فرضت المقارنة بين انتخابات 2015 وانتخابات 1992 نفسها فرضا في بريطانيا لأن المحافظين حققوا قبل أسبوع انتصارا مماثلا لانتصارهم قبل حوالي ربع قرن. ذلك أنهم تمكنوا في كلتا الحالتين من مباغتة خصومهم، بل ومن إدهاش أنفسهم، بإحراز فوز مفاجىء، أي فوز معاكس للتوقعات التي ظلت سائدة إلى غاية يوم الاقتراع. فقد كانت استطلاعات الرأي العام طيلة الأشهر الماضية ترجح فوز حزب العمال بزعامة إد ميليباند تماما مثلما كانت استطلاعات عام 1992 ترجح فوزهم بزعامة نيل كينوك.
كانت هزيمة حزب العمال هذا العام ثقيلة، ولكن هزيمة «صناعة الاستطلاع» (كما يسمونها) كانت أثقل وأنكر. كانت استطلاعات الرأي العام خاطئة على طول الخط إلى حد أن خبراءها والقيّمين عليها قد تنادوا منذ ظهور نتائج الاقتراع الأولية إلى وجوب مراجعة مناهجهم البحثية ومعالجاتهم الإحصائية. إلا أن من الصعب الاطمئنان إلى أنهم سوف ينجزون. فقد سبق أن أظهروا الندامة قبل 23 عاما وأعلنوا العزم على تعهّد مواصفات «صناعتهم» بالتصحيح والتجويد. ولكن البادي أنهم لم يفعلوا، وإذا فعلوا فما نجحوا.
ولهذا كتبنا هنا، في «القدس العربي»، عام 1992 أنه «إذا كانت آفة الديمقراطية هي الرأي العام، فإن آفة الانتخابات هي استطلاعاته». والمقصود أن السياسة في الديمقراطيات الغربية صارت عطلا من المبادىء خلوا من الأفكار لأنه لم يعد لها من ديدن سوى تملق الرأي العام. وبما أن الرأي العام زئبقي أصلا، فإن السياسة قنعت بأن تسلم أمرها لتقلبات البورصة الديمغرافية والسوسيوغرافية طالما أنها تضمن استمالة أصوات الناخبين. ولذلك تجد، على سبيل المثال، أن «الأمهات العزباوات» (اللائي يربين أولادهن لوحدهن بسبب «انعدام» الآباء) وأن الشاذين والشاذات والثنائيين والمتحولين جنسيا (ما يسمى، اختصارا، الجيبيتي) يحظون باهتمام الساسة واحترامهم. لماذا؟ لأنهم يشكلون كتلا انتخابية فاعلة، ولأن الساسة لا يطيقون التفريط في أي صوت انتخابي أيا كان مأتاه. تلك هي الديمقراطية الغربية اليوم: إنها ديمقراطية الانقياد للرأي العام (بدل قيادته).
أما الانتخابات، فإنها صارت ضحية «التلوث الديمقراطي» الدائم الناجم عما تنتجه «صناعة» استطلاعات الرأي العام من استباق مستمر، بل شبه يومي، لقرار الإرادة الشعبية. وطالما ظل منطق التصنيع هذا سائدا، فإن الانتخابات تبقى رهينة الاستطلاعات سواء صحت أم لم تصح. في حالة الصحة، تنتهي الاستطلاعات بتحويل الانتخابات إلى مجرد “نبوءة متحققة بذاتها”. وفي حالة الخطأ، يتدحرج السؤال الديمقراطي من مستوى البحث عن مدى التطابق بين العلوم الاجتماعية وموضوعها (أي بين التوقع والواقع) إلى مجرد الحيرة شبه البدائية في ما يبدو من “كذب المنجّمين” والمتنبئين الأكاديميين. وما ذاك إلا أحد وجوه الحيرة ما بعد الحداثية في أمر هذه الحياة: أما آن لها أن تقلد الفن؟!
هذا بالنسبة لهزيمة الاستطلاعات. أما المقارنات الإعلامية بين مفاجأة انتصار المحافظين هذا العام ومفاجأة انتصارهم عام 1992 فإنها قد شملت كل وجوه التشابه والتخالف تقريبا، سوى وجه واحد نستغرب كيف طواه النسيان أو الإغفال. وهو أن المحافظين قد انتصروا هذه المرة رغم فتور حملتهم الانتخابية أو رداءتها. أما قبل 23 عاما، فقد كانت مفاجأة الفوز تتويجا لحملة انتخابية مشهودة قادها رئيس الوزراء جون ميجور باقتدار وصدق التزام. كان يقصد الأحياء الشعبية ويعتلي صندوقا خشبيا صغيرا (يسمى «صندوق الصابون») ليقف في الناس خطيبا، محاججا ومنافحا عن السياسات التاتشرية النيوليبرالية الصارمة التي جلبت على المحافظين من النقمة ما ظنت معه الاستطلاعات أن قد قضي الأمر.
كان للعنصر الذاتي دور بالغ عام 1992، حيث يرجع معظم الفضل في فوز المحافظين آنذاك إلى رباطة جأش جون ميجور وصموده. أما انتصار الأسبوع الماضي، فقد كان الدور الحاسم فيه للعوامل الموضوعية، وأهمها اثنان: صعود النزعة القومية في انكلترا ردا على سطوة النزعة القومية في اسكتلندا، وتأكد غلبة الحس اليميني-الوسطي على عموم الثقافة السياسية الانكليزية (في مقابل استمرار الطلب الشعبي على العرض اليساري في اسكتلندا). أما أبرز مظالم النظام الانتخابي البريطاني هذه المرة، فقد تمثلت في أن الحزب القومي الاسكتلندي أحرز نصف عدد الأصوات التي أحرزها حزب الاستقلال، ومع ذلك فاز الأول بستة وخمسين مقعدا في مجلس العموم بينما لم يفز الثاني إلا بمقعد واحد. دنيا!
٭ كاتب من تونس
مالك التريكي