شطحات على أعتاب عالم جديد: «الوباء الراقص» ينتقل من ليبيا لتونس فالجزائر… وكيف يفتن كاتب سعودي الشباب!

لا يمتلك المتابع لشؤون العالم هذه الأيام غير الصبر والصمت أمام كثير النبؤات والتباشير بولادة عالم جديد على يد أكثر «رائد أعمال» (وقابلة على ما يبدو) إلهاما وإصرارا (وربما رعونة أيضا) في العالم، ولسنا نعلم أي قدر يرسم لنا في المنطقة العربية؟!
من النوادر التي يتداولها الباحثون كما المخيال الشعبي الفرنسي، قصة قرية في مدينة ستراسبورغ على الحدود الألمانية، التي أصيبت بوباء «راقص» سنة 1518. إذ استمر البعض في الرقص أياما طوال دون انقطاع، ولم يكن في إمكانهم التوقف، ما تسبب في موتهم. وتيرة تسارع الأحداث وحالات اللغط الكثيرة المثارة هنا وهناك، كثرة الأخبار وفظاعة بعض الوقائع، تجعلنا نستذكر قصة القرية الفرنسية مرغمين، ولكن السؤال: هل نحن أمام نهاية الوباء «الراقص» أم في بدايته؟

صحوة في ليبيا

كانت أول قرارات الرئيس الأمريكي ترامب، حين تولى الرئاسة لعهدته الأولى منذ ما يقارب العشر سنوات أن منع عديد البلدان، حيث يتواجد المسلمون كغالبية من دخول الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت ليبيا أول هذه البلدان، كما كانت ليبيا «حصان طروادة»، الذي سيوظفه في ثورته ضد الاتحاد الأوروبي وحلفه العسكري التاريخي.
المثير في ما شغل رواد «السوشيال ميديا» في المنطقة المغاربية في الأسابيع الأخيرة، والذين انقسمت آراؤهم حيال ساكن البيت الأبيض القادم، لم ترتبط كالأمريكيين، الذين اختاروا مختلف ممثليهم، بمصالح وانشغالات اقتصادية وأمنية بقدر عنتريات ومعارك «دونكيشوتية».
«طواحين الهواء» جعل لها وزير داخلية ليبيا عماد الطرابلسي في حكومة الوحدة الوطنية هذه المرة من «النسوة والفضاء العام» مادة، والغريب أنها كانت أول تصريحات من رجل مهم في البلاد، بعد الانتخابات الأمريكية مباشرة، التي تبدو ليبيا بظروفها السياسية الحرجة من بين المعنيين بها.
تلويح الطرابلسي بتفعيل «بوليس الآداب» في البلاد أثار موجة من الجدال داخل ليبيا وخارجها، مهددا النسوة اللاتي لا يخضعن لتعاليم «القبيلة» و»المعبد» التاريخيين بأسوأ العواقب (هن وكل من يتشدد لهن): حجاب في غير معاييره ممنوع، حب ممنوع، أرجيلة أيضا ممنوعة، أما السفر.. فممنوع كذلك. يحسب للرجل شيء من المساواة، فقد هدد الليبيين من الرجال ممن لا يخضعون لمعايير «جمالية» معينة بسوء المصير أيضا.
حد كتابة هذه الأسطر لا تزال تصريحات الطرابلسي تشغل رواد السوشيل ميديا، الوسائل نفسها التي اتهمه كثر في الداخل الليبي باستلهام «لغوها».
الوزير الذي طالب من لم يرضهم قراره بالذهاب للاستقرار في أوروبا، جعل كثرا يتساءلون عن جدوى تصريحه «الشعبوي». أكثر المتحمسين لقرار الوزير دعا له بالحماية من شرور الاغتيال لمواقفه الشجاعة، آخرون رأوا في الأمر بداية الصلاح والفلاح، المناوئون سرعان ما استذكروا التجربة الأفغانية، ورأوا في الأمر استلهاما لما يحدث هناك.
البعض طالب الوزير الاهتمام بمواضيع أكثر جدوى للمواطن الليبي. وتساءل كثر إن تشابهت الأمور على الرجل، الذي اختلطت عليه الشؤون بين الداخلية وأمور الدين.
قرارات طرابلسي «سمعت» على قول المصريين خارج ليبيا أقوى من داخلها. أثارت القرارات العنترية للوزير الليبي توجس التونسيين، وخوف أكثرهم عنصرية من اقبال متزايد للجيران على تونس «لينعموا» بحريات أكبر. استذكر أكثرهم انغماسا في الحياة الافتراضية ما عاشه بعض من مواطنيهم قبل أسابيع قليلة، حين قررت دوائر رسمية تصفية (رمزية) لكثر ممن يعرفون بـ«الأنفلونسرز» لأسباب أخلاقية أيضا، بل بأثر رجعي. ورغم التساؤلات وحالة الجدال الواسع الذي أثارته قضيتهم وسط التونسيين، إلا أنها لم تحل دون أحكام قضائية متفاوتة، استحسنها البعض في حين استنكر ثقلها آخرون.
أكثر التعليقات حماسا وتأثرا بقرارات الوزير الليبي كان رواد مواقع التواصل الاجتماعي الجزائريون أبطالها، إذ لم يكد «الطرابلسي» ينهي تصريحاته المثيرة حتى ضجت كبرى الصفحات استحسانا لخطوته، مطالبة بقرارات شبيهة في الجزائر. وجد أكثرهم حماسا البلد متأخرا «أخلاقيا»، مقارنة بدول الجوار التي تحقق سبقا، وتحرز تقدما رسميا بقرارات جريئة. الغريب أن الخطوات الليبية قد لاقت استحسانا بين جماهير النسوة، إذ راحت «بروفايلات» مؤنثة كثيرة تنغمس في موجات التهليل. التفاعل الإيجابي لم يمنع تعليقات مستنكرة، ومتحسرة عما آلت إليه الأمور في البلد الجار الذي يعيش ظروفا تزداد قسوة، هو المفتوح على أزمات أمنية غير مسبوقة.

فتنة الكاتب السعودي

خمسة عشر ألفا كان ذلك العدد الذي تداولته بعض وسائل الإعلام الجزائرية والكثير من الصفحات الجزائرية عن الحاضرين لحفل توقيع كتب الروائي السعودي أسامة المسلم، ضمن فعاليات معرض الجزائر الدولي للكتاب. الموعد الذي ضربه الكاتب لجمهوره الجزائري، دفع الجهات المسؤولة عن تأمين المناسبة لإلغائه بسبب مخاوف من حالات التدافع، وهو أمر تكرر مع الكاتب في كثير من البلاد التي زارها، كالمغرب ومصر وغيرهما، حيث يحظى بشعبية واسعة بين فئات معينة من القراء خصوصا اليافعين. أما في الجزائر فيكاد يكون عنوانا ل»تريند» اتفقت على ركوب موجته فئات مجتمعية متباينة جدا.
الرجل الذي كان مجهولا حتى أيام قليلة بين المحسوبين على الثقافة في البلد، سرعان ما حولوه وقودا لمحرقتهم، التي لم تهدأ ألسنة لهب سابقاتها بعد.
لم يستفق الجزائريون بعد (على السوشيال ميديا على الأقل) من اللغط الذي تسبب فيه فوز مواطنهم «كمال داود» ب»الكونغور» احدى أرقى وأشهر الجوائز الأدبية الفرنسية، حتى انشغلوا باسم آخر قادم من بلاد الحرمين هذه المرة.
وإن كان داود قد اعتاد إثارة الجدل في الداخل كما الخارج، إلا أن «المسلم» يظل مجهولا بالنسبة لطبقة مثقفة تدربت على تعليق المشانق الافتراضية، ورفعت من «احترافيتها» خلال الأشهر الأخيرة تحديدا.
بحث بسيط على مواقع التواصل الاجتماعي يجيب المتسائل حول واقع جماهيرية الكاتب السعودي، بل استبقت قدومه نداءات «شعبية» افتراضية جزائرية لضرورة تقديم صورة «مشرفة» عن البلاد، من خلال تجنب التدافع، وبعض التصرفات التي يحسبها البعض مشينة، وعلى طريقة الوزير الليبي، طُلب من الصبايا تحديدا تفادي بعض السلوكات كالإغماء والزغاريد! لكن كل ذلك لم يشفع للكاتب السعودي.
من الرواية «اللا أخلاقية» ( «هوارية» لانعام بيوض) وحتى «داود» «خادم النيوكولونيالية»، لم تستنزف قدرات الكثير من الأقلام الجزائرية، بل تبدو ذات قوة خارقة في إعادة شحن نفسها وإعلان «الحرب» (الافتراضية طبعا) على كل ظاهرة أدبية جديدة، كما تهويل كل جديد «عصي على الإدراك». من الغرائب التي أمكن متابعتها على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، تباكي كثر من الكتاب على عزوف القراء (المشترين) عن أجنحة من يعتبرونهم أقلاما عظيمة، في حين يركضون وراء شاب نكرة. البعض استنكر حالة تراجع في الذوق القرائي العام، الذي يجعل يافعين يقبلون على روايات «فانتازيا» على حساب الأدب الحقيقي (ما يكتبونه حقيقي، الباقي زائف). حنق كثير من الكتاب كان واضحا على استغلال بعض الأقلام الجيد لوسائط التواصل الاجتماعي التي جعلتهم يكسبون قاعدة جماهيرية.
من أكثر التعليقات غرابة على مرور «المسلم» بمعرض الجزائر للكتاب، كان تلويحا بإمكانية تسخير الرجل لـ«أعمال سفلى» كتلك التي يحكي تفاصيلها بين متونه، في حياته الخاصة ما يجعله يحصد كل هذا النجاح. لائحة غرائب الأدب والنشر طويلة في الجزائر، ويبدو أنها تزداد عجائبية، خصوصا في عجزها عن النظر إلى الواقع بغير منظار أيديولوجي متجاوز وعاجز حتى على محاورة زمنه، وضمائر أكثر التزاما بالإبداع ولا شيء غيره.

 كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية