لندن ـ «القدس العربي»: في الوقت الذي يعيش فيه المدرب الكتالوني بيب غوارديولا، أتعس أيامه منذ وصوله إلى القيادة الفنية لمانشستر سيتي، بسلسلة من النتائج الكارثية، وصلت لحد التجرع من مرارة الهزيمة في 4 مباريات على التوالي، كأول مرة يحدث فيها هذا الأمر مع الفيلسوف ومع النادي السماوي تحت الإدارة الإماراتية، يحدث العكس مع نظيره في ليفربول آرني سلوت، الذي يسير بالفريق بخطى ثابتة إلى الأمام، بعد نجاحه في تحقيق ما فاق توقعات أكثر المتفائلين في أول موسم بعد خروج المدرب الأسطوري يورغن كلوب، بقيادة الفريق إلى صدارة الدوري الإنكليزي الممتاز ودوري أبطال أوروبا، مع بدء العد التنازلي لفترة أعياد الميلاد في منتصف الموسم، والأهم النسخة الفاخرة التي يبدو عليها الفريق سواء في معاركه المحلية مع عمالقة الدوري الإنكليزي الممتاز أو الكأس ذات الأذنين بثوبها الجديد، كفريق يجمع بين القوة والصلابة الدفاعية وبين الحدة والشراسة في الثلث الأخير من الملعب، والسؤال الآن: كيف نجح المدرب الهولندي في إحداث هذا التأثير السريع والكبير على أداء ونتائج أحمر الميرسيسايد؟ على عكس أغلب التوقعات بأنه في أضعف الإيمان سيستغرق بعض الوقت من أجل ملء الفراغ الذي تركه الأب الروحي الألماني في قلعة «الآنفيلد»، على غرار ما حدث مع الغريم الشمالي مانشستر يونايتد في أول موسم بعد اعتزال الأسطورة سير أليكس فيرغسون.
صلعة عبقرية
يتذكر عشاق ليفربول في بداية الموسم، المشاكل التي كان يعاني منها الفريق، لعل أبرزها إخفاق الإدارة في التوقيع مع لاعب وسط بمواصفات الرقم (6) للموسم الثاني على التوالي، بجانب صداع رعونة المهاجمين بشكل مبالغ فيه في الثلث الأخير من الملعب، وبالأخص الثنائي اللاتيني داروين نونييز ولويس دياز، بخلاف علامات الاستفهام الكثيرة على أداء الظهير الأيمن ألكسندر أرنولد، وبالتحديد مهامه الدفاعية، كثغرة واضحة في الجهة اليمنى في الخط الخلفي، وأيضا إشكالية الاستقرار على ثنائية في محور قلب الدفاع، بسبب كثرة الإصابات التي يتعرض لها المدافع الفرنسي ابراهيم كوناتي، والتفاوت الكبير بين مستواه وجودته وبين البدلاء المتاحين بجانب قلب الأسد الهولندي فيرجيل فان دايك، كمؤشرات على أن أوضاع الدفاع لن تكون مطمئنة، على عكس التوقعات الكبيرة التي كانت معلقة على دفاع المنافسين الآخرين، وفي مقدمتهم مانشستر سيتي وآرسنال، اللذان يمتلكان العديد من الخيارات الأساسية والبديلة على نفس المستوى في مختلف مراكز الدفاع، ومع ذلك، تفاجأ عالم كرة القدم، بتحول ليفربول إلى واحد من أقوى الفرق التي تمتلك خط دفاع في البريميرليغ والدوريات الأوروبية الكبرى، متخلصا من لعنة لاعب الوسط رقم (6)، بإعادة إحياء مواطنه ريان غرافنبيرخ، على دائرة الوسط برفقة بطل العالم ماك أليستر، في وقت، كان عدد قليل جدا من مشجعي النادي يتذكرون اسم لاعب أياكس الأسبق، بعد قدومه من بايرن ميونيخ العام الماضي، في محاولة من يورغن كلوب، لزيادة خياراته في منتصف الملعب، ثم بعد ذلك، خرج من حسابات المدرب السابق، إلى أن جاء مواطنه سلوت ليعيد اكتشافه من جديد، بالاعتماد عليه في نفس مركزه القديم في «يوهان كرويف آرينا»، كحلقة وصل بين الدفاع والهجوم، من خلال استغلال قدرته على التحكم وتدوير الكرة والخروج بها بسلاسة من الخط الخلفي إلى وسط الملعب، مع امتياز في القيام بأدواره الدفاعية، بتطبيق الضغط المطلوب منه لاستراجع الكرة وتمريرها بشكل عمودي في التحولات السريعة من الحالة الدفاعية إلى الهجومية.
مرونة وتنوع
بالإضافة إلى حل أزمة لاعب الوسط المحوري، التي عانى منها كلوب الموسم الماضي، لأسباب تتعلق في المقام الأول لعدم قدرة ماك أليستر على تحمل ضغط الخصوم في وسط ملعبه في بعض الأوقات، يُحسب أيضا لسلوت نجاحه في خلق منافسة أقل ما يُقال عنها عنيفة في مركز لاعب الوسط الثالث (المهاجم)، ذاك المركز الذي استحوذ عليه المجري دومينيك سوبوسلاي في بداية الموسم، قبل أن ينقض عليه أحد اكتشافات أو مفاجآت الموسم كيرتس جونز، الذي تطور مستواه بصورة فاقت كل التوقعات، حتى بعد التحسن الملموس في مستواه في نهاية الموسم الماضي، ويتجلى ذلك في تفاهمه وانسجامه مع محمد صلاح ولويس دياز والمهاجم المتحرر نوعا ما هذا الموسم داروين نونييز، كلاعب مبدع خلاق للفرص والتمريرات السحرية في ظهر المدافين، وفي نفس الوقت، يقوم بدوره الدفاعي على أكمل وجه بجانب ثنائي الوسط ريان غرافنبيرخ وماك أليستر، وهذا ما يجعل وسط الريدز، يبدو وكأنه حائط صد يصعب اختراقه من الخصوم، على عكس الثغرات التي كانت مستباحة في تلك المنطقة في نهاية حقبة كلوب، أو بالأحرى بعد تجاوز الثلاثي السابق جوردان هندرسون وجيمس ميلنر وفابينيو مرحلة الذروة في مسيرتهم والاستغناء عنهم قبل عامين، ناهيك عن مرونته وأفكاره التكتيكية الإبداعية في الثلث الأخير من الملعب، والتي تعتمد في المقام الأول على الجماعية، وليس بالمبادرات أو الحلول الفردية الإبداعية، مع قدرة على توظيف المهاجمين على حسب كل مباراة، بتلك الطريقة التي أبدع خلالها في إرباك حسابات مدرب باير ليفركوزن تشابي ألونسو في مباراة دوري أبطال أوروبا الأخيرة، بإشراك دياز في مركز المهاجم الوهمي، وعلى يمينه صلاح وعلى اليسار كودي خاكبو، ورغم اختفاء اللاعب الكولومبي في أغلب أوقات الشوط الأول، إلا أنه خرج في النهاية بثلاثة أهداف (هاتريك) وجائزة «رجل المباراة»، وبالطبع هذه الحيلة التكتيكية لم تأت من قبيل الصدفة أو بضربة حظ، بل لاستغلال فارق السرعات بين دياز وبين المدافع الأخير للفريق الألماني جوناثان تاه، المعروف عنه إجادته في مراقبة نوعية المهاجمين الكلاسيكيين، وهذا تقريبا ما يفعله سلوت في كل مباراة منذ قدومه إلى «الآنفيلد»، بتطويع أسلحته في الهجوم كما ينبغي لاستغلال نقاط ضعف المنافسين، تحت شعار «الجماعية فوق الجميع»، كمدرب لا يعترف في قاموسه بفكرة أو نظرية فريق «النجم الواحد»، رغم وجود الملك المصري محمد صلاح، الذي يُعد هو الآخر واحدا من العلامات الفارقة في بداية سلوت النارية، بفضل تفانيه في تقديم أفضل ما لديه للفريق، بتسجيل 10 أهداف وصناعة مثلها في أول 17 مباراة، وذلك بعيدا عن حرب تمديد عقده مع النادي.
سقوط السماوي
واحدة من الأشياء التي ساعدت المدرب الهولندي على الانفراد بصدارة الدوري الإنكليزي، بهذا الفارق شبه المريح عن حامل اللقب في آخر 4 سنوات مانشستر سيتي ووصيفه في آخر نسختين آرسنال، ذاك السقوط المدوي والمفاجئ للنادي السماوي، لأسباب كثيرة، منها بحسب الأرقام والإحصائيات، تراجع نسبة تهديد الخصوم في التصويبة أو الغارة الواحدة بنحو 18% أقل من حيث الخطورة عن الموسم الماضي، بجانب التراجع الصادم في جودة الهجمات من المواقف البطيئة، والتي وصلت لنحو 50% مقارنة بالموسم الماضي، رغم أن السيتي من الفرق البارعة في خطف الخصم بلمسة أو اثنين من الحركة البطيئة، باستغلال الفوارق الفردية بين كيفن دي بروين وفل فودن وبرناردو سيلفا وبين المدافعين، لكن الواضح هذا الموسم، أن هذا الثلاثي لم يعد يبادر بتلك الحلول الفردية الإبداعية التي كانت تصنع الفارق في الأوقات الحاسمة، ونفس الأمر ينطبق على أرقام خط الدفاع، باستقبال على الأقل هدف من كل 5 محاولات من قبل المنافسين، مقابل 7 محاولات الموسم الماضي و8 في الموسم قبل الماضي، والسبب كما يعرف الداني والقاصي، للتراجع الملموس في مستوى كل المدافعين بدون استثناء، وما ضاعف من معاناة الفريق غياب رودري، الذي كان يساعد في سد الفجوة الكبيرة بين الدفاع وخط الوسط، خصوصا في المباريات التي خطفها السيتي بشق الأنفس في بداية الموسم. وفوق كل ما سبق، يعيش بطل البريميرليغ آخر 4 سنوات وصاحب ثلاثية 2023، حالة من التشبع والاكتفاء بالبطولات والإنجازات، وهذا يبدو واضحا في تراخي اللاعبين في بداية كل مباراة في عطلة نهاية الأسبوع، حيث يشعر كل من يشاهد مباريات السكاي بلوز في الأسابيع الماضية، وكأن لاعبيه يحتاجون ربع أو نصف ساعة من أجل الدخول إلى أجواء المباراة، والحل؟ أن يبحث المدرب بيب غوارديولا عن دوافع جديدة للاعبين من أجل تحفيزهم على اللعب بروح أكثر قتالية في قادم المواعيد، بجانب بعض التعديلات الجوهرية، منها على سبيل المثال، إيجاد طريقة ما لحل إشكالية هشاشة خط الدفاع، ولو بالعودة للعب بثلاثة مدافعين في الخط الخلفي، كما فعلها في موسم الثلاثية التاريخية، وأيضا التحدث مع السحرة والمبدعين وبالأخص دي بروين وفودن وسيلفا، حتى يعودوا في تقديم الإضافة المطلوبة منهم في الثلث الأخير من الملعب بجانب الوحش الاسكندينافي المتخبط هذا الموسم إيرلينغ هالاند، فهل يا ترى سيستمر سلوت في خطف الأضواء من غوارديولا؟ أم أن الأخير يُحضر لريمونتادا تاريخية في النصف الثاني من الموسم كما فعلها من قبل مع كلوب وتلميذه آرتيتا؟ دعونا ننتظر ما سيحدث.