معاريف: إيران أمام السؤال الملحّ.. الغرب أم “الحرس الثوري”؟

حجم الخط
0

في كتاب الطبيب دولتل، يُروى عن حيوان برأسين كل واحد منهما في اتجاه مغاير. هذا على ما يبدو هو الوضع الذي يميز سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران في الفترة التي بين إدارة بايدن الراحلة وإدارة ترامب الوافدة في 20 كانون الثاني. المثل القائل “السقوط بين كرسيين” وكأنه ابتكر لهذا الوضع، وفي هذه الأثناء يسمح الوضع لطهران بالنزول عن الشجرة العالية التي تسلقتها، وتقرر ألا تقرر إذا كانت ستهاجم إسرائيل ومتى.
في الأسابيع الأخيرة، تنافس خبراء ومحللون في طرح فرضيات وتخمينات في هذا الموضوع. هناك من حلل الوضع كحرب نفسية إيرانية ضد الجمهور الإسرائيلي. لكن في نظرة أدق، يتبين أنها ليست حرباً نفسية، بل تشخيص للقيادة الإيرانية لمكانتها الاستراتيجية المتدنية ومبادئ عقيدتها الأمنية.
هجوم إسرائيل على المنشآت الأمنية في أراضي إيران في 26 أكتوبر، والأعمال العسكرية الإسرائيلية النشطة ضد وكلاء إيران، حماس وحزب الله، وضعت عقيدة الأمن الإيرانية القائمة على الامتناع عن مواجهة مباشرة مع إسرائيل موضع الشك، فما بالك مع الولايات المتحدة وعلى الاستناد إلى وكلاء إيران كخط دفاع أول. إضافة إلى ذلك، أشارت الهجمات الإسرائيلية لإيران بأن استراتيجيتها النووية أيضاً قد تتعرض للتهديد أو للتأخير على الأقل. إضافة إلى ذلك، فإن تدهور الدولة اقتصادياً جراء العقوبات قد يمس باستقرار الحكم، خصوصاً حين تصبح المبالغ التي تنفق على الزبائن الفلسطينيين بمثابة شوكة في عيون الجمهور الإيراني، الذي يكافح ضد أزماته الاقتصادية المتفاقمة. كل هذا وضع القيادة الإيرانية أمام معضلة: هل تحاول تخفيف حدة التوترات مع الغرب ومع الولايات المتحدة بخاصة، كما تريد القيادة المدنية، أم تواصل خطاً كفاحياً للحرس الثوري، الذي يرى في الولايات المتحدة “الشيطان الأكبر” ويسعى إلى إبادة إسرائيل؟
التناول السليم لهذه المعضلة الإيرانية، واستخلاص الاستنتاجات العملية منها، سيكون اختبار إدارة ترامب. وها نحن نعود للحيوان ذي الرأسين للدكتور دولتل: إلى أين ستتجه الولايات المتحدة؟ لقد تعهد الرئيس بايدن بألا تحوز لإيران في ورديته سلاح نووي، واتجه أساساً إلى استئناف الاتفاق النووي معها. لكنه لم يرد على سؤال ماذا يعني هذا في موضوع الفترة التي بعد نهاية ورديته. في الفترة المتبقية لها، تبذل إدارة بايدن كل جهد، سواء بخطوات دبلوماسية أم بمرابطة قوات في الشرق الأوسط، لمنع اتساع المعارك من هذه المنطقة إلى حرب إقليمية واسعة من تورط الولايات المتحدة أيضاً.
وأشار مراقبون في العالم إلى أن نتنياهو أثبت بأنه حال وجود مصلحة أمنية حيوية على جدول الأعمال، فإن الاستجابة لمطالب الولايات المتحدة، مع أهميتها، لا تشكل دوماً اعتباراً حصرياً. لكن إسرائيل ملزمة أن تأخذ في الحسبان الآن سيناريوهات محتملة بعد 20 كانون الثاني. صحيح أن ترامب أوصى رئيس الوزراء بـأن “يعمل ما يجب”، لكنه لم يفصل. ومثلما كتب جون بولتون، مستشار الأمن القومي للرئيس ترامب في ولايته الأولى (إلى أن تنازع): “واضح أن سياسة الشرق الأوسط الأمريكية ستتغير تحت ترامب، لكن السؤال هو: هل ستغير بما يكفي؟”. يطرح بولتون تخوفاً من عودة ترامب أساساً إلى سياسته في “الضغط الأقصى” أي تشديد متطرف للعقوبات وغيرها من القيود الاقتصادية على إيران، ولن يتخذ وسائل أخرى، حتى لو لم تكن خطوات حربية مباشرة وفورية، تشكل تهديداً مقنعاً باتخاذ مثل هذه الخطوات في المستقبل.
ثمة من يذكر أن ترامب تحدث في ولايته الأولى عن تحسين الاتفاق النووي وليس عن إلغائه. وحذر آخرون من أن تؤدي سياسة “الضغط الأقصى” إلى توثيق علاقات إيران الاقتصادية والجغرافية السياسية مع محور المقاومة الذي يضم الصين وروسيا وكوريا الشمالية. وفي مقلوب على مقلوب، يحذرون من أنه إذا ما تعاظم ميل الانعزالية والامتناع عن التزامات دولية في إدارة ترامب، فربما تلجأ السعودية والإمارات لاتخاذ خطوات لتحسين العلاقات مع إيران.
إذا ما تطورت بالفعل اتصالات بين الطرفين، سواء في ما تبقى من ولاية بايدن (غير محتمل) أم بعد قيام إدارة ترامب، واضح أن العلاقة بين إيران ووكلائها ستكون على جدول الأعمال. ستطلب إيران وقف الأعمال العسكرية الإسرائيلية ضدهم، فيما ستطلب الولايات المتحدة تفكيك هؤلاء الوكلاء، أو تقييدهم على الأقل. في كل حال، سيتعين على إسرائيل العمل على إسماع مواقفها وقبولها – خشية أن نعود إلى الوضع المشوه الذي ساد بعد حرب لبنان الثانية، بخلق مظهر تسوية فقط لنشوء واقع أخطر بكثير في غضون وقت قصير.
زلمان شوفال
معاريف 19/11/2024

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية