اعترافات استعمارية بالتنقيط

في الذكرى السّبعين لانطلاق الثورة الجزائرية العظيمة التي حلّت مطلع هذا الشهر؛ الثورة التي كانت مصدر إلهام لفلسطين وشعبها وكثير من الشعوب، يعترف الرئيس الفرنسي بجريمة قتل القيادي في جبهة التحرير الوطني الجزائرية، العربي بن مهيدي، على يد العسكريين الفرنسيين.
الباحثون اعتبروا ذلك خطوة رمزية، كان قد سبقتها اعترافات أخرى بقتل عدد من قادة الثورة خلال السنوات الماضية، أما أكثر هذه التحليلات إثارة للرعب وانتماء للسخرية السوداء، فهي أن يعتقد أحد المؤرخين أن “الرئيس ماكرون يتبع منهجية الخطوة خطوة، حتى يقتنع الرأي العام الفرنسي بالخطوة النهائية، وهي اعتراف فرنسا بجرائمها الاستعمارية مقابل حصولها على مكاسب اقتصادية في الجزائر”.
مرعب أن يكون إقناع أمة بتطهير ذاتها من جرائم مرعبة قامت بها بالتنقيط، وبإغراءات ورشاوى المنافع الاقتصادية، مع أن هذه الأمة تدرك تماماً أن جريمتها ليست سريّة، وأنها من المستحيل أن تتمكن من إخفاء جثامين مليون شهيد، لا بركام السنوات ولا بذاكرة متمسكة بضرورة تحللها بالتدريج الذي قد يكتمل ذات يوم، فلا يكون هناك وجود لهؤلاء الضحايا لا في ذاكرتها ولا في ذاكرة أحفاد الضحايا كما تُراهن.
يتساءل المرء كم سنة يحتاج المستعمرون كي يكونوا مؤهلين للاعتراف بدماء من قتلوهم، في وقت يُمثّل الاستعمار نفسه، والاحتلال أكبر جريمة عنصرية يمكن أن تلحق بالشعوب وأوطانها.
في وقت يرى بعض الناس أن الاعتراف بالتنقيط يدعو للتفاؤل، لا نستطيع إلّا أن نرى فيه شكلاً من أشكال التهرّب من، والخداع الكبير، لدم الضحايا وأحبتهم وأوطانهم، ففي حين أن اعترافاً كهذا لا يمكن أن يكون كافياً لإرضاء الجزائر أو أي أمة تعرضت للتنكيل من قبل مستعمريها، فإنه يمنح المعترفين به بعض (السمات الإنسانية!)، ويؤكد أن هناك بعض الضمير لديهم، ويمنح الشعوب التي استَعمَرت زمناً آخر تدّعي خلاله أن أيديها نظيفة، وفي ذلك استمرار للجريمة وتأكيد لحق المستعمِر في ارتكابها، لأن هذا الشعب أو ذاك يستحقان الموت.
يُذكِّرنا ماكرون بنتنياهو واعترافه بمقتل سبعة عمال إغاثة في غزة عن طريق الخطأ، وهو بذلك يسعى للتخفّف من قتل وجرح أكثر من 150 ألف طفل وامرأة ورجل في غزة عامداً متعمّداً، هو وجيشه ودولته، و(شعبه) الذي يدافع عن حقّ جنوده الأسرى في الحرية، الجنود الذي لو لم يكونوا أسرى المقاومة اليوم، تحت الأرض، لكانوا قتلة الشعب الفلسطيني فوقها، (شعبه) الذي يعمل على أن يكون لغزة حق واحد، هو حقها في الدمار والموت وهو يهيئ للفلسطيني هذه الإبادة المعلنة برعاية نظامه العنصري ورعاية الأنظمة العربية الذليلة، ورعاية الأنظمة الأكثر صهيونية وعنصرية منه في العالم.
أي نوع من المجرمين هؤلاء الذين يقتلون بكل هذا الدم البارد ويستبيحون كل ما في طريقهم من حياة، ويحرمون البشر من حقّهم في المقاومة وحقهم في التذكُّر وحقّهم في أوطانهم وحقّهم في حياة أحبابهم وذكرياتهم عن موت بناتهم وأبنائهم.
هؤلاء الذين يحرمون الناس من حقهم في الحياة، ليس غريباً أن يحرموا الناس من حقّهم في الاحتجاج في وجه الموت، وقد كان جوهر كل ثورة: أريد أن أعيش وأن أموت كما أريد، لا أن تقتلني كيفما تريد، وأينما تريد، ومتى تريد، ويمكن أن نضيف أيضاً، أن أتذكر كما أريد، فالتذكُّر ضرورة ملحة لكي يثبت الإنسان أنه لم يزل حيًّا لا مجرد جسد ملقى في غرفة عناية مركزة لا حياة في زمنه.
المجرمون لا يتقنون الاعتراف، ولا يحبّونه، ويحاولون دفْعه عن عتبات ذاكرتهم بمحو الضحايا كل صباح كي لا يتمكنوا من الوصول إلى عتمة ضمائرهم، لأنهم يدركون قوة وخطورة دم الضحايا دائماً. لذا، لا يفعلون شيئاً غير التحصُّن خلف أسوار الإنكار، الذي يشكل صورة من أبشع صور المحو، وهو يتيح للجريمة أن تظل مستمرة، وهو يؤكد بصَمْته أنها جريمة شرعية.
ودائماً لا ينسى الاستعمار القتلة الذين أرسلهم لشعوب طيبة بسيطة ليحصدوا الأرواح كما يريدون، إنهم يرفعونهم إلى مصاف الأبطال كلما قتلوا أكثر واستباحوا أكثر، فثمة ضحايا يستحقون القتل، وثمة شعوب يحتلونها باعتبارها كارهة للحرية.
يبقى الاحتلال دائماً واحداً من أعلى أشكال العنصرية، في زمنه وبعد زواله. في زمنه بما يلحقه من دمار وموت، وبعد زواله في إصراره على ألا يعترف بجرائمه، كما لو أن الذين قتلهم أقل منزلةً من أن يراهم، وإذا ما اعترف بين حين وحين فإنه يعترف بقتله لهم كما لو أنه حادث سير أو خطأ مطبعي لا أكثر.
في القاعة يستجوب المجرم الفرنسيّ الذي اتّخذ القانون وسيلة للقتل، المناضل الجزائري الشهيد العربي بن مهيدي: أليس جُبنًا أن تستخدموا حقائب نسائكم لنقل القنابل؟
فيكون جواب العربيّ واحدًا من أذكى وأروع الإجابات التي يمكن أن نسمعها، إذ يردّ: “وأنتم! هل هناك جُبنٌ أكبر من جُبْنكم وأنتم تُلقون قنابل النابالم على القرى الآمنة وتقتلون آلاف الأبرياء؟ طبعًا، لو كانت لدينا طائرات لكان الأمر أسهل لنا، أعطونا طائراتكم وسنعطيكم حقائب نسائنا”.
وبعـــد:
إنه المنطق نفسه اليوم حين يجتمع العالم الأولُ في القتل، بحاملات طائراته وبوارجه وقببه الحديدية وصواريخه المدمِّرة العابرة للقارّات وأحدث أسلحته وأشدها فتكاً؛ لأن غزة تملك صواريخها وألغامها البدائية وقذائفها المضادة للدروع، التي لا يمكن أن تُقارن بجهنم القوة التدميرية التي تملكها الصهيونية ورعاة الإبادات الجماعية، لا في فلسطين وحدها، ولكن في كل العالم، سواء تعلق الأمر بأمريكا، أو فرنسا، أو بريطانيا، أو ألمانيا.
وبعــــد أيضًا:
في الوقت الذي تتدفّق فيه دماؤنا شلالات، يعترفون بجرائمهم، إن اعترفوا، بالتنقيط.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية