جنود الاحتلال والأطفال…

حجم الخط
16

على شاشة التلفزيون الفرنسي، القناة 5، شاهدت ما يمزق القلب على ما يدور في غزة. شاهدت طفلة لعل عمرها 12 سنة تحمل اختها الصغيرة (لعل عمرها 3 سنوات) وتركض بها، حين التقاها أحد المارة وسألها عما بها وقالت إن أختها تنزف وتحملها إلى أقرب مستشفى غير مهدمة!
مشهد أليم حقاً لما يفعله قصف جنود الاحتلال لإبادة أهل غزة، لكن هذه الطفلة التي تحمل أختها إلى طبيب أو مستشفى غير مهدمة هي الإجابة على حرب الإبادة.. ولا يمكن لمن يشاهد ذلك إلا التأثر، وحتى غير العربي سيتعاطف مع أبناء غزة، وينقم على ممارسات جنود الاحتلال الهمجية.

لستُ شاعر المرأة

كان نزار قباني يرفض تسميته بشاعر المرأة أو “شاعر الحب”، كما كتب شقيقه الدكتور صباح قباني، مؤسس التلفزيون السوري وبعدها سفير سوريا في الولايات المتحدة الأمريكية طوال سبعة أعوام. وهذه قصيدة أرسلها لي نزار من مدريد حيث كان يعمل في السفارة السورية طوال أعوام، وهي قصيدة من أرقى رسائل الحب، وأرسلها لي بخط يده ومُشكّلة وأنشرها هنا وهي بعنوان “خمس رسائل إلى أمي”:
صباح الخير.. يا حلوة/ صباح الخير يا قديستي الحلوة../ مضى عامان يا أمي/ على الولد الذي أبحر/ وخبأ في حقائبه/ صباح بلاده الأخضر/ وأنجمها وأنهُرَها.. وكل شقيقها الأحمر/ وخبأ في ملابسه/ طرابيناً من النعناع والزعتر/ وليلكة دمشقية..
يتابع نزار قباني رسائله/ القصيدة إلى أمه ويكتب:
أنا وحدي/ وخان سجائري يضجر/ ومني مقعدي يضجر/ وأحزاني عصافير/ تفتش بعد عن بيدر/عرفت نساء أوروبا/ عرفت عواطف الإسمنت والخشب/ وطفت الهند، طفت السند، طفت العالم الأصفر/ ولم أعثر/ على امرأة تمشط شعري الأشقر/ وتحمل في حقيبتها/ إليَّ عرائس السكر/ وتكسوني إذا أعرى/ وتنشلني إذا أعثر/ أيا أمي.. أيا أمي../أنا الولد الذي أبحر/ ولا زالت بخاطره/ تعيش (عروسة السكر) فكيف.. فكيف يا أمي غدوت أباً ولم أكبر..
يتابع نزار قباني قصيدته إلى أمه:
صباح الخير من مدريد، ما أخبارها الفلة؟ بها أوصيك يا أماه.. تلك الطفلة/ فقد كانت أحب حبيبة لأبي/ يدللها كطفلته/ ويدعوها إلى فنجان قهوته/ ويسقيها.. ويطعمها ويغمرها برحمته/ ومات أبي/ ولا زالت تعيش بحلم عودته/ وتبحث عنه في أرجاء غرفته/ وتسأل عن عباءته/ وتسأل عن جريدته/ وتسأل حين يأتي الصيف عن فيروز عينيه/ لتنثر فوق كفّيه/ دنانيراً من الذهب..

يتابع نزار

سلامات.. سلامات.. إلى بيت سقانا الحب والرحمة/ إلى تختي إلى كتبي إلى أطفال حارتنا/ وليلكة معرشة على شبابيك جارتنا/ مضى عامان يا أمي/ ووجه دمشق عصفور يخربش في جوانحها/ يعض على أصابعنا/ مضى عامان يا أمي/ وليل دمشق/ فُلّ دمشق/ دورُ دمشق/ تسكن في خواطرنا/ كأن مآذن الأموي قد زرعت بداخلنا/ كأن مشاتل التفاح تعبق في ضمائرنا/ كأن الضوء والأحجار جاءت كلها معنا…
أتى أيلول يا أمي/ وجاء الحزن يحمل لي هداياه/ ويترك عند نافذتي ما معه وشكواه/ أتى أيلول. أين دمشق؟ أين أبي وعيناه؟ وأين حرير نظرته، وأين عبير قهوته/ سقى الرحمن مثواه/ وأين رحاب منزلنا الكبير.. وأين نعماه؟ وأين مدارج الشمشير تضحك في زواياه؟ وأين طفولتي فيه؟ أجرجر ذيل قطته، وآكل من عريشته/ وأقطف من بنفسجه/ دمشق.. دمشق.. يا شعراً/على حدقات أعيننا كتبناه/ ويا طفلاً جميلاً من ضفائره صلبناه/ وذبناً في محبته/ إلى أن في محبتنا قتلناه!

الحنين إلى الوطن

قصيدة نزار إلى أمه تنزف شوقاً إلى دمشق، و”ساحة النجمة” حيث كان بيت نزار وكانت أيضاً ساحة بيتي. وقصيدة نزار إلى أمه ستوقظ حنين (كل من يطالعها) إلى عروسه السكر هي قطعة خبز ملفوفة على بعض السمنة الحموية (لا الزبدة) وعليها كمية كبيرة من السكر.. وكنا نحبها حين كنا صغاراً.. ويذكر الجامع الأموي وكان قريباً من بيوتنا في دمشق القديمة قبل أن ننتقل إلى “الأحياء الجديدة”.. مثل ساحة النجمة وشارع أبو رمانة.. وكان يا ما كان.. ونزار الذي كتب قصيدة رثاء حين توفيت أمي وكنت طفلة صار يراسلني من مدريد حين بدأت الكتابة والنشر، وكان يكتب لي رأيه فيما أخطه.. ولن أنسى أن نزار بصفته قريبي كان أحد شهود زواجي إلى جانب خالي الدكتور رويحة.. وحمل لي معه هدية هي مصباح تغطيه أحجار شبه كريمة وحين يسطع الضوء فيه يصير شبيهاً “بشعر نزار”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية