في 18 حزيران 2002 فجر انتحاري نفسه في باص رقم 32 بالقرب من مفترق بات في القدس. وقد قتل 19 إسرائيليا ومنهم أيمن كبها من برطعة، وهو طالب للتعليم الخاص من كلية «دافيد يلين».
زملاء أيمن في الدراسة، عرب إسرائيليون كانوا يسكنون في ذلك الوقت في شقق مستأجرة في بيت صفافا المجاورة لمكان الحادث، سارعوا قلقين إلى غرفة الطوارىء في مستشفى شعاري تصيدق. وهناك تم ابلاغ العديد من العائلات أن أعزاءهم قد فارقوا الحياة.
التقينا مع هؤلاء الاصدقاء، نحن كمجموعة صحافيين، وطلبنا منهم أن يدينوا الحادث الانتحاري ومنفذه. وقد رفضوا ذلك، حتى بدون ذكر اسمائهم. رفضهم هذا كان مثيرا للغضب لكنه في الاساس مثيرا لليأس.
في الاسبوع الماضي في ذكرى يوم القدس عدت إلى كلية «دافيد يلين»، المؤسسة العريقة ذات الـ 102 سنة التي يتعلم فيها نحو 5 آلاف من اليهود والعرب. وقد تم ترتيب مقابلة من اجل «إسرائيل الاسبوع» مع ثلاثة من رجال التعليم الذين أنهوا مؤخرا تأهيلهم كمدراء للمدارس. كل واحد من الثلاثة مدراء الذين التقينا معهم يمثل بطريقته قطبا آخر للواقع المقدسي المعقد: لم يحاولوا بتاتا اخفاء آرائهم المختلفة، ولكنهم كانوا متفقين على الأقل على أمر واحد وهو أنه يجب اخراج العنف والإرهاب إلى خارج النقاش السياسي.
هذا الاتفاق الذي بدا ظاهريا كأمر مفهوم بحد ذاته، ليس كذلك.
منال دراوشة، عربية إسرائيلية من الجليل وتسكن منذ 16 سنة في القدس، تدير لسنتها الاولى مدرسة أساسية للبنات في حي جبل المكبر. من هذا الحي في شرقي القدس خرج في السنوات الاخيرة عشرات المخربين الذين أطلقوا النار ودهسوا ونفذوا عمليات انتحارية في الأحياء العربية في القدس.
دراوشة وصلت إلى هناك بعد 14 سنة من التعليم في مدرسة ثنائية اللغة، «يدا بيد»، التي يتعلم فيه اطفال عرب ويهود، وقابلت واقعا مختلفا تماما. منال كانت من النوع الذي يهتم بالآخر.
رونين مزراحي والد لثمانية اولاد من سكان مستوطنة بيت حورون، خريج منظومة التعليم الصهيونية الدينية، يدير منذ اربع سنوات المدرسة الاساسية الرسمية الدينية «دوغما عوزئيل»، وهي مدرسة عريقة وطليعية للتعليم الرسمي الديني الاساسي في القدس. المدرسة حصلت على جائزة لامتيازها في التعليم والقيم.
الجانب الثالث في النقاش كان ايتي بينوفيتش، من سكان مبسيرت، وهو مدير «ياسا» ـ المدرسة الثانوية الإسرائيلية للعلوم والفنون في القدس، وهي مؤسسة داخلية للطلاب المتميزين من كل أنحاء البلاد، ومن خريجيها البارزين إبن الكاتب سيد قشوع والملحنة آفيا كوبلمان. «ياسا» تصدرت عناوين الصحف في هذه السنة عندما وقع عدد من خريجيها على رسالة رفض الخدمة في الجيش الإسرائيلي. في انتخابات تمثيلية أجراها الطلاب تمهيدا للانتخابات الاخيرة حصل ميرتس على ما لا يقل عن 42 مقعدا.
المدراء الثلاثة أشاروا في بداية النقاش إلى أن مدارسهم ليست مناطق معقمة وأن واقع المدينة الموجودة في مواجهة قومية ودينية يخترق جدران المدرسة ويدخل إلى الصفوف. كما أوضحوا أن الفصل التام بين التعليم وبين هذا الواقع هو أمر نظري تماما.
مع ذلك، كيف يتعاملون مع هذا الخليط، والى أي درجة واقع المدينة المضطرب يكون حاضرا في التعليم الذي تحاولون بناءه؟.
دراوشة تقول: «في المدرسة ثنائية اللغة التي درست فيها لسنوات طويلة قمنا بتطبيق برنامج وزارة التعليم «الآخر هو أنا». وعندما وصلت إلى جبل المكبر فهمت أن هذا خارج السياق. إنهم في مكان آخر تماما. هذا مكان ما زال ليس فيه مجال للتعايش. فهم ما زالوا عالقين في «الأنا». كان ذلك صعبا علي، فقد جئت من مقاربة اخرى وقلت لنفسي: الآن هم بالنسبة لي الآخر. مهمتي هي فهم التعقيدات وثقافتهم، الآخر بالنسبة لهم في هذه اللحظة هو العدو، الذي ليس هناك مجال للحوار معه. لقد استغرقني بضعة اشهر لكي أفهم الزاوية التي ينظرون منها».
حرس الحدود يرافق في الطريق إلى البيت
تقول دراوشة إنه «في جبل المكبر جربت كعربية أمورا لم أراها من قبل سوى في التلفاز: الغاز المسيل للدموع والمياه النتنة، بنات يصرخن خوفا أمام الشرطة والجنود الذين ينفذون عمليات الاعتقال والآباء المصابين بالهستيريا عندما يأتون لأخذ اولادهم إلى البيت. بالتأكيد هذا واقع لا يُمكن من فتح الحوار مع الآخر».
كيف أنت كشخصية تربوية تتصرفين أمام هذا الواقع؟
«أنا أفهم أنهم ما زالوا في مرحلة يعملون فيها بصورة قوية على «الأنا» الخاصة بهم. هذا واقع مختلف تماما عن المدرسة ثنائية اللغة أو عن مدرسة عربية في الناصرة. هم بحاجة إلى برامج خاصة ومحددة».
«الأنا» خاصتهم يتم تحديدها ايضا بواسطة الإسرائيلي الذي يعتبرونه عدوا.
دراوشة: «صحيح. هذا هو التعريف الاول بالنسبة لهم. الشر الموجود في الخارج يحدد لهم داخلهم، هذا مشروع في رأيي وأنا أتفهم ذلك. لا يمكن توقع شيء آخر عندما يكون هناك واقع أكون مضطرة فيه للتنسيق مع رجال الشرطة وحرس الحدود لمرافقة البنات إلى بيوتهن».
لكنك بالتأكيد تنتبهين إلى أن هذا الواقع الذي يُصعب الامور على المواطنين يرتبط بحقيقة أنه من هذه القرية خرج مثيرو الفوضى وراجمو الحجارة والزجاجات الحارقة والداهسين والطاعنين ومطلقو النار والانتحاريون. جبل المكبر هو احدى القرى الاكثر خصوبة في تصدير الإرهاب إلى الأحياء اليهودية في القدس.
«أنا لا أوافق على هذا. لكن اذا استمر هذا الواقع، فان اهمال هذه القرية وتصرف قوات الأمن ـ ايضا سجعل هؤلاء الاولاد الذين أعلمهم اليوم سيواصلون ذلك».
ألا يتعلق هذا الامر ايضا بالمعلمين عندك؟ وهل عندما يخرج المخرب من جبل المكبر ويطلق النار على المصلين في الكنيس في هار نوف، هل تسمع البنات منك أن هذا العمل عمل لا يجب القيام به، وأن العنف من كل نوع هو خارج الحدود؟.
«لقد بدأت في تنقيط ذلك لهن. هذا سيأخذ وقتا. هذه عملية طويلة إلى حين يدركن ذلك. في المدرسة ثنائية اللغة أشرفت على نشاطات قمنا في اطارها بلعب أدوار. شرحت للبنات مثلا لماذا بالامكان فهم الشعب اليهودي الذي يرقص في يوم الاستقلال، واحترامه. شرقي القدس هو بلاد اخرى. ايضا في جبل المكبر يمكن أن نصل إلى حوار ثقافي. ربما لا نتفق ولكن في النهاية سنتحدث مع الآخر الذي هو أنتم. الآن ما زال هذا أمرا بعيدا.
«أُفضل أن أوفر عليك وصف الطريقة التي تلقت فيها الطالبات عندنا الصافرات في يوم ذكرى شهداء الجيش الإسرائيلي، ولكن بعد ذلك دخلت إلى الصفوف وتحدثت عن الألم. ماذا يعني ذلك؟ عندما يقف أمامي شخص يتألم وهو غاضب فكيف أحترم ألمه؟ لقد أصبت بالصدمة من ردود البنات. فقد فهمنا للمرة الاولى أنه ربما نكون لا نحبهم، ربما أننا نرى فيهم شعبا محتلا، ولكن هناك مكان لاحترام مشاعرهم ايضا، وهذه بداية جيدة».
اصلاح على ظهر الطفل الصغير
رونين مزراحي يستمع صامتا لما يقال. المواجهة دخلت ايضا إلى مدرسته ولكن بطريقة اخرى. «عندنا ايضا يُحضرون إلى المدرسة كل ما يخطر ببالهم في كل المجالات». وأضاف «في واقع العمليات الإرهابية التي حدثت في القدس ووجهنا بالعديد من الاسئلة والمخاوف والشكوك، في الاساس على مستوى الامن الشخصي. كان هناك اطفال خافوا من الصعود إلى الباصات لأن السائق كان عربيا. وكان هناك آباء اتصلوا وطلبوا فحص عمال النظافة العرب. الخوف ازداد. نحن كطاقم تربوي وظيفتنا أن نشرح للاطفال أن هناك بالغين وهناك مؤسسة ومنظومة وقوات أمن، ونحن نترك المسؤولية في ايديهم ونعتمد عليهم، وهم سيقومون بكل ما يستطيعوا. الطفل الصغير لا يستطيع أن يحمل على عاتقه اصلاح كل هذه الامور».
٭ وأبعد من ذلك؟
٭ مزراحي: «أبعد من ذلك يوجد تعليم للتمييز: هناك اشخاص سيئون ولكننا لا نعمم. ليس كل من يقف وراء الشارع هو بالضبط مثل ذلك الذي عمل ما عمله أمس».
مزراحي يعرف مقاربة «الآخر هو أنا»، لكنه لا يطبقها في السياق اليهودي العربي. «لكن أمام الآخر في الدوائر الاقرب للاطفال ـ في الصف والحي والعائلة والقطاع السكاني. نحن مدرسة متنوعة جدا». ويضيف «الاولاد يرون بأعينهم اولادا مختلفين تماما. وفي اللحظة التي يدخل فيها هذا إلى الداخل، يمكن الخروج به ايضا إلى أطر اخرى. ايضا مع العرب».
٭ هل يوجد لديكم اطفال جربوا الإرهاب على المستوى الشخصي أو في الاطار العائلي أو المعارف؟
٭ مزراحي: «يوجد كهؤلاء وإن كان في دوائر أبعد، ولكن الاطفال ينسبون لأنفسهم أحداث مثل «كنت قريبا من هناك»، «كان ذلك جاري، ابن عمي، شقيق صديق أختي»، عندنا اطفال من هار نوف لم يكونوا في ذلك المكان اثناء الحادث لكنهم يعرفون الاشخاص المصابين بالحادث.
صادفنا ايضا اطفالا كان يصعب عليهم النوم في الليل وقد تضرر أمنهم الشخصي. وظيفتنا هي الاصغاء وأن ننقل لهم معلومات بدون مشاعر ودسائس، وأن نشرح لهم أن العالم ليس اسود وابيض وأن هناك الكثير جدا من الالوان في الوسط وأنه يوجد متطرفون في الطرفين. ولم نتجاهل عمليات الخطف والقتل للفتى محمد أبو خضير. نحن نتحدث معهم لأنه يوجد قانون ونظام في إسرائيل وأنه من الممكن أن نحب أو نكره ذلك، لكن لا أحد يأخذ القانون في يده، واذا كانت صعوبة لأحد فعليه التوجه إلى شخص بالغ ومسؤول».
٭ ما هو تعريف «الأنا» عندكم الذي تحدثت عنه منال؟
٭ مزراحي: «نحن نربي اطفالا يهودا متدينين في دولة إسرائيل، بعد ألفي سنة من الشتات، في القدس عاصمة دولة إسرائيل. هذا حلم تحقق، واليهود قبل 80 سنة لم يكونوا يستطيعون تخيله حتى في احلامهم. هذا تجسيد لحلم الانبياء، وفي داخل الوجه التوراتي والايماني والشرعي هذا يوجد ايضا عنصر محبة غير اليهودي ومحبة الآخر المختلف وتقبل الآخرين المختلفين عنا».
يجب علينا مقابلة الطلاب معا
الى داخل جدران «ياسا» ايضا دخلت احداث القدس. «هذا يحدث في الاساس في غرفة المعلمين»، يقول بنوفيتش. «يوجد لدينا 270 طفل من بينهم 6 عرب. الطاقم كله يهودي وجميعهم من القدس، وهو عاش التجربة في هذه المدينة وهو متنوع جدا من الناحية السياسية، وهو نشيط ومنغمس فيما يحدث في المدينة. في المدرسة الداخلية عندنا يوجد لوح سياسي يكتب عليه الطلاب كل ما يخطر ببالهم.
المواجهة القومية حاضرة ايضا في ايام الذكرى ويوم الاستقلال، كل شيء عندنا معقد جدا». ويضيف «مع كل شخص يجب التحدث بطريقة مختلفة: يوجد لدي طالب درزي من قرية مرار، إبن لعائلة ثكلى، وطالب من مجدل شمس، وطالب مسيحي متردد هل سيخدم في الجيش أم لا، ايضا طالبة مسلمة من عرابة».
بينوفيتش يؤيد جدا لقاءات التعارف والحوار بين طلاب المدرسة الثانوية العرب واليهود في القدس. لقد حاول المبادرة إلى لقاءات كهذه في الصيف العاصف الاخير الذي مر بالقدس، ولكن «كان هناك فرقعة كبيرة في الجو». ويقول: «في السنوات السابقة عقدنا لقاءات مع مدارس عربية في البلاد، ولكن ليس في القدس. اذا أردنا أن تكون القدس مرتبطة بذلك فلن يبقى ذلك على مستوى البلدية. يجب مقابلة الاشخاص معا، وفي حالتنا كرجال تربية، الطلاب».
مزراحي، ودراوشة في المقابل، متوحدان في معارضتهما للقاءات الطلاب الآن. فهما يعتقدان أن هذا مبكر جدا وأن الجيل طري جدا. «هذا يبدو لي مصطنعا»، قال مزراحي. دراوشة تقول إنه في جبل المكبر ليس هناك استعداد لذلك حتى الآن.
مزراحي يقول إنه اختار استكمال دراسته في «دافيد يلين» وليس في «داخل القطاع» من اجل أن يجسد ذلك بنفسه، موضوع معرفة الآخر: «كان هذا ممتعا.
لقد زرنا مدرستين عربيتين في يافا وبيت صفافا. فجأة تفتح عيونك وتكتشف أن هناك العديد من التنوع». وهو يقول «أنا كمدير كان يمكنني القيام بذلك من خلال النضج والتجربة: الاولاد لم يصلوا إلى ذلك بعد، وظيفتي هي مساعدتهم في الوصول إلى هناك فيما بعد كشباب في المدرسة الثانوية وفي حركات الشبيبة».
٭ ربما لا يتم اجراء مقابلات سوى المباريات الرياضية؟
٭ دراوشة: «فريق بوعيل القطمون قدم لنا عرض مغري جدا ـ أن يقوم مدرب عربي وطالب عربي بالعمل مع الاطفال في حل واجباتهم المنزلية بعد الظهر. كل تكاليف النقل والملابس على حسابهم. فقط أمر واحد في المقابل وهو أن يتم اجراء مباراة كل شهر مع مدارس اخرى يهودية. طرحت ذلك على لجنة أولياء الامور وسمعت منهم «لا» قاطعة. كنت مصدوما، جرى حوار تعلمت منه الكثير: ليسوا على استعداد مقابل مساعدة مادية أن يبيعوا فكرة التعايش. اذا أرادوا المساعدة فليساعدوا ولكن من غير شروط. في بوعيل القطمون لم يكونوا مستعدين بدون لقاء شهري يهودي عربي على مستوى المباريات. الآباء لم يكونوا مستعدين للسماح بتزويدهم بصورة مباراة يهودية عربية، وقد فشل الاقتراح».
٭ هل اوساط في حماس أو في الجناح الشمالي للحركة الإسلامية أو في السلطة الفلسطينية يدخلون إلى المجال التعليمي لكم؟
٭ دراوشة: «أنا شخصيا لا أشعر بذلك وابتعد عن كل شأن سياسي، لكن احيانا تواجهني أمور بريئة تشير إلى ما يتلقاه الاولاد خارج المدرسة. مثلا بطاقة قدمتها لي طالبة كتبت فيها «أنا أحبك»، وكانت مزينة بشعارات حماس. سألتها ما هذا؟ فتبين أنها لا تعرف، أعدت لها البطاقة وقلت لها أطلب ألا تقدمي لي امور لا تفهميها».
٭ هل المضامين السياسية والقومية لهذه الجهات تفرض نفسها على المدارس في شرقي المدينة؟
٭ دراوشة تقول إنه «في مدرستنا الاولاد مكشوفين لكل ما يجري في الخارج. ولكن المدرسة تمتنع عن الدخول إلى العمق».
تقول دراوشة إنه من اجل أن تستطيع مواصلة التصرف بحكمة في المكان الذي اختارت أن تعلم وتدير المدرسة فيه، عليها الاشارة إلى الشروط القاسية التي يتعلم فيها 534 طالبة في المباني المتفرقة على مساحة كيلومتر ونصف. ومزراحي تحدث عن حاجة الطرفين إلى التعرف على المحددات. منال دعته إلى جبل المكبر وقالت إننا كمدراء يجب أن نكون الأوائل قبل الطلاب. وقد استجاب لدعوتها.
إسرائيل اليوم 15/5/2015
نداف شرغاي