ذكرى نكبة فلسطين… مطلوب وقفة تاريخية

حجم الخط
9

حلت امس الجمعة الذكرى السابعة والستون للنكبة لتجد بعض الشعوب العربية غارقة في نكبات تاريخية لا تقل مأساوية عما عاناه الفلسطينيون من مجازر وتهجير في العام 1948.
وكما حصل دائما في مناسبات مشابهة، يجد الفلسطينيون أنفسهم امام اسئلة مصيرية صعبة، في ظل انسداد سياسي داخلي يكرس الانقسام، وتوحش للاحتلال والاستيطان أدى الى تفتيت جغرافي يستحيل معه حل الدولتين، ومحيط اقليمي يغلي بصراعات افقدتهم عمقهم الاستراتيجي، بل وكثيرا من الدعم الشعبي ناهيك عن الحكومي العربي.
وليس من المبالغة القول ان «النكبة التاريخية» تحولت الى نكبات مستمرة حتى اليوم، في غياب مشروع وطني يجمع الفصائل الفلسطينية، خاصة بعد وصول المفاوضات الى نهاية الطريق المسدود، وغموض مستقبل خيار المقاومة مع التكهنات حول اتجاه الى «هدنة طويلة» مع الاحتلال.
انه مأزق تاريخي يستلزم العودة الى المربع الاول، واعادة طرح القضية الفلسطينية بالاستناد حصريا الى جوهرها الحقيقي: شعب اعزل تحت احتلال عسكري يمارس التفرقة العنصرية والدينية. وينبني على هذا تلقائيا اعادة الاعتبار الى الثوابت الفلسطينية التي توارت عن خطاب البعض مثل حق العودة الى فلسطين التاريخية، وانهاء الاحتلال في كافة الاراضي التي احتلت في العام 1967 واولها القدس الشرقية.
اما الاتفاقات والمبادرات السياسية التي خدمت المصالح الاسرائيلية واسهمت عمليا في تصفية القضية الفلسطينية، واصبحت عبئا على الشعب الفلسطيني بعد ان فشلت حتى في توفير كسرة الخبز، فقد حان الوقت للاعلان عن الغائها. والمقصود هنا بالطبع اتفاق اوسلو ومبادرة السلام العربية، اللتين اصبحتا توفران غطاء سياسيا واخلاقيا وحيدا لاستمرار الاحتلال العسكري الاسرائيلي في الوقت الذي تعيد فيه دول غربية النظر في مواقفها تجاه اسرائيل عبر الاعتراف طوعا بدولة فلسطينية غير قائمة في الواقع.
ان الواقع المأساوي الذي يعانيه الشعب الفلسطيني اليوم يجعل قيادته مدينة له، من منطلق المسؤولية الوطنية، بوقفة تاريخية تصارحه فيها بحقيقة المأزق الذي وصلت اليه القضية، بعد الفشل المزمن لمسار اوسلو والمفاوضات الماراثونية، وتعثر خيار المقاومة المسلحة او الشعبية، وصعوبة تأمين الحد الادنى من القدرة على العيش الكريم. ويتطلب كذلك ان تعيد القيادة الفلسطينية امانة المسؤولية الى أهلها، اي الشعب الفلسطيني، ليقرر ما يشاء.
ولا ينبغي ان تكون هذه الخطوة مجرد وسيلة تكتيكية للحصول على مكاسب ضيقة مثل اعادة اموال او غير ذلك، بل ينبغي اعتمادها خيارا استراتيجيا، تنبني عليه خطوات غير تقليدية تستفيد من زخم التأييد الدولي الواسع للفلسطينيين في الكثير.
ولا ينبغي التقليل هنا من اهمية الضغوط الشعبية وما قد يترتب عليها من اطروحات قادرة على بث الرعب في اوصال الاحتلال، مثل الدعوة الى اقامة دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين، في اطار من التعايش السلمي بين مختلف الثقافات والاديان، ومحاكمة المسؤولين الاسرائيليين عن جرائم الحرب، والمقاطعة الاقتصادية والثقافية والاكاديمية لاسرائيل باعتبارها آخر دولة احتلال عنصرية في العالم.
اما بالنسبة للفلسطينيين فان الاوضاع لا يمكن ان تكون اسوأ مما هي عليه فعلا، سواء كانوا يعيشون داخل الخط الاخضر او خارجه، او في المخيمات والشتات. اما بالنسبة الى اسرائيل فانها ستقف عارية امام مجتمع دولي يشعر بالحرج فعلا من استمرار جرائمها، في وقت يرفع فيه شعارات حقوق الانسان والتعايش الديمقراطي السلمي.
ان اسوأ مايمكن ان تفعله القيادة الفلسطينية ان تسمح باستمرار هذه الأوضاع المأساوية بينما تشكلت في اسرائيل حكومة تعتبر الأشد تطرفا في تاريخها، ويتشكل نصفها اما من المستوطنين او اشد المؤيدين للاستيطان، ولا هم لها الا قضم ما تبقى من اراض في القدس والضفة، استكمالا لفصول النكبة.
فهل تتحرك القيادة وتنفذ تهديداتها بحل السلطة، وتحرك بالتالي المجتمع الدولي الذي لم يعد يقدم للفلسطينيين إلا الإدانات التي لا تعيد أي حق من حقوقهم.

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية