بضع ساعات وربما بضعة أيام، قبل هجوم إيران الذي قد يكون أقوى من سابقه. وبضع ساعات وربما بضعة أيام قبل أن يتم التحقيق مع كبار موظفي مكتب رئيس الحكومة حول القضايا الأمنية التي تورط فيها المكتب، اختار نتنياهو إقالة وزير الدفاع غالانت. محاولة مكشوفة (التي نجحت، لا يمكن قول أي شيء) لإقصاء التحقيق في الاشتباه بتزوير محاضر جلسات أمنية في مكتبه، عن العناوين الرئيسية في نشرات الأخبار. تم توقيت بيان الإقالة ليكون قبل الساعة الثامنة بخمس دقائق، لأن هذا ما يعرفه محيط نتنياهو جيداً: السيطرة على نشرات الأخبار.
الأمر غير المكشوف هو الخط الذي يربط بين التطورات الأخيرة. هذا الأمر تم كشفه أمس ويثير رعباً حقيقياً غير مسبوق. بدون أن نعرف أو نفهم، رأس نتنياهو غارق في الأشهر الأخيرة، مرة أخرى، في التحقيقات. التحقيق الأول هو تحقيق “الشاباك” حول سرقة المعلومات السرية وتسريبها لصحيفة “بيلد”. ربما كان يعرف نتنياهو هذه القضية عن كثب. يصعب الافتراض، حتى لو لم يكن يعرف تفاصيل هذه القضية، بأنه لم يخف على الأقل من وصول التحقيق إلى محيطه، فضلاً عن احتمالية أخرى مخيفة، وهي أنه عرف وبادر وشغل وقام بإعداد نفسه للتحقيق.
التحقيق الثاني هو حول قضية تزوير محاضر الجلسات في مكتبه. في أيار 2024 ترك آفي غيل منصب السكرتير العسكري لرئيس الحكومة. وقدم شكوى للمستشارة القانونية للحكومة، غالي بهراف ميارا، حول جريمة خطيرة وهي تزوير محاضر جلسات بعد اندلاع الحرب في 7 أكتوبر. نشر نداف أيال عن ذلك للمرة الأولى في “يديعوت أحرونوت” في تموز الماضي. نسي الجمهور في اليوم التالي، لكن المستشارة القانونية للحكومة فعلت ما هو متوقع منها، وحركت الشرطة.
في نهاية الأسبوع الماضي، كما نشر غاي بيلغ، وصل محققون في الشرطة للمرة الأولى في التاريخ إلى مكتب رئيس الحكومة لإجراء تحقيق ضد مكتب رئيس الحكومة. من هنا، دخلت الأمور إلى حالة تسارع بدون معرفة ذلك. بشكل سري، تم إرسال قوائم مفصلة لنشاطات المستشارة القانونية ضد الحكومة في أرجاء ماكينة سم نتنياهو. جاء اجتماع الحكومة بشكل علني، حيث تم إبلاغ بهراف ميارا مسبقاً عن دورها في الكمين المخطط له. لم يكن هذا الكمين العادي الذي تم نصبه بصورة متواترة من قبل الوزراء؛ بل تم نصبه هذه المرة من قبل رئيس الحكومة. كان هذا هو التهديد المرسل إليها عقب التحقيق مع مكتبه. “هي شخصية مشاكسة. يا ياريف، تول هذا الأمر”، هكذا أمر نتنياهو وكأنه رئيس مافيا، يأمر أحد مستشاريه بـ “معالجة” النائب العام.
في اليوم التالي، وصل أمر التحقيق إلى الجمهور، وبعد ذلك فوراً جاءت إقالة وزير الدفاع. وبعد ذلك، تم نشر إحاطات لوسائل الإعلام بأن غالانت ليس سوى الرأس الأول الذي ستطاله الفأس (حسب الإجراءات، تم نفي هذه الأقوال بعد نشرها)، وأن الجميع على مرمى الهدف الآن: رئيس الأركان، ورئيس “الشاباك”، والمستشارة القانونية للحكومة. هذه مسألة وقت فقط. بدءاً بقائد الجيش أثناء الحرب، الذي يدافع بجسده باستقامة وشجاعة نادرة في هذه الأيام عن الجسم الذي تحته من التأثيرات السياسية المسمومة، ومروراً برئيس الجهاز الأمني الذي يحقق بالمخالفات الأمنية الأخطر التي تصل إلى مكتب رئيس الحكومة، وانتهاء برئيسة النيابة العامة التي تحرس العتبة الممتازة والشجاعة، والتي أمرت بإجراء تحقيق مع المكتب الأكثر إجراماً في تاريخ الأمة في قضية فساد أخرى. وهي قضية تدل على فساد تام للأجهزة في المكان الأكثر أهمية في الدولة، على خلفية الحرب الأطول والأكثر تعقيداً في تاريخها. هكذا يعمل الدكتاتور وهكذا تبدو الديكتاتورية. بعد إسماع التهديدات من قبل المحللين المقربين من نتنياهو، فإن حركة بؤر الاحتجاج الليلية في كابلان في تل أبيب وفي عشرات البؤر في أرجاء الدولة تضاعفت على أقل تقدير. بدأ الخوف يثور. في بيان في وسائل الإعلام صدر إلى جانب رسالة إقالة غالانت، اتهم نتنياهو: “بذلت عدة محاولات لجسر الفجوة (مع غالانت)، لكن الفجوة أخذت تتسع. ووصلت أيضاً إلى الجمهور بطريقة غير مقبولة، وأسوأ من ذلك، إلى العدو. كان الأعداء راضين وجنوا الكثير من الأرباح”.
كما قلنا، غالانت هو الذي وسع الفجوة، وهو الذي سرب ضد نتنياهو، وهو الذي خدم العدو. هذا غريب. ولكن غالانت والموظفين في مكتبه لم تحقق معهم الشرطة أو “الشاباك”. وحسب نتنياهو، فإن الأولاد يقرأون بسهولة: كل شيء يمر بيدك، وهكذا ستتسخ. أو بلغة ناضجة أكثر: “من حفر حفرة وقع فيها”.
في المرة السابقة، في آذار 2023، تمت إقالة غالانت لأنه حذر من “خطر واضح وفوري على أمن الدولة” إذا استمر الانقلاب النظامي. أمس، أقيل مرة أخرى، ضمن أمور أخرى، لأن وجوده في مكتب وزير الدفاع أفشل نية نتنياهو تسوية لعشرات آلاف الحريديم، الملزمين بالتجند، واستمرار تهربهم بشروط مريحة.
عندما تتم إقالة وزير دفاع في دولة إسرائيل في ذروة حرب يقتل فيها مئات الجنود ويصاب الآلاف من أجل مجموعة من المتهربين والطفيليين في صفقة سياسية نتنة، يعتبر هذا مساً مباشراً بأمن الدولة. ولكننا تعودنا. لقد تعودنا على واقع هستيري يضر فيه رئيس الحكومة بأمن الدولة مرة تلو الأخرى، بألف طريق، سواء بتشغيل متحدث مشكوك فيه فشل في فحص أمني ويعمل في مواضيع أمنية حساسة (حتى الآن حسب الاتهام) أو تزوير محاضر جلسات عن أيام الحرب الأولى (كما ذكر آنفاً)، أو استمرار الحرب الزائدة في غزة التي تجبي ثمناً دموياً باهظاً تقريباً كل يوم، أو الإهمال المتواصل والمتعمد للمخطوفين الذين يحتضرون في الأنفاق على باب فصل الشتاء.
منذ سنة ونصف وإقالة غالانت هي استحواذ مرضي عائلي. خلال هذه الفترة، كان غالانت هو العدو الأكثر أهمية في الشبكات الاجتماعية التي يشغلها يائير نتنياهو وأعضاء هذه الطائفة الآخرين، أكثر من لبيد أو غانتس، وأكثر من السنوار. من غير المستبعد أن نتنياهو كان مسروراً من تزامن هذه الخطوة مع عيد ميلاد زوجته سارة، التي تأتي كراهيتها لوزير الدفاع في المرتبة الثانية بعد كراهيتها لجدعون ساعر، المرشح لمنصب وزير الخارجية. أي كاتب لدينا أكثر حدة من ساعر، الذي غرد في نفس المساء الدراماتيكي في 26 آذار من السنة الماضية: “قرار نتنياهو إقالة وزير الدفاع هو عمل هستيري يدل على غياب مطلق للحكمة. نتنياهو يصمم على دهورة إسرائيل نحو الهاوية. كل يوم يواصل فيه الاحتفاظ بمنصبه، يعرض إسرائيل ومستقبلها للخطر”.
ساعر باع نفسه للشيطان مقابل وزارة الخارجية الممتعة. حتى لو لم يكن مرتبطاً بالسيناريوهات البائسة، فإنه يصعب الفهم كيف يمكنه الارتباط بالقاعدة السياسية لعملية إقالة غالانت، وتقديم قربان أمام غولدكنوفف، وغفني ودرعي، واستبدال اليد التي رفضت التوقيع على قانون التهرب من الخدمة العسكرية. صمود غالانت في موضوع التجنيد هو اللبنة الأولى في مبنى الشجاعة، الصغير والضعيف، لكنه الكافي الذي انكشف في الائتلاف، وأثار ثورة التصويت، والذي قد يفشل قانون بيوت الرعاية في النهار، وقوانين مشابهة ستطرح في المستقبل. صمت ساعر مخجل. فقد أيد الصفقة النتنة التي سيعين فيها يسرائيل كاتس في منصب وزير الدفاع، ويضمن قانون تجنيد كاذباً، وحكومة الفشل والمذبحة سيتم إنقاذها.
هذا هو هدف الحرب الأوحد والوحيد الذي يهم نتنياهو، قيادة سفينة الائتلاف المسيحانية والعنصرية حتى تشرين الأول 2026، والوصول إلى هذا الموعد حتى يتم تركيب الأجزاء المطلوبة لانقلاب نظامي جديد، يضمن على الأقل تهربه مرة أخرى في الطريق إلى استكمال هذا الانقلاب. هذا هو الهدف ولا يوجد غيره. ليذهب المخطوفون إلى الجحيم، وكذلك الجنود الذين يقتلون والسكان الذين تم إخلاؤهم، والاقتصاد الذي ينهار، والمجتمع المصاب بالصدمة، والمكانة الدولية التي تنهار، والاحتفال في العالم العربي بسبب إقالة وزير الدفاع الذي صنع لهم الموت حرفياً.
رؤساء المعارضة، يئير لبيد وبني غانتس وأفيغدور ليبرمان ويئير غولان، سيعقدون اليوم مؤتمراً صحفياً مشتركاً. المعارض من الخارج الصامت حتى الآن، نفتالي بينيت، شذ أمس عن عادته وقال في فيلم نشره: “لدينا قيادة هستيرية ومريضة. التغيير في الطريق”. حان موعد ترجمة الأقوال إلى أفعال.
يوسي فيرتر
هآرتس 6/11/2024