الحرب متعددة الساحات التي دخلت سنتها الثانية، تراوح ببطء نحو النهاية. المشكلة أنه أفول بطيء في الساحة اللبنانية، لأن المفاوضات السياسية لا تتقدم، وبالتالي هناك حاجة لمواصلة المناورة بما يأتي معها من ضحايا. أما بقطاع غزة، فلا منحى يلوح لإعادة المخطوفين وإقامة حكم مدني بديل لحماس. في هذا الوضع، يعمل الجيش الإسرائيلي في كل من الساحتين الفاعلتين على تصميم “اليوم التالي” الأمني. من المهم الإشارة إلى أن إيران لم تقرر بعد، وذلك على ما يبدو عقب انتخاب ترامب إذا ما وكيف ستوقع علينا ضربة رد، ولهذا فإن ما سيحصل في ساحة إيران والفروع الأخرى لا يزال مفتوحاً، لكن صورة الوضع تتضح في لبنان وغزة والضفة أيضاً.
في لبنان، يعمل الجيش الإسرائيلي الآن على تحقيق ثلاثة أهداف عسكرية: الأول، ممارسة ضغط عسكري للمضي بتسوية بصيغة قرار الأمم المتحدة 1701 زائد. والزائد هو قدرة الجيش الإسرائيلي على فرض التسوية بقوة إذا لم يقم جيش لبنان واليونيفيل بمهمته. حزب الله الذي يمثله رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، يحاول من خلال حرب الاستنزاف التي يخوضها الآن على الجبهة الإسرائيلية الداخلية أن يمنع حكومة لبنان من تقديم تنازلات لإسرائيل ولتخفيف حدة الموقف الإسرائيلي، وأساساً في مسألة فرض تجريد منطقة التماس المجاورة للحدود وجنوب لبنان بعامة حتى الليطاني. 80 في المئة من منظومة الصواريخ والمقذوفات الصاروخية لحزب الله دمر، لكن لديه ما يكفي لجعل الملايين من سكان إسرائيل يهرعون إلى الملاجئ كل يوم. من ناحية حزب الله، هذا إنجاز يستنزف قوة الإرادة الإسرائيلية وقد يتسبب بتخفيف حدة مطالب إسرائيل في المفاوضات الجارية عبر الوسيط هوكشتاين.
مثلما في كل مرة، في مرحلة جديدة في الحرب، وأساساً إذا دار الحديث عن منطقة لم يناور الجيش الإسرائيلي فيها برياً، يدفع مقاتلونا ثمناً أعلى بالإصابات لقاء تحطيم قشرة دفاع العدو. حزب الله – الذي علم من الإعلام الإسرائيلي ومن إعلانات السياسيين بأن ليس للجيش الإسرائيلي نية للدخول إلى خط القرى الثاني – تمترس في هذا الخط، وشاهد قواتنا، وتعلم أساليب العمل ونظم خلاياه المقاومة في منازل القرى التي دخل إليها لواء غولاني أمس. لذا، نشأت في أحد الأماكن معركة داخل مجموعة مبان كمن فيها مخربو حزب الله لمقاتلي الجيش الإسرائيلي، وفي هذه المعركة، التي استمرت ساعات طويلة، قتل ستة مقاتلين من الكتيبة 51 وأصيب بعض آخر. سيصار إلى التحقيق في المعركة واستخلاص الدروس، لكننا قد نرى أنه كنتيجة لتقدم قوات الجيش، أن كمية إطلاق الصواريخ قصيرة المدى قلت.
تدمير “قرى الانطلاق”
قسم مهم من الجهد العسكري الإسرائيلي مكرس الآن لإحباط نوايا حزب الله، من خلال جباية ثمن متزايد بقصف سلاح الجو الذي يصبح أشد وأكثر تواتراً في الضاحية ومناطق أخرى مهمة للطائفة الشيعية، بل وبدأ الجيش أمس بتحريك القوات من خط القرى اللبنانية المجاورة شمالاً وغرباً نحو خط القرى الثاني كي يفهم حزب الله بأن كل يوم يمر تفقد الطائفة الشيعية المزيد من الأملاك والأشخاص، وأن حرب الاستنزاف التي يستخدم فيها حزب الله مئات المُسيرات المتبقية لديه، تجعل الشيعة في لبنان في نهاية الأمر يدفعون ثمناً باهظاً جسدياً وسياسياً. هذا كفيل على ما يبدو أن يؤثر أيضاً على مفاوض صلب ومجرب مثل بري، يقترب عمره من التسعين.
فضلاً عن جباية الثمن من حزب الله، والآخذ في التعاظم، يعمل الجيش برياً وجوياً بشكل مركز لأجل تدمير منصات الإطلاق ولا سيما الصواريخ قصيرة المدى التي هي السلاح الأساس المتبقي لدى حزب الله، وكذا زيادة نسبة اعتراض المُسيرات. العملية ضد المنصات تتم الآن على أرض لبنان ومن الجو، ويمكن التقدير بأنه في الأيام القريبة القادمة ستقل وتيرة إطلاق الصواريخ نحو شمال إسرائيل حتى خط حيفا وما وراءه قليلاً. في موضوع المُسيرات، طرأ في الأيام الأخيرة تحسن واضح لقدرة الكشف والاعتراض لدى الجيش. المشكلة الأساس هي أنه عندما تنجح مُسيرة في التسلل إلى منطقة مأهولة حتى خط الخضيرة، يجتهد سلاح الجو لاعتراضها بشكل لا تسقط وتتفجر بقلب البلدات. وبالتالي، فإن المُسيرات تنجح في الاختفاء والتملص من مروحيات وطائرات سلاح الجو وتنجح في الإصابة. لكن نسبة اعتراض المُسيرات في الأيام الأخيرة تحسنت جداً وتقترب من 90 في المئة. أما موضوع المنصات فلا يزال هناك عمل كثير للقيام به.
الهدف الثاني الذي يعمل الجيش الإسرائيلي على تحقيقه هو إعداد الأرض في لبنان “لليوم التالي” الذي يفترض فيه أن يمنع الجيش الإسرائيلي واليونيفيل أي وجود مسلح لحزب الله في المنطقة جنوب وغرب الليطاني، وبخاصة منطقة “قرى الانطلاق” الشيعية التي في الجانب اللبناني من الحدود والتي تحولت في معظمها إلى أهداف محصنة لانطلاق رجال قوة الرضوان نحو أراضي إسرائيل. أمس، كنت في كفر كلا، ورأيت كيف أنه بالتوازي مع كشف الثغور المؤدية إلى الخنادق أو إلى مخازن السلاح، يحرص الجيش الإسرائيلي على هدم كل بيت يمكن منه المراقبة والقنص بلا أي صعوبة نحو المطلة الموجودة تحت القرية تماماً، على مسافة بضع مئات من الأمتار. معظم هذه البيوت، التي تطل وتشرف على المطلة، كانت أيضاً قواعد لقوة الرضوان. هناك في الأعلى كان مراقبون يجمعون المعلومات الاستخبارية، ويتجمع في الخنادق والأنفاق المحفورة تحت البيت سلاح ووسائل قتال استعداداً للهجوم الجسدي على المطلة. كفر كلا اليوم لم تعد كما كانت قبل بضعة أسابيع. وأشار أحد قادة الكتائب في لواء 796، شارون زلينغر، رجل احتياط، أمس، إلى أن هذا كان له شرف بل وحتى رضا الوصول لتدمير ذاك البيت الذي شكل موقعاً أمطر منه حزب الله صواريخ مضادات الدروع ونار القناصة عليه وعلى قوته حين كان الجيش في حالة دفاع، قبل الخروج إلى المناورة البرية داخل لبنان.
أما الآن فالجيش يدمر تلك البيوت أو المواقع المحصنة، وذلك كي يوضح لأصحابها ولباقي سكان القرية بأنه ليس مجدياً لهم في المستقبل السماح لحزب الله في استئجار هذه البيوت واستخدامها.
رون بن يشاي
يديعوت أحرونوت 14/11/2024