أمطار العراق تهدر وسط جفاف كارثي

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: في تناقض واضح يراقب العراقيون بحسرة، كميات هائلة من مياه الأمطار والسيول التي تساقطت على مدنهم ووديانهم الشهر الحالي، وهي تذهب سدى في الوقت الذي هم بامس الحاجة إلى تلك المياه سواء في الزراعة والثروة الحيوانية وغيرها من المجالات، وسط دعوات إلى الحكومة العراقية بضرورة التحرك واتخاذ الإجراءات اللازمة لبناء السدود من أجل الاستفادة من مياه الأمطار وتخزينها كما تفعل الدول الأخرى.

وبعد اول موجة أمطار هذا العام، شهدت مناطق عديدة من العراق سيولا هائلة اجتاحت المدن والجبال والوديان، وتسببت بخسائر مادية، حيث أعلنت العاصمة بغداد وبعض المحافظات تعطيل الدوام الرسمي فيها، في حين أعلنت أخرى تعطيل دوام المدارس فقط، فيما أغرقت الأمطار الشوارع والأزقة وبعض القرى وقطعت الطرق.
يأتي ذلك وسط توقعات خبراء الطقس، بأن العراق مقبل على موسم مطري بامتياز خلال العام الحالي، وسط شكوك من امكانية استغلال الأمطار والاستفادة منها بسبب أن غالبية مياه الأمطار والسيول والإيرادات الواردة من دول المنبع لا يتم الاحتفاظ بها داخل الأراضي العراقية لعدم وجود سدود كافية على امتداد نهري دجلة والفرات والأحواض المائية في المحافظات الوسطى والجنوبية، إضافة إلى السدود القليلة في شمال وغرب العراق.

الفيضانات والسيول

وعرضت وسائل الإعلام المحلية ومواقع التواصل الاجتماعي مؤخرا، عشرات الأفلام عن سيول عارمة اجتاحت معظم محافظات العراق ما تسبب في غرق طرق خارجية وعزل قرى بأكملها خصوصا في محافظات الأنبار وصلاح الدين وديالى ومناطق في إقليم كردستان شمال العراق.
وأعلنت محافظة ديالى شرق العراق، تدفق كميات كبيرة من السيول القادمة من إيران، ومنها تدفق السيول في 6 وديان على الشريط الحدودي العراقي- الإيراني ضمن خريطة مدن مندلي وقزانية وقراهما، بشكل مستمر وبوتيرة كبيرة بسبب غزارة الأمطار التي هطلت في 8 مقاطع حدودية، حيث تسببت أمطار غزيرة وسيول في قطع طرق رئيسية وعزل قرى بأكملها هناك.
وفي كركوك تسببت الأمطار التي هطلت على منطقة الحويجة بفيضانات اجتاحت عدداً من القرى، ما أسفر عن وفاة الشابة طيبة مبارك (30 عاماً) التي جرفتها السيول في قرية غريب التابعة لناحية العباسي، كما غمرت الفيضانات أكثر من 15 منزلاً في قرية غريب، وجرفت السيول 15 رأساً من الأغنام، وأدت إلى نفوق عدد كبير من الدواجن، إلى جانب تدمير ممتلكات أخرى. وقد تكررت هذه الحالات في صلاح الدين والأنبار وغيرها.
ويذكر أن الأمطار التي شهدتها محافظات عراقية كانت فوق قدرة شبكات تصريف الأمطار ما تسبب في غرق الشوارع والأحياء السكنية وبضمنها العاصمة بغداد، ما دفع الدوائر الحكومية إلى إعلان حال الاستنفار للتعامل مع الأمطار والسيول. وحتى مخيمات النازحين لم تنج من آثار الأمطار والسيول، حيث دخلت المياه إلى الخيام وأتلفت الأثاث البسيط فيها لتزيد معاناة النازحين.
أما عن إجراءات الحكومة، فقد وجّه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، بالشروع الفوري في إغاثة متضرري السيول والأمطار في محافظات شمال وغرب العراق. وقال بيان إن «السوداني وجه المركز الوطني لإدارة الأزمات والكوارث في وزارة الداخلية، بالشروع الفوري في إغاثة متضرري السيول والأمطار في محافظات شمال وغرب العراق والتنسيق بحشد جهود التشكيلات العسكرية والمدنية والقدرات الهندسية، وتقديم كل المساعدة والعون اللازمينِ للأهالي بالسرعة المطلوبة».

دعوات لبناء السدود

وأزاء الهدر الكبير لمياه الأمطار منذ سنوات، دعا مختصون في الموارد المائية وسياسيون، إلى ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة للتحكم في مياه الأمطار وتخزينها بما يضمن الحد من مخاطر الفيضانات، إضافة إلى تلبية الاحتياجات المتزايدة للمياه في العراق ومواجهة الجفاف. وأكد الخبير في الري والسدود المهندس نجم العبيدي لـ«القدس العربي» وجود حاجة ملحة لبناء سدود جديدة في العراق لاستيعاب مياه الأمطار والسيول بدل تركها تذهب هدرا إلى الخليج العربي أو الأهوار، منوها إلى عدم قيام الحكومات العراقية بعد 2003 ببناء أية سدود كبيرة واكتفاءها بما موجود من سدود قديمة. وذكر العبيدي أن العراق لديه امكانيات مالية كبيرة وكادر هندسي كفوء، تمكنه من بناء سدود في مختلف مناطق البلاد، لتخزين مياه الأمطار والسيول ومياه الثلوج، إلا انه استدرك بأن حكومات بغداد لم تعر هذا الملف الاهتمام الذي يستحقه، بالرغم من تحذيرات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية من كارثة جفاف تنتظر العراق، نتيجة الخفض المتعمد لحصة العراق من مياه الأنهار من قبل دول المنبع تركيا وإيران، داعيا إلى بناء السدود الصغيرة والمتوسطة الحجم في مختلف المحافظات لمواجهة الجفاف.
وأكد الخبير أهمية اللجوء إلى أساليب الزراعة والري الحديثة التي تقلل هدر المياه إضافة إلى التوعية الشعبية بضرورة ترشيد استهلاك المياه وسوء استخدامها.
ونوه المهندس العبيدي إلى أن دول منابع الأنهار تبرر تقليص حصة العراق بقلة الأمطار كما تنتقد هدر مياه الأمطار في العراق وعدم بناء سدود كافية إضافة إلى أساليب الري الزراعي القديمة فيه، كاشفا ان تركيا عرضت على العراق تقديم خبرتها الفنية لبناء السدود وتطوير أساليب الري الزراعي، ولكن الاستجابة لها من بغداد كانت ضعيفة.
وفي السياق ذاته كشف النائب حسن وريوش، أن «مياه السيول في المواسم السابقة التي قدمت من إيران لم يتم استغلالها وتوظيفها بشكل جيد، بل تم توجيهها إلى أهوار ميسان ومن ثم إلى البصرة كما جرى فتح السدة القاطعة بين البصرة وذي قار بشكل عشوائي لإعادة المياه إلى أهوار ذي قار، لكن كميات كبيرة من المياه ذهبت هدرا إلى البحر». وعزا عدم قدرة وزارة الموارد المائية على خزن الماء إلى «الافتقار لسدود الحصاد، وليست السدود الخزنية، على الرغم من أن الأولى ليست ذات كلف مالية عالية، لكن قلة التخصيصات المالية حالت دون تنفيذ مثل هذه المشاريع».
فيما دعا الخبير السياسي سعد المطلبي، الحكومة إلى التحرك الجاد لبناء سدود وخزانات جديدة مع تطوير المشاريع القائمة، مطالبا الحكومة «بثورة حقيقية في بناء وتطوير السدود والخزانات الطبيعية وايجاد أماكن خزن جديدة خاصة في المناطق الشمالية والغربية «.
وازاء الانتقادات المتكررة لضعف الإجراءات الحكومية في بناء السدود، أعلنت وزارة الموارد المائية مؤخرا عن خطط لتعزيز الخزين المائي، من خلال تحديد بعض المواقع لإنشاء سدود حصاد المياه، لاستيعاب الإيرادات المائية في الفترة المقبلة.
وجدير بالذكر أن تقريرا للأمم المتحدة حذر من أن سد الموصل، أكبر السدود في العراق «يواجه مخاطر كبيرة قد تؤدي إلى انهياره، بسبب طبقات الجبس شديدة الذوبان الموجودة أسفل أساساته، وقد يؤدي انهيار السد إلى حدوث موجة تسونامي تهدد سكان المناطق التي يخترقها نهر دجلة في مدينة الموصل خلال 2- 4 ساعات، كما ويخشى في حال انهيار السد أن يفقد ما يزيد على نصف مليون شخص حياتهم، بل قد تغمر مياه الفيضان حتى العاصمة بغداد». ورغم إعلان الحكومة العراقية استمرار عمليات تحشية أساسات جسم السد الضخم بمواد أسمنتية خاصة تجعله صامدا ومقاوماً للتآكل، إلا أن المخاوف من الكارثة ما زالت موجودة.

العراق وكارثة الجفاف

ويواجه العراق منذ سنوات مصيرا كارثيا جراء الجفاف وشح المياه التي تراجعت كمياتها إلى مستوى ينذر باحتمال فقدان مياه الشرب، في ضوء انخفاض المخزون المائي الاستراتيجي إلى 7.5 مليارات متر مكعب للمرة الأولى بتاريخ البلاد، وفق ما أفادت به وزارة الموارد المائية.
ويعود سبب انحسار مياه دجلة والفرات إلى سياسات دول المنبع، حيث قامت تركيا ببناء العديد من السدود الكبرى فيما قطعت إيران أغلب الأنهار عن العراق، من دون التنسيق مع بغداد، وذلك ما أثر على استحقاقاتها التاريخية في النهرين اللذين تراجعت الإيرادات الواصلة لهما إلى أقل من 30 في المئة من معدلاتها الطبيعية، إضافة إلى قلة الأمطار في السنوات الأخيرة.
ومؤخرا كشف مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية والتنمية غلام اسحاق زاي بأن 90 في المئة من مياه نهري دجلة والفرات مياه سطحية ملوثة، وعلى العراق اتخاذ إجراءات عاجلة لمنع هدر المياه.
وأشار زاي في لقاء متلفز، أن «العراق واحد من الدول التي تعاني أشد معاناة من آثار احترار العالم والتغير المناخي، وتراجع مناسيب مياه نهري دجلة والفرات اللذين يعتمد عليهما العراق كان له أثر كبير، ولدينا إحصائية تخبرنا بأن نحو 37 ألف شخص هاجروا من مناطق في جنوب العراق وغيروا مواطنهم بسبب آثار التغير المناخي». ونوه زاي إلى أن «هناك إحصائية خطيرة تقول إن العراق سيفقد 20 في المئة من مياهه السطحية ومياه الأمطار بحلول العام 2050».
ويتفق خبراء الموارد المائية على إخفاق الحكومات العراقية بالتعامل مع ملف إدارة الموارد المائية وخاصة في مجال بناء السدود لخزن المياه. ولعلها مفارقة غريبة أن تذهب مياه الأمطار والسيول في العراق إلى الهدر وعدم الاستفادة منها في الوقت الذي يعاني البلد من جفاف كارثي أسفر عنه تقليص المساحات الزراعية وهجرة واسعة من الريف إلى المدن وخسائر كبيرة في الثروة الحيوانية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية