الكاتب الفرنسي- الجزائري الفائز بغونكور كمال داود
بات حصول كمال داود على جائزة غونكور، رغم أهميته واستحقاقه لها، خبراً ثانوياً أمام الهجوم المستمر على الكاتب الفرنسي – الجزائري، خصوصاً من أبناء بلده. كل يوم هناك كومة من الشتائم والاتهامات بالتصهين والعمالة والخيانة وممالأة خط الجائزة.
ولا ندري إن كان أحدٌ يستطيع أن يقدم للجمهور الحائر تلخيصاً لذلك الخط، هل من وصفة محددة؟ هل تُصدر الجائزة بيانات سياسية، ألا يتبدل الأمر من سنة لأخرى، من لجنة إلى سواها!
بعد كل ذلك، يواجه الكاتب اليوم قصةً أفظع، مع ظهور شابة جزائرية على شاشة التلفزيون لتعلن أنها هي بطلة الرواية المقصودة.
إلى هذا الحد ليست الحكاية بفظاعة الاتهام اللاحق، فلطالما أخذ الكتّاب موضوعاتهم من الحياة، وغالباً ستكمن المهارة بتمويه الشخصيات ومواراتها جيداً وراء أسماء وملامح وأمكنة وكلمات مغايرة. بل وأكثر من ذلك: في النتيجة، قد يكون من حظّ الكاتب الذي يدّعي التخييل أنه قد جاء من يؤكد صلةَ روايته بالواقع، فلطالما عوّل كتّابٌ ودور نشر وأفلام سينمائية على الرواج الذي يمكن أن تحقّقه عبارة: «مأخوذ عن قصة حقيقية».
الظهور التلفزيوني الساطع لصاحبة الاتهام يشي بأنه ليست الخصوصية وحدها هي الغرض من هذا الهجوم الجديد. ولو أن كل ذلك لا ينقص من فداحة إفشاء سرّها الطبي
لكن غالباً ما يأتي الجدل، والمرافعات القضائية في هذه الحالة، متعلقاً بمقدار الإساءة والتشهير والفضح، الأمر الذي يُستبعد أن يكون مع رواية كمال داود التي همّها الدفاع عن نساء الجزائر، وكان هذا الهم وراء اختيار رَاوِيةٍ امرأة لتحكي حكاية «حوريات».
كيف تُحكى الحكاية
جزء من النقاش ذهب في اتجاه إدانة الكاتب على أنه ليس هو من اخترع شخصيات وأحداث الرواية من مخيلته، كما يزعم، معتبرين أن مجرد ذلك إدانة، بمعنى أنه لم يبدع، والشخصيات موجودة في الواقع! وكأن مجرد العثور على قصة وشخصيات كافٍ ليكون اختراعاً أدبياً يستحق غونكور، وهذا جهل كبير بالعملية الإبداعية، فالأمر كلّه كيف تكتب الحكاية، ولطالما كانت الموضوعات مطروحة للجميع في الطريق. سؤال «كيف تحكى الحكاية» هو الصنعة كلها، وليس أدلّ على ذلك من أنك إن فسحت لصاحب القصة نفسه أن يكتب لن يتمكّن من الوصول إلى النتيجة التي يبلغها الكاتب المحترف. ولو أعطيت الحكاية لعدد من الكتاب لحصلت على عدد متنوع من النتائج، يناسب ثقافة وغنى وأسلوب وقاموس كل من كتّابها.
عند هذا الحدّ سنكون أمام نقاش متجدّد حول الفن والأخلاق، الفن والأدب عندما يستغلان المأساة لبناء مجد شخصي. يظهر خصوصاً مع المصوّرين أثناء الحروب، فلطالما وجد الناس أنفسهم أمام صور مؤلمة يتساءلون لماذا لم يتدخل المصور، عندما يحتمل الحال التدخل! أن تنقذ طفلاً وتخسر، ويخسر العالم الصورة، لكن الصورة في إمكانها هي أيضاً أن تنقذ حياة الملايين، على الأقل هذا ما يمكن أن يأمل به المصوّر.
وربما كانت الصورة الشهيرة للطفلة الفيتنامية الناجية من قنابل النابالم مثالاً معروفاً ومكرراً، وكذلك صورة الطفل السوداني والنسر. فهل كان على المصور المساعدة بدل التقاط الصورة؟ وهل سيُعتَبر المصور مُستغلاً لِمأساة للحصول على جائزة؟
سعادة عربان
لكن المشكلة هنا مضاعفة، فحسب سعادة عربان، وهذا هو اسم السيدة التي تقول إنها صاحبة الشخصية الأصلية، أخذ الكاتب الحكاية من زوجته، طبيبتها النفسية منذ سنوات، والتي طلبت، حسبها، من مريضتها أكثر من مرة السماح لداود بكتابة حكايتها، دون جدوى، إذ ظلت الشابة الجزائرية ترفض أن «يشار إليها وإلى قصتها»، كما تروي لبرنامج تلفزيوني على قناة «وان» الجزائرية، شوهد على نطاق واسع، ثم ألحق بحلقة نقاشية في البرنامج نفسه، أجمع ضيوفها تقريباً على خطأ داود وزوجته الطبيبة النفسية.
تتناول رواية «حوريات»، بحسب تلخيصات صحفية إثر فوز الكاتب بغونكور، فترة الإرهاب في الجزائر، أو ما يعرف بالعشرية السوداء، وتحكي قصة أوب (فجر)، التي تتعرّض وهي طفلة لاعتداء الجماعات الإرهابية، فتفقد النطق، لكنها تريد مع ذلك أن تروي لطفلتها المنتظرة مأساتها، لتكون الرواية بمثابة شهادة حية على الأحداث الدامية التي عاشتها الجزائر خلال تلك الحقبة.
في مقابلتها التلفزيونية، تحاول عربان أن تثبت، بمساعدة زوجها، أنها هي بطلة الرواية المقصودة، وتجهد في تقديم عدد من الإثباتات والعناصر المشتركة، من الإشارة إلى الوشوم في جسدها (تعرضها بالفعل على الشاشة)، صوتها المفقود، الكلام عبر جهاز، علاقتها برياضة الفروسية، كونها متبنّاة، وقبل كل ذلك تتحدث عن فترة علاجها عند زوجة الكاتب، وبعض المراسلات بينهما، ومحاولة إغرائها بفيلم مستقبلي عن الرواية، وخلافه.
اللافت هنا أن السيدة تظهر بوجهها الصريح، رغم أن مشكلتها مع كتابة رواية عنها أنها لا تريد أن «يشار إليها»، ولكنها هنا تُظهر ما حاولت الروايةُ، على ما يبدو، تمويهه، ما يوحي بأن ذلك يأتي في إطار موجة الهجوم الكبير التي تستهدف الكاتب. ولا يجب أن ننسى أن الشابة تخضع لعلاج نفسي، أي أننا قد نكون أمام احتمال رواية مضطربة، لماذا علينا أن نصدّق!
والشابة لم تُخفِ أنها لم تعلم بما في الرواية إلا بعد اتصالات من أصدقاء، مع العلم أن الكاتب أهدى إليها الرواية، الصادرة قبل حوالى العام، بإمضائه: «كثيراً ما أنقذت بلادنا نساء شجاعات، وأنتِ واحدة منهن. مع إعجابي». وما دام الكاتب قد أهداها روايته فلا بد أنه سيفترض أن السيدة ستقرأها، وهنا يُظهِر الكاتب نية حسنة، لا مجال فيها للغدر والتحايل والاستغلال.
في النهاية ما سيبقى هو الرواية التي استحقّت ختم غونكور، تماماً مثل الصورة الفوتوغرافية التي استحقت ختم جائزة بوليتزر
غير أن ظهورها التلفزيوني الساطع يشي بأنه ليست الخصوصية وحدها هي الغرض من هذا الهجوم الجديد. ولو أن كل ذلك لا ينقص من فداحة إفشاء سرها الطبي، إن صحّ، من قبل زوجة الكاتب. هذا بالذات لا يمكن التسامح معه.
اختفاء الكاتب
لم يَظْهر الكاتب على أي موقع ليوضح ما جرى، وكما يشير البرنامج فهو لم يستجب لبريد إلكتروني يطلب منه المشاركة والرد، وبالتالي سيظل أحد وجوه الحقيقة غائباً. لماذا نستبعد هنا أن الكاتب يريد حقاً أن يكون رؤوفاً ببطلته «الشجاعة»، فلا شك أن عنده ما يقوله، ولا يعقل ألا يكون قد حسب حساب ساعة الحقيقة هذه.
في النتيجة، ستمضي الحادثة، وستتوصل الأطراف إلى تسوية ما؛ دعوى قضائية، دفع تعويض، وقد يستمر الجدل شهوراً، وقد يتذكر الناس ذلك لسنوات، في النهاية ما سيبقى هو الرواية التي استحقّت ختم غونكور، تماماً مثل الصورة الفوتوغرافية التي استحقت ختم جائزة بوليتزر، والتي مات جميع أبطالها؛ المصوّر المنتحر كيفين كارتر، والطفلة السودانية التي قضت بالحمى بعد سنوات على الصورة، وحتماً النسر، وبقيت الصورة خالدة في ألبوم التاريخ والوجدان.
ما دام الكاتب قد أهداها روايته فلا بد أنه سيفترض أن السيدة ستقرأ حكايتها، هنا يُظهِر الكاتب نية حسنة، لا مجال فيها للغدر والتحايل والاستغلال
لا نحسب أن دعوى قضائية، وإن ربحتها سعادة عربان، ستقلل من استحقاق كمال داود للجائزة. الخسارة الكبيرة ستكون، ومرة أخرى إن صحّت رواية الشابة الجزائرية، هي في ثقتنا بالطب النفسي، فنعرف جميعاً أن الهوة ما زالت واسعة ليقتنع المريض من الأساس بالوصول إلى الطبيب، هذه الحادثة ستقضي على كثير من الآمال المنعقدة على تفهّم أكبر لضرورات الطب النفسي.
الخطأ جسيم لو وقع، ويصعب التسامح معه بخصوص الطبيبة النفسية، وقضائياً يواجَه عادة بصرامة بعقوبة تصل إلى السجن والغرامة المالية.
ولكن كذلك سيكون خطأ كبيراً من كاتب ارتكب أخطاء مضاعفة، أقلّها تجاه الأدب، فهو قبل أن يستغل مريضة نفسية، وربما بما يساهم بتعميق أزمتها، فقد استغلّ أيضاً زوجته، وساهم بتدمير سمعتها المهنية.
وما دمنا لم نسمع من الكاتب، سيظلّ كل ما نقول محض افتراضات وتكهنات سيزيد منها صمته.
* كاتب من أسرة «القدس العربي»