تناولنا الأسبوع الماضي ظاهرة «الفراغ الحكومي والقانوني وأثره على المصريين».. وكانت النية معقودة على الدخول في تفاصيل الفراغ القانوني ووضع السلطة القضائية وما فيها من مشاكل، وتغيرت هذه النية بسبب إقالة وزير العدل.. وقد قيل أن الطرد تم لمخالفته الدستور.. وهذا ليس دقيقا. فالدستور الذي يهمش قوى وكتلا اجتماعية كبرى؛ يمثلون غالبية الشعب؛ يؤكد التمييز ولا ينفيه، وتتناقض نصوصه، فمرة ينص على المساواة، وأخرى يقر بالمحاصصة والتمييز.
وموقف الوزير المطرود من حرمان المتفوقين الفقراء من الحق في شغل وظائف معينة في الدولة.. ومنها وظائف النيابة والقضاء، فهذا ليس جديدا ولا بدعا من عندياته.. وموقفه يعبر عن ثقافة سائدة لأكثر من أربعة عقود.. والحكومة التي طردته إفراز لهذه الثقافة الفاسدة، ووزارات ما بعد ثورة 25 يناير من مخرجات هذه الثقافة كذلك. وحتى لو كان الدستور لا يأخذ بالتمييز نصا فهو يقره روحا، ولم يكن ليؤثر على وضع الوزير.. ولولا هبة الشارع، وحملة «الوسائط الألكترونية» ما كان قد طرد.. فقد عُين وفقا لشروط خاصة أنطبقت عليه.. واختياره لم يأت عبثا.. فمهمته مثل من سبقوه في تقلد المناصب، وملخصها إبعاد قوى التغيير عن المشاركة في الحكم، وخصم من حساب ثورتين عظميين اشتعلتا في ثلاثين شهرا.
وهذا الانحطاط العنصري مستقر من قبل الطرد؛ تُذكرنا به صورة الشهيد محمد عبد الحميد شتا؛ ابن الفلاح والأول على كلية الاقتصاد والعلوم السياسية.. والأول في مسابقة المرشحين للعمل ملحقا تجاريا في السفارات المصرية بالخارج؛ وصورته باقية محفورة في الوجدان الشعبي بعد أكثر من عشر سنوات من الوفاة.. التي كشفت انحرافا «فوق دستوري»، وغير أخلاقي.. سارت عليه منظومة الاستبداد والفساد والتبعية والإفقار؛ صاحبة الكلمة العليا في التحكم في وظائف الدولة وتوزيعها على «المحاسيب».. وسنت لنفسها قاعدة اسمتها «اللياقة الاجتماعية».. وقننت اختيار اللصوص للمناصب الكبرى وفق مبدأ «نجيب واحد يكون سرق وشبع»، فلا يحتاج لمزيد من السرقة.. وخضعت مصر لحكم «الشبعانين».. وقتها تناولت اللصوصية كمسوغ لاختيار المسؤولين.. وسألت من ذلك اللص الذي يشبع من الجلوس على مقعد المسؤول أو الوزير؟ وبدلا من تجريم السرقة ارتقى «السُّراق» أعلى المناصب!.. واعتُبر المنصب رخصة للسرقة ونهب ثروات مصر وأصولها؛ رغم أنف الدستور والقانون!.
وما قام به وزير العدل المطرود لم يأت خارج سياق ثقافة رسمية سائدة.. والدليل أنه تحدى الجميع وتمسك بموقفه المخزي، وادعى أنه «من أجل مصر»؛ أي مصر هذه التي تقبل بهذا الانحطاط العنصري؟.. ولننظر إلى الألقاب التي تُرسخ التمييز.. فرئيس الجمهورية صار صاحب فخامة، ورئيس الوزراء أصبح صاحب معالي، والوزير أضحى معالي، هذا غير باشا وبيك، وهانم وصاحبة عصمة وسيدة أولى، وهذه عقد؛ من يشعرون بالنقص وهم في أعلى المناصب؛ تعيد ألقابا ألغيت من خمسينات القرن الماضي.. وصدر بذلك قرار جمهوري؛ اختار لقبا واحدا لكل مواطنة ومواطن هو «السيدة» أو «السيد».. وكان بين النصائح التربوية المطبوعة على أغلفة الكتب والكراسات المدرسية؛ فكما كانت هناك عبارة «النظافة من الإيمان» كان معها «كلنا سيد في ظل الجمهورية».. وهذا التمييز الفاضح لم يجد اهتماما كافيا من أهل الفكر والأدب والتربية والتعليم والثقاقة والإعلام والدين؛ وهذا شجع على انتقال الرتب العسكرية والأمنية مع أصحابها إلى وظائفهم المدنية لتأكيد التمييز والنفوذ وتجاوز القانون!.
وللتمييز حواضن سياسية واجتماعية وطائفية ومذهبية وانعزالية وقبلية، ويوظفه أصحابه في الظلم والبطش والاستغلال. وجمعتني صدفة من سنوات تزيد على العشر مع بعض «الأثرياء الجدد»؛ بينهم مالك صحيفة كون ثروته من العمل في خدمة وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي حين كان رئيسا لجهاز مباحث أمن الدولة.. وتطرق الحديث إلى أعمالهم، وانبرى أحدهم يصب اللعنات على العمال باستعلاء واستكبار زائد.. وانفعل فقال: «هُمَّ عايزين منا إيه؟»، ورد على نفسه: «عليهم يشتغلوا ويحمدوا ربنا، وما فيش غير رغيف العيش وطبق الفول».. وأكثر من هذا «ضرب بالجزم».. وتركتهم يستعرضون عضلاتهم.. ووقعت الواقعة وكانوا كالفئران المذعورة واستعدوا للرحيل.. وحين زال الخطر استأسدوا ونسوا أن مصر تغيرت وتتغير!!.
مصر تغيرت بالفعل ومستمرة في التغيير.. وهو تغيير في العمق تقوم به «خلايا الشعب الصامتة»، أو بالتعبير الدارج «حزب الكنبة». وما زال داخل مصر وخارج مصر من لا يريد أن يصدق.. فما زالت تحكمهم قناعات عششت في عقولهم وأصابها صدأ وتمكن منها مرض لا شفاء منه، وما زالوا على حالهم في اعتماد المال والنفوذ والبلطجة في التخريب والنهب، وتمويل حملات سياسية وإعلامية، وتحريك الفتن وتزكية الصراعات، وهؤلاء ليس لهم في المعرفة والبحث والتدقيق.. ووقتهم مخصص للاستمتاع والتحايل والاحتفاظ بالامتيازات!.
وهم في وضع المتربص والمتصيد، وانتزاع الأحداث والتحولات من سياقها.. وما هم فيه نهاية حقبة؛ لها مقدمات وبدايات منذ أكثر من أربعة عقود، ومن تابع ما يجري في المنطقة، حتى وصل لاستهداف مصر لتركيعها وإسقاطها؛ يجد أن الاستهداف بدأ فلسطين ثم ثَنَّى بلبنان، ووصل العراق ووقع الباقي تباعا.
والمقدمات كانت واضحة من أواخر ستينات القرن الماضي.. وبدأت بصدام المقاومة الفلسطينية بالانعزالية اللبنانية، واعتداء القوات الصهيونية على بيروت؛ تهيئة للمسرح الإقليمي لصدامات الدم، فدمرت ثلاث عشرة طائرة مدنية نهاية شهر ديسمبر 1968، ووقع أول صدام لبناني فلسطيني في ربيع 1969. وتوالدت الصدامات البينية والحروب الأهلية؛ بأحداث «أيلول الأسود» في الأردن سنة 1970، ثم اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية في 1975.. واستمرت 15 عاما.. وكانت «اللبننة» استنساخا لـ»القبرصة»، وجاءت بدورها تقليدا لـ»البلقنة».. وقد عادت مرة أخرى مع انتهاء الحرب الباردة واستخدام أمريكا الأمم المتحدة لتقطيع أوصال الاتحاد اليوغوسلافي وتقسيم وسط أوروبا. وكان المد الانعزالي اللبناني نقطة تحول سرعان ما اتسعت ووصلت مصر؛ لتشهد أول فتنة طائفية في 1972!..
والوزير المطرود التزم بما استقرت عليه سياسة مصر الرسمية في عصر مبارك (الأب والابن والأم). وكلها مورست بالمخالفة لأحكام الدستور والقانون.. وصارت علاقات القرابة والمصاهرة والصفقات والمال والثروة والمحاسيب والأمن؛ صارت مصدرا للمكانة وأساسا للحراك المالي، وحلت محل التعليم؛ وقد كان أهم أسس للمكانة والتميز.
لعبت عوائد النفط دورا في استفحال ظاهرة التمييز، وتحولت وفرتها إلى لهب يحرق الأخضر واليابس؛ ويكتسح في طريقه البشر والحجر..
أما التمييز بين مواطن وآخر لأي سبب لا يقل خطرا عن نظام الفصل العنصري في فلسطين؛ يمنح كل الامتيازات للمستوطن اليهودي القادم من وراء البحار، ويسلبها من صاحب الأرض ومالكها الحقيقي، وديدن أي نظام عنصري أنه ضد طبائع الحياة، ويعادي منطق الحق والتاريخ.. فالمستوطن سيرحل في يوم ما.. والبنيان العنصري إلى زوال، كما حدث في الدول التي تحررت من المستوطنين وآخرها جنوب إفريقيا.. والبنيان الذي يميز مواطن على آخر أشد وطأة، ويحتاج إلى «ثورة ثقافية» حقيقية وجادة؛ تبدأ بالتعليم، وترفع الوعي وترتقي بالسلوك، وتعمل على تنشئة مواطن جديد؛ يمارس المساواة في حقوقه وواجباته، ويستظل بعدل اجتماعي كامل، وحياة كريمة له ولأولاده.
وطرد وزير العدل لا يصب في صالح الحكومة، إنما هو شهادة لصالح الشعب المنتفض ضد عنصرية وزير وانحطاط ثقافة، ويؤكد عمق التغيير، الذي طال الشعب، ويحتاج من الوزراء والمسؤولين أن يرتقوا إلى مستواه.
٭ كاتب من مصر يقيم في لندن
محمد عبد الحكم دياب