أن تخاف وأنت في الحرب من حرب تالية!

حجم الخط
0

الصاروخ ضرب البناية من أسفلها. شاهدناه على التلفزيون، وعن بعد. بدا لنا، وهو متّجه إليها، في حجم مسمار صغير. في ثانية واحدة أنجز داخُله تحضيرات احتراقه وانفجر، بكمال هندسي، إذ بدت البناية، الظاهرة من مسافة، تسقط كما هي في وقوفها المستقيم، هكذا بلا تشظٍّ ولا التواء، كأنها تغرز أسفلها، لتخبّئه، في الرمل.
لكنها «سؤّيت على الأرض» كما قالت المراسلة الحربية مخطئة في استخدام التعبير البلاغي الذي يردّده المراسلون على الجبهات خمسين مرّة في اليوم. ونحن، الذين لا يفوتنا شيء مما يُقدّم من أخبار، لم نشاهد سقوطها ذاك إلا في نشرة الصباح التالي. شاهدنا أيضا ركامها الذي لم يختلف عن ركام البنايات الأخرى، حيث لم يبق شيء من الجلال الذي أظهرته في سقوطها. كومة من التراب والحجارة راح يتنقّل فوقها المسعفون. تراب وحجارة يخفيان كل ما كان مؤثّثا ومرتّبا في شقق الطوابق العشر. لكن لا شهداء ولا ضحايا، كما أعلنت المراسلة، مع أن الإنذار الإسرائيلي بإخلاء البناية لم يمهل الساكنين إلا دقائق قليلة. لم تحدث فوضى مع ذلك. لم يتسابق الناس على دخول المصعد، ولم يتدافعوا على الأدراج. كجيران، كانوا متآلفين ومتفاهمين، وبهذا يمكن اعتبارهم قدوة لغيرهم…
***
المعرفة بالحروب، تلك التي حصّلها من أتيح لهم عيشها على مدار السنوات، لن تسعفهم في هذه الحرب. هي حرب جديدة تلك الجارية الآن. لم تعد الأسلحة مثلما كانت، كما لم تعد الأمكنة منيعة كما كانت من قبل. أقصد بذلك الجدران التي كنّأ نتفحصّ سماكتها لنعرف عدد ما نحتاجه منها ليكون اختباؤنا آمنا. لم تعد المساحة الضيّقة، التي هي معابر بين الغرف، توفّر الحماية، ولا في أي طابق من البناية. كما لم يعد الملجأ، حتى الملجأ، ملاذا ومخبأً. صحيح أنه كانت هناك ملاجئ، في حروب سابقة، قتلت المحتمين بها، لكن تلك كانت حالات قليلة ما زلنا نتذكّر وحشيّتها إلى الآن. الآن لا الملاجئ، ولا الطوابق التي تعلوها يمكن أن تُنجّي. الآن لا تصدّ الجدران قوّة القذائف ولا مكان في المبنى أفضل من سواه. وأصلا، لم يعد اسمها قذائف. لقد حلّت محلّها الصواريخ والمسيّرات ومحمولات الطائرات من تلك التي تزن بالأطنان.
ولم تعد أنت مخيّرا في ايّ مكان تختبئ. لقد تولّى ذلك عنك من سيقتلك. هو يحذّرك، كما يحذّر معك كل جيرانك، بأن عليكم جميعا أن تغادروا بيوتكم وإلا، بعد نصف ساعة، ستموتون جميعا. وهؤلاء، الذين تلقّوا التحذير هم الأوفر حظا من سواهم. هؤلاء لا تحصي بيانات ما بعد الحادثة إلا من عُثر عليه منهم، أما الذين لم يصل إليهم المسعفون فيظلّون هناك، موتى بلا أعداد ولا أسماء.
***
هي الحرب الأكثر ضراوة من بين ما مرّ على بلد الحروب. وما يزيدها فظاعة هو أن من يعيشون أهوالها الآن مهدّدون بأن حربا أخرى ستعقبها. تخيّل، فيما أنت تعيش خطر الموت اليومي، أن عليك أن تحذر، بعد أن تنتهي حربك، أن تتسلّمك حرب جديدة. وهي أخطر من سابقتها، كما يردّد أولئك المحلّلون الذين يتعاقبون على الظهور في التلفزيونات. أن تحذر يعني أن تكون شديد الانتباه لما قد تسمعه وتسرع إلى تقدير نسبة الحرب فيه. الحرب الأهلية هذه المرة، أو الأهلية من جديد. ولا يقتصر ذلك على الكلام، بل أيضا على الهيئات. أعني هيئات هؤلاء وهيئات أولئك فيما هم يسعون إلى أن يأتي كلامهم محمّلا بكامل غضبهم. وأنا الذي أصنّف نفسي واقفا في الوسط بينهما أتخيّلني مستخدما كفّيّ الاثنتين لكي أسكت المتكلّم من هؤلاء بإحداهما، حين يغالي، وأُسكتُ الآخر بالكفّ الثانية أطبقها على فمه. يغيظني، بل يخيفني، أن كلا من الاثنين يتكلم عن الآن، لكن قاصدا ما سيعقب الآن. ولا يقتصر حذري على المتكلّمين في التلفزيونات، بل يطال أيضا أولئك الذين تدعوهم التلفزيونات، لكي تكون التغطية كاملة، إلى الكلام على شاشاتها. أقصد النازحين من جهة، ومستقبليهم من جهة أخرى. هؤلاء يريدون أن تنتهي الحرب، وأولئك يريدون أن تظل مندلعة حتى النصر الأكيد. وهذا مع العلم أنهم قد يكونون ضيوف ومستفضيفون. لكن، للحؤول دون الإحراج أجروا تعديلات على اللغة لكي لا تكون هي نفسها عاملا على الاستفزاز، من مثل ذلك أن النازحين هم ضيوف وأن المستضيفين هم أخوة لنا في الوطن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية