من جراء القصف الإسرائيلي العنيف بمعدل 2 سوري إلى 1 لبناني، أما العائلات السورية التي تعود عن طريق الحدود، كلها ما عدا مَن هو مطلوب منها، ربما يضطر إلى البقاء في لبنان أو إلى الدخول من معابر غير نظامية.
والنظام صرَّح أكثر من مرة أن البنى التحتية والوضع الاقتصادي غير مناسبين لعودة النازحين أو اللاجئين السوريين، لكنه أعطى توجيهات حكومية صريحة باستقبال اللاجئين اللبنانيين وتقديم المساعدات اللازمة لهم، وأغفل ذكر العائدين السوريين مع الأسف، وهذا ربما يندرج في انخراطه مبكراً بمشروع التغيير الديمغرافي.
○ وما التداعيات التي ستترتب على الوضع الاقتصادي السوري بعد إقفال الحدود اللبنانية السورية عند بوابتَي المصنع والجوسية وغيرهما من المعابر غير الشرعية أمام حركة الشاحنات ذهاباً وإياباً، وقد تلحق بها معابر أخرى؟
• إقفال المعابر سيزيد الضغوط على الاقتصاد السوري الذي يُعاني أساساً من الحصار، وكان يستعين بالبنوك اللبنانية لتسهيل الأعمال التجارية، وبالمعابر لنقل السلع والبضائع، ومن البديهي إذا استمر الإغلاق وشمل باقي المعابر، فإنه سيفقد موارده القريبة من العاصمة والمدن الرئيسية.