ppيفرد مشروع كتاب في جريدة عدده الحالي (الاربعاء 7 تشرين الأول) لنصوص سردية للشاعر الاردني أمجد ناصر بعنوان ‘البحث عن أبي عبد الله الصغير’ ويقدم رسوم العدد الفنان الاردني البريطاني أنس نعيمي. بعض نصوص أمجد ناصر في هذا العدد مستقاة من كتابه ‘خبط الأجنحة’ وبعضها من كتابه ‘تحت أكثر من سماء’ إضافة الى نصوص جديدة لم تنشر من قبل هذا ويذكر الكتاب العدد سينشر في 26 صحيفة عربية في وقت واحد اليوم منها ‘القدس العربي’.pppفنان العدد أنس النعيمي من الفنانين الشباب، ولد عام 1984 ودرس الفن التشكيلي في amberwell University o the arts في لندن حيث يقيم. شارك أنس النعيمي في أكثر من معرض للفنانين الشباب في لندن وأسهم في عدد من الانطولوجيات الخاصة بفن الكوميك. يكتب ويرسم قصصه المصورة في انفتاح على فضاء المدينة الغربية الحديثة والخيال السردي الذي يستمد بعض عناصره من الواقعية السحرية، يمتاز بقوة خطوطه وجرأتها. في تعاونه مع سرد أمجد ناصر المكاني يذهب الى منطقة جديدة في عمله ويستوحي هندسة قصر الحمراء في غرناطة معتمدا على مبدأ تكرار الوحدات الهندسية في الزخرفة العربية الاسلامية. لرسوماته المنفذة بالحبر ملمس مائي يعيد تجسيد المجرد في حلة شفيفة. تمكن كذلك ملاحظة بحثه عن تصور لأبي عبد الله الصغير في الرسمة التي استوحاها من لوحة لآخر ملك عربي في اسبانيا محفوظة في متحف الاسكوريال في مدريد. صورة غائمة لملك تكتنفه آراء متضاربة. قدم للعدد الجديد من ‘كتاب في جريدة’ الناقد العراقي المعروف حاتم الصكر بهذه الكلمة التي ننشر نصها الكامل هنا:يتمدد الإحساس بالمكان لدى أمجد ناصر من شعره إلى نصوصه النثرية التي وصف أولها خبط الأجنحة (لندن 1995) بأنه أدب رحلة، معيدا إلى الذاكرة المنجز الشحيح في العربية لهذا النوع الادبي المهمش، ليشفعه بآخر غير بعيد الدلالة عن الموقف الفضائي في نص الرحلة هو تحت أكثر من سماء (أبو ظبي 2002) مقتربا بذلك من الجانب الأثيري في الاحتكاك الظاهراتي بالمكان، والعكوف على تأمل مفرداته وتفاصيله . فالأجنحة تذهب بالكاتب وقارئه بالضرورة لأكثر من سماء كناية عن الحرية التي يهبها ما يطرأ في الأسفار من تعرف وكشف، وما يرافقها من مفارقات تسببها متغيرات الثقافة والعادات والرؤى المتقاطعة.كثير من نصوص الرحلة المعاصرة المنطلقة من رؤية تحديثية تجعل السفر فعلا لازما، بمعنى أنه ذوهدف خال من المقصد النفعي. إن جمالياته كما في نصوص هذه المختارات من مشاهدات أمجد ناصر تتعمق في طبقات المكان الزمنية والبشرية ومشاهده البصرية. ودوما تكون الذات هي المقياس الذي يشكل جغرافيا تلك الأمكنة وذاكراتها، فتكون الأمكنة والمشاهد البصرية مناسبة لتذكرات تستثيرها كسر وتفاصيل ومشاهد مما تلتقط عينا الكاتب وتعود بها إلى مخزن الذاكرة.. فكما للمكان ماض يحضر عند مشاهدة حاضره ويأتي محفوفا به (غرناطة مثلا وواقعة تسليم أبي عبدالله الصغير مفاتيحها دامع العينين) كذلك للذات تقابلاتها بين وعي قائم ينجز فعل الرصد والمشاهدة، وآخر قادم من ماض تستدعيه الذاكرة، شرفات البيوت والمساكن في نابولي والثياب المعلقة بمشابك على الحبال، واستدعاء أمجد ناصر لتلك الشرفات التي غادرها في الوطن حيث تتدلى الثياب في محفل الشرفة مكتظة بروائح البيت وأهله.وهنا يعاين الكاتب مع قارئه ما يمكن تسميته بجماليات الشرفة، شرفات كهذه نادرة في مدن الشمال الأوروبي وإن وجدت فهي للزينة فقط، بينما الشرفة في نابولي، بحسب تقديم أمجد ناصر لقارئه (كما هو الشأن في مدن المتوسط العربية) هي طراز حياة. ‘للشرفات حياة كاملة. الذين يقيمون في بيوت ذات شرفات، أو برندات، يعرفون ما أقول. ففيها تشرب القهوة في الصباح، وينشر الغسيل بألوانه المتضاربة، ومن تجاورها، جنبا لجنب، أو اطلالتها، على بعضها بعضا، يتناقل الجيران أخبار الحي وتفشى أسراره المعلنة، ومنها تبدأ أولى خفقات القلوب الصغيرة وتضرب المواعيد وتفوح روائح الطعام (…) كل شيء، تقريبا، يحدث في الشرفات: الأكل، الشرب، السهر، البصبصة، النميمة المنعشة، الكتابة لواحد مثلي!.’ العين، كما يرينا المقتطف السابق، تشتغل باتجاهين: شرفات المتوسط التي تمثلها بيوت نابولي ومساكنها، وتلك التي تستدعيها الذاكرة من مدن الشرق التي عاش فيها الكاتب ورصد فضاءاتها وما تمثله الشرفات من دلالات ثقافية. اللحظة التي تعيشها الذات، هنا، لحظة ظاهراتية بجدارة، فهي تسقط وعيها وإدراكها وشعورها محفوفة بوجود تلك الشرفات التي تتمدد لتكون إشارة نابضة بالجمال المرصود، وبلغة تقترض من خبرة أمجد ناصر الشعرية، وتجربته في كتابة القصيدة الحديثة وقصيدة النثر تحديدا بإيقاعاتها المتنوعة وصورها وطاقة السرد وإمكاناته فيها.ما نقرؤه هنا مقدم بلغة فائقة الحساسية، منتقاة برهافة يتجاور فيها المجاز والتمثيل اللغوي المجرد ويتآزران لتمثيل مشاهد تنضح بالحمولة الشعرية فلا يحس القارئ برتابة أو نسقية، تطبع، في الغالب، هذا النوع من الكتابة عن المكان في أدب الرحلة المألوف الذي يقدم ريبورتاجات وتعريفات جغرافية للأمكنة . يطلق الشاعر عباس بيضون على أمجد ناصر وصف ‘سندباد بري’ وهو يقدم أعماله الشعرية (بيروت 2002) ليذكرنا بسندباد آخر هو المروي له الذي كان السندباد البحري في ألف ليلة وليلة يقص عليه غرائب رحلاته السبع وعجائبها.ولكن هذا الوصف في ظني منزاح من كتابات أمجد النثرية في نصوص الرحلة التي يكون فيها هو ذلك السندباد ولكن الراوي المتموضع على بر المدن وفي طبقات وجودها الثقافي والحضاري. ولما كان الكاتب غير قادر على فك ذاته الشعرية عن رؤية المكان والوعي به نجد في أحيان كثيرة موضوعات مما عالجها أمجد ناصر شاعرا تتسلل في مشاهدته راصدا للأمكنة، ومتأملا في دلالاتها، ومتعقبا أثرها الجمالي في التلقي، معيدا تشكيلها من مزيج الخيال والذاكرة والبصر. يهدي أمجد ناصر مثلا ديوانه مرتقى الأنفاس (بيروت 1997) إلى أبي عبدالله الصغير في زفرته الأخيرة ممثلا مشهدا تاريخيا لتسليم غرناطة وتوديعها، مستشهدا بعبارات من أراغون وأيرفنغ تصور المجلس الأخيرلعبدالله، وهو يفكر وتنساب دموعه بعد أن يشاهد عاصمته وهي تختفي عن ناظره على الأبد. وسيحصل مثل هذا في تأملات أمجد ناصر في أفياء غرناطة وسواها من المدن في هذه النصوص التي لا تحرك الحنين إلى الأندلس فيها عصبيات أو أوهام عن دول دالت في عالم يتغير ويتحول فيه كل شيء، بل هي نعي لتلك اللحظات التي عاشها في المكان بشر تنفسوا هواءها وأطلقوا زفراتهم متحسرين على حياة كاملة تغيب، قبل أن يلاقوا المصير المأساوي الذي يجسده ما سيحل بالمورسيكيين بعد زوال الدولة في الأندلس والمغرب.في إحدى تداعيات أمجد ناصر ما يؤكد الوعي الحضاري بالمكان لا بدافع ماضوي فحسب، فهو – في مدن إيطاليا- يتذكر أولئك السياح الإيطاليين المسنين وهم يتأملون بحنين وإعجاب آثارهم الرومانية في المكان العربي (الأردن)، فيغدو الحنين إلى الماضي عبر الأطلال تقليدا إنسانيا ليس وقفا على العرب وحدهم، ولكن أمجد يلاحظ ساخرا أن العرب هم الوحيدون الذين يبكون على تلك الأطلال! في تأملاته المكانية لا يبدأ الكاتب من كليات أو وقائع مدوية، فقد يأخذنا من وصف غرفته في الفندق إلى ساحات المدينة ومعالمها، وقد يبدأ زمنيا من لحظة الشروق التي لا يراها كثيرا في معتزله (أو منفاه) اللندني الطويل، المهم في هذا النوع من النصوص أن الكاتب يطلق أجنحته في أكثر من سماء ويدعها تحط به حيث يشاء البصر المنقاد للحظة وعي بالمكان، وتشكيل له من مؤثرات مختلفة، الشرط الوحيد المتحقق فيها هو الاندماج حد الامحاء بالمحيط حيث يحس الكاتب بأنه لم يعد بينه وبين محيطه حاجز وأنه جزء مما يرى ويسمع ويشم ويحس فيعطي تلك اللحظات التمثيلية للمكان حميمية نفتقدها في كثير من الكتابات التي يقوم بينها وبين الأمكنة حواجز ثقافية أو لغوية. صحيح أن تأملات أمجد ناصر لم تأت في مناسبات سياحية خالصة يتفرغ فيها للمشاهدة، ولكنه يحولها (وهي مناسبات قراءات شعرية غاليا أو زيارات ثقافية) إلى مناسبات تأملية دون أن يقع في وهم أن الشعراء هم المحتفى بهم فقط في المدن التي يقرؤون فيها أشعارهم، فهو يهرع إلى الخارج ليرى البشر ويسمع نبض المكان ومظاهره، ولكن تبقى للشعراء حصة (سيجدها القارئ في النصوص) تكشف الكثير من عاداتهم الشعرية وصلاتهم باللغة والشعر، ورؤيتهم للكتابة، ووجودهم في الثقافة العربية أيضا.كيف يعيش الناس وينامون بجانب بركان نائم وكيف تغدو للجبال هيئة الغامض في الليل والمهيب في الصباح ومن يسير هذه الحياة التي لا تني تعج بالبشر ويضجون بها تلك تساؤلات المعرفة في نصوص الرحلة كما ستؤكدها القراءة، وكأنها قراءة على قراءة أمجد ناصر العذبة والشاعرية للأمكنة.88