الأيام تمر. مر أكثر من 13 شهراً على الحرب، ولا يزال الـ 101 مخطوف يذوون في أنفاق غزة وظلمتها. قائمة الضحايا والجرحى تمتد. يتعاظم لدى الجمهور إحساس بأن ميل هذه الحكومة الهاذية هو دفع الجيش الإسرائيلي إلى “الاستيطان” في القطاع، وإدارة حكم مدني هناك، وإعادتنا إلى السنوات اللعينة التي حكمنا فيها القطاع وأقمنا فيه مستوطنات بثمن دموي باهظ.
إن الواقع الحالي في قطاع غزة الخرب هو فقد حماس أكثر من 80 في المئة من قدراتها. أغلبية قادتها وترسانتها من السلاح جرى تصفيتها، وهي لا تتصرف كجيش منظم. وقادة حماس الميدانيون الناجون يحاولون خوض حرب عصابات بتجنيد شبان غزيين مقابل المال في مهمة ستتعاظم كلما واصل الجيش الإسرائيلي البقاء في القطاع. معظم الشعب يتطلع لوقف القتال وبعض الهدوء. تبث أن الحكومة مستعدة للسير إلى اتفاق مع حزب الله على خروج من لبنان مع إمكانية دخول متجدد في حالة خرق الاتفاق من قبل حزب الله. لكن في قطاع غزة، حيث لا مشكلة للدخول مرة أخرى في حال رفعت حماس رأسها، تعارض الحكومة اتفاق وقف القتال الذي يعيد مخطوفينا.
مسموح السؤال “لماذا؟ اتفاق كهذا يفترض أيضاً تحرير مخربين من السجون في إسرائيل، ما سيهدد بقاء الحكومة بسبب معارضة بن غفير وسموتريتش، اللذين لم يكن المخطوفون على رأس أولوياتهما ذات مرة، لأن استئناف الاستيطان في “غوش قطيف” عندهما أهم. بات الشتاء هنا، والمعنى هو ترد إضافي في وضع المخطوفين ممن نجوا طوال 13 شهراً المنصرمة. كما أن الشتاء خطر على صحة مليوني غزة يسكنون الخيام في ظروف قاسية. وباء يسقط آلاف الضحايا بين سكان غزة سيثير ضدنا غضباً هائلاً في العالم، الذي يتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية.
قطاع غزة ليس حماس ولا الجهاد الإسلامي، فهناك منظمات جريمة ثقيلة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمجرمين البدو في شمال سيناء ممن تعاونوا طوال سنين وكانوا مسؤولين عن معظم التهريبات إلى القطاع من مصر. من هنا، استمرار وجود الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة قد يصطدم ليس فقط بإرهاب حرب العصابات، الذي نرى شراراته منذ اليوم، بل أيضاً بإرهاب منظمات جريمة ستحاول استغلال هذا الواقع لتعزيز مكانتها في القطاع. على خلفية الضائقة الاقتصادية، قد يؤدي الأمر إلى موجة كبيرة من جرائم الممتلكات في بلدات الغلاف. وهكذا سيضطر الجيش الإسرائيلي للدفاع عن بقائه داخل القطاع المعادي بقوات لا بأس بها، بل وسينصب قوات ذات مغزى حول القطاع لحماية بلدات الغلاف. ولم نذكر بعد الملايين التي ستستثمر لأجل توفير العلاج الطبي الأولي، التعليم الأولي، الكهرباء، المياه، النظام الأساس لمليوني غزة في منطقة واسعة معظمها مدمر. فهل أجرى أحد ما في الحكومة هذا الحساب؟
نشرت “وول ستريت” مؤخراً بأن حماس وفتح توصلتا إلى توافق على إقامة لجنة غير سياسية من التكنوقراط الفلسطينيين ممن لا ينتمون لأي من المنظمات؛ لإدارة قطاع غزة وتوزيع المساعدات الإنسانية. هذا هو الحل الأفضل في هذا الواقع؛ فهو سيسمح للجيش الإسرائيلي بالدخول إلى قلب القطاع في أي لحظة، ويعيد المخطوفين والجيش إلى الديار. ويتيح لنا إعادة تنظيم أنفسنا حول القطاع، ويبقي الهاذين مع أحلام العودة إلى “غوش قطيف” في أحلامهم.
أفرايم غانور
معاريف 18/11/2024