يعتبر الشاعر والباحث إبراهيم الكراوي أحد الأصوات التي انشغلت بالحفر في المشهد الشعري، سواء من خلال مقاربة الشعرية المغربية الراهنة، أو من خلال حضوره الإبداعي الذي تَوَّجه بالديوان الثاني له، والصادر عن بيت الشعر. وهذه الورقة ستحاول أن تكشف عن تجليات هذا الحضور من خلال كل من عمله النقدي ”الكينونة والوجود: مقاربات في الشعرية المغربية الجديدة»، و ديوانه الأخير ”أمسية قرب البئر» الصادر عن بيت الشعر في المغرب.
1ـ الكينونة والوجود: مقاربة الأنساق والعلامات في الشعرية المغربية الجديدة
هذا هو الإصدار النقدي الثالث للكاتب بعد كتابيه: «خطاب الحداثة في القصة العربية» و»الواقعية الجديدة في الرواية العربية» ويليه بعدهما كتابه: «نثر الذات حول المنجز الشعري للشاعر حسن نجمي». وتكمن أهمية الكتاب في حاجة الساحة الأدبية المغربية بشكل عام، والشعرية بشكل خاص إلى دراسات نقدية تتابع النتاج الشعري المغربي
يتكون هذا الكتاب على مستوى الهيكلة من قسمين، أولهما نظري، وثانيهما تطبيقي. وقد قام الكاتب في القسم الأول بنوع من التقميش، أي جمع الآراء المختلفة في ما يتصل بالعدة المفاهيمية التي يفترض أن تمثل أدوات الاشتغال المعتمدة في القسم الثاني. وهكذا تحضر فيه مفاهيم عديدة من قبيل الجنس الأدبي، الشعر الحر، قصيدة التفعيلة، قصيدة النثر الشعرية الجديدة، شعرية العلامة، وتتم الإشارة إلى أسماء شعرية، ونقدية عربية ومغربية كأنسي الحاج، محمد الماغوط، أدونيس، محمد بنيس، رشيد يحياوي، كما إلى أسماء غربية مثل سوزان بيرنار، رولان بارت، أمبرتو إيكو، وجان كوهين إلخ.
تضمن القسم الأول فصلين، جاء الأول تحت عنوان: راهن الشعرية المغربية بين الهوية وسياق أزمة التلقي، وقسم بدوره إلى مبحثين (وإن لم يقدما تحت هذا الاسم): الشعرية المغربية الراهنة وسؤال الهوية، تناول فيه الكاتب الشعرية المغربية ونظرية الكتابة الجديدة، والشعرية المغربية بين نقد التصنيف المعياري والسياق الثقافي للمرحلة.
أما المبحث الثاني: الشعرية المغربية ونظرية الأجناس الحديثة، فتطرق فيه إلى القصيدة الجديدة ومعضلة التصنيف، وحدود الشعر والبلاغة الجديدة. وخصص الكاتب الفصل الثاني للحديث عن الشعرية المغربية: من البلاغة إلى شعريات العلامة. يعطينا تقديم هذا الجزء من الكتاب فكرة عن القضايا التي بحثها الكاتب. والقضية المركزية، كما يبدو، هي الشعرية المغربية الجديدة. وهنا لنا أن نتساءل: ما المقصود بالشعرية؟ وهل هناك شعرية مغربية قديمة في مقابل شعرية مغربية جديدة؟ وما هي طبيعة هوية هذه الشعرية؟ هل لها ما تنماز به عن شعريات عربية؟ بالنسبة لسؤال القديم والجديد يجيب عنه الكاتب ضمنيا من خلال الحديث عن الثورة الشعرية الأولى مع مشروع مجلة «شعر»، ثم الثورة الثانية مع سركون بولص وجان دمو وعباس بيضون مشرقيا ووساط، وبنيس، وزريقة مغربيا في نوع من التحقيب، يخالف موقف المؤلف الرافض لمنظور الأجيال. أما عن علاقة الشعرية المغربية بالشعرية العربية، فالكاتب يقول: لم يكن مشروع الشعرية المغربية الجديدة منفصلا عن السياق المشرقي، وبالتالي لا مجال لخصوصية جغرافية، أو أيديولوجية، غير هذا التصميم على الخروج عن السلفية الشعرية، التي تختزل الشعر في الوزن والقافية، أو غير ذلك من القواعد المعيارية، ليبقى المظهر الوحيد للشعرية الجديدة هو قصيدة النثر. (أفضّل ترجمة الاصطلاح الفرنسي Poème en prose بالقصيدة بالنثر)، ولكن مع الإشارة إلى أن هذه الشعرية هي مفرد بصيغة الجمع، فليس هناك حداثة، بل حداثات بفسيفساء من الشعريات المختلفة، إلى الحد الذي نجد فيه كل شاعر يتفرد بشعرية خاصة: السرغيني، بنيس، بنطلحة…
ويتوزع القسم التطبيقي من الكتاب على أحد عشر فصلا، خصص غالبها لتناول تجارب شعراء مغاربة، كالفصل الأول الذي وإن حمل عنوان: تخييل العلامات في الشعريات المغربية الحديثة، إلا أنه خصص بالكامل لتحليل ديوان محمد بنيس «هذا الأزرق» 2015، أو الفصل الأخير الذي عنوانه (بناء اللغة الشعرية وأنساق العلامات الثقافية الخاص بتحليل الديوان الزجلي) و(مخبي تحت لساني ريحة الموت)2021 للشاعر مراد القادري. وهكذا استضاف المؤلف في هذا الفصل بالإضافة إلى الشعراء المذكورين شعراء آخرين: محمد الأشعري، عزيز أزغاي، وداد بنموسى، سعيد الباز، عبد الرخيم الخصار، عدنان ياسين، عبد الله زريقة، حسن الوزاني، وساط مبارك نبيل منصر، الزويتني نور الدين، حسن نجمي. والرابط بين مقاربة الكاتب لتجارب هؤلاء الشعراء هو الجمع بين الجانب النصي الشكلي كالإيقاع والتشكيل اللغوي، والبعدين السيكولوجي والأنثروبولوجي. ومن ذلك مثلا تناول علامة الأزرق في ديوان محمد بنيس «هذا الأزرق» من منظور يتوقف عند المستوى الصوتي إلى جانب البعد السيكولوجي الذي يكون فيه الأزرق، بلغة باشلار، تمثيلا لأحد العناصر الأربعة، فيكون إبدالا وجوديا من داخل التخييل، ويضاف إلى هذا المنظور الأنثروبولوجي الذي ينشغل برمزية الأزرق الثقافية.
ويواصل الكاتب الجمع بين هذه المنظورات في دراسة علامات أخرى في الدواوين التي تشكل متن بحثه، ومن ذلك علامة القبر في ديوان مبارك وساط «على درج المياه العميقة»، حيث أن دلالة العلامة هنا هي وليدة تفاعل نصي، لا صلة له بالمرجع الخارج نصي، أو رمزية الغراب والأفعى عند نبيل منصر في ديونه «غسق العراب شفق اليمامة» 2014، فالغراب هنا ليس نذير شؤم، فسمه أخضر، فالدلالة الرمزية غير جاهزة، بل هي بنت علامة مفتوحة على التأويل، منقطعة عن الانتساب إلى مرجع جاهز. وهذا ما ينطبق أيضا على دلالة السور العظيم في ديوان محمد الأشعري «جمرة قرب عش الكلمات» 2017، إذ أننا أمام (سور بنته السنوات في داخلي).
واهتم المؤلف بتناول بعض خصائص التجربة الشعرية في قصيدة النثر، ومن ذلك استثمار المعطى الذاتي في الكتابة، سواء في صورة كتابة رحلية حاضرة مثلا في ديوان عدنان ياسين «رصيف القيامة» 2003، أو سيرذاتية، كما في ديوان صلاح بوسريف «لا يقين في الغابة» 2016
أمسية قرب البئر
يشتمل الديوان الثاني للشاعر، بعد باكورته الشعرية «أضغاث أحلام» 2007 على أربعة عناوين داخلية: غيوم فاسدة، خمس قصائد زيتية على قماش أبيض، قرب بئر تنزف، ليل معلق إلى أسلاك شائكة.
ولعل العبارات الموظفة في هذه العناوين: الغيوم الفاسدة والبئر النازف والأسلاك الشائكة، وغيرها، مما نجده على الأقل في عناوين القصائد: تراجيديا، كوميديا سوداء كلها مؤشرات على أننا سنكون أمام ديستوبيا Dystopia، عالم فاسد ومخيف، ولن تكون الأمسية قرب البئر دعوة للاحتفال والفرح. ولذا، نجد في القصيدة الأولى أطفال مبللون بغيوم زرقاء – وهي النص الأطوال في الديوان – وجها لوجه أمام ذات في وضعية هشة تتمرغ في صلصال الحراب بقلب مكسور في حقل ترعاه ملائكة من غبار. وحتى الولادة المنتظرة ولادة شقية، فالهواء يولد مشنوقا. ويظهر الفجر المنتظر مثخنا بالألم. و(الورود في المزهرية/ترتجف/من الخوف، في الحرب).غير أن شعلة الأمل تظل وقادة، فالخوف، كما يقول سبينوزا (ت 1667) لا يمكن أن يستغني عن الأمل، كما أن الأمل لا يمكن أن يوجد في غياب الخوف، ولذا يظهر طائر الفنيق، ويزهر القلب تحت جنح الليل، ويطالعنا الجزء الأخير من الديوان: ليل معلق إلى أسلاك شائكة، هو بنص (ولادة) الذي تستفتحه هذه الأسطر: هذا الليل/ حليب يتدفق/ من أثداء أشجار.
من الناحية الفنية، يمكن القول إن مزاوجة الكاتب بين الإبداع والنقد، كان لها الأثر على إنتاجه في الاتجاهين، فاهتماماته النقدية متأثرة بانشغالاته الإبداعية، مثلما أن هذه الأخيرة تفيد من الأولى. ومن الطبيعي إذن أن يستضيف داخل نصوصه سركون بولص والسياب وسيف الرحبي وعباس بيضون، ومبارك وساط، ورونيه شار.
وسأشير في عجالة، في ما يعود إلى خصائص الكتابة الشعرية في هذا الديوان إلى خاصيتين: أولاهما انفتاح التجربة الشعرية عنده على التشكيل، كما تعبر عن ذلك بأشد الوضوح عنونة الجزء الثاني من الديوان: خمس قصائد زيتية على قماش أسود. ويستوقفنا في هذا الجزء نصان، أولهما: طبيعة ميتة. ومن المعلوم أن الاصطلاح يدل على نوع من الرسم عرف منذ بدايات القرن 18، يعمل الرسام فيه على التعبير من خلال الخامات والتقنيات المختلفة (الألوان المائية، أو الزيتية، أو التظليل بالفحم) عن الأشياء الجامدة، وحتى الحية ولكن في وضعية ثابتة. ويجسد نص الطبيعة الميتة في الديوان صورة جبل تغطيه شراشف ضباب. أما النص الثاني فهو (أحلام وردية) الذي يحاول فيه الشاعر تلوين الليل والنهار، فتظهر اللوحة بلون الدماء.
وثاني الخاصيتين هو استثمار المعطى السير ذاتي في النص. ويبدو لنا هذا منذ النص الأول (أطفال مبللون بغيوم زرقاء)، حيث يشير في نهاية المقطع الأول إلى تاريخ ولادته: حين ولد،/ وبعد أن سقطت من رحم غيمة من فضة/ وتناثر رقم سبعة/ في بيت شعري على وزن البسيط/ في 17/7/75
لهوامش:
إبراهيم الكراوي، الكينونة والوجود: مقاربة الأنساق والعلامات في الشعرية المغربية الجديدة، سليكي أخوين، طنجة،،ط2024.
2- إبراهيم الكراوي، أمسية قرب البئر منشورات بيت الشعر، المغرب الرباط.
* شاعر وناقد ( المغرب)