فاروق يوسف’وأخيرا. وأخيرا. وأخيرا’ صرت أردد كمن يهذي منتشيا وأنا أقرأ مقال الفنان اليمني عوض بريوم بعنوان (الوصاية على الذائقة) المنشور في ‘القدس العربي’ (1 آب 2012). لم تنبعث نشوتي بسبب الأفكار، فغالبا ما يكون الفكر مصدرا لشعور عميق بالشقاء. لكن ما أثار حماستي الاستثنائية أن المقال كشف عن رغبة كاتبه في المشاركة المسؤولة في التأسيس لمفاهيم ثقافية مشتركة، يكون أساسها الحوار القائم على مراجعة الأفكار النقدية من خلال تعريضها لمصفاة موضوعية، تكون الخبرة من خلالها مادة للبناء وليس للاستعراض الشخصي. فرحت، لأنها المرة الأولى التي يحدث فيها أن يقول رسام (ناقد) عربي كلمته في قضايا اشكالية صارت ومنذ سنوات تؤرقني وتقلقني وتدفعني إلى البحث بين ثناياها عن أجوبة مقنعة، يكون في إمكانها أن تؤسس لقاعدة نظرية، ربما تعيننا على فهم ما يجري لنا، في الفن ومن خلاله. كان صمت الفنانين العرب مريبا. بل ويدعو إلى الحيطة والحذر والاشفاق أيضا.بريوم اخترق ذلك الصمت. وكان صادقا ومخلصا وعميقا. لكن ذلك كله لا يعني أن ليس هنالك سوء فهم، قد وقع في مكان ما، ربما بسبب اللغة، وهي غالبا ما تخون. أقصد لغتي (خيانة المعنى ممكنة في كل لغة). خاصة وان الفنان قد حصر اهتمامه بمقالتي (في مكيدة الفنون الجديدة: خيانة الجمال أم ماكنة لانتاج الأفكار) المنشورة في ‘القدس العربي’ في وقت سابق. في تلك المقالة كنت قد كشفت عن هاجس صار يراودني منذ زمن ليس بالقصير: اننا نخون الجمال الذي صار يقل، بسبب جرينا اللاهث وراء الأفكار، وهي ليست بضاعة ذات قيمة كبيرة في الفن. في المقابل فقد سعيت إلى التأكيد على أن الفنون الجديدة ليست وريثة للإنواع الفنية (التقليدية)، وبالأخص الرسم والنحت، وبذلك فهي لن تكون في اية حال من الاحوال بديلة عنها. لكن كل هذا لم يكن إلا جزءا صغيرا من الفكرة التي ما فتئت اكافح من أجل أن تصل إلى الآخرين. كان الفنان بريوم واضحا حين أقر أن اهتمام المؤسسة الفنية في الغرب بفني الرسم والنحت لا يقل عن اهتمامها بالفنون الجديدة (من جهتي فأنا أشك في ذلك)، وهو النقيض الكامل لما يجري في الوطن العربي، حيث صارت المؤسسة الفنية العربية لا تولي اهتمامها إلا لفنون التجهيز والفوتو والفيديو والحدث والاداء الجسدي والمفاهيم (ذكرت في مقالي المذكور سلفا حالة واحدة من فن المفاهيم. وهي الحالة التي تكشف عنها المعارض التي تتألف من جمل مكتوبة على الجدار واقترحت أن يؤلف الفنان كتابا، تكون تلك الجمل مادته، بدلا من اعتبار ما يقوم به فنا. اما فن المفاهيم بما قدمه كوست وحركة فلوكسس فلا يحق لي الغاؤه بغض النظر عن موقفي الجمالي منه. لقد صار ذلك التيار الفني جزءا من التاريخ). ولمناسبة التاريخ، فإن مؤرخ الفن البريطاني هربرت ريد كان قد اعتذر عن اكمال كتابة كتابه (موجز في تاريخ الفن الحديث) حين وصل إلى مرحلة ستينات القرن العشرين التي شهدت ظهور فنانين كبار مثل يوزف بويز، الذي يشكل اليوم واحدة من ايقونات فنون ما بعد الحداثة. وحتى هذه اللحظة، هناك نقاد فن كبار في مختلف انحاء العالم ما فتئوا يتخذون مواقف سلبية من التحولات العصابية المتشددة التي تسيطر على ظروف العروض الجديدة، حيث الاستقواء بالمال قد عبأ الطرق التي تقود إلى الفن بداهات، صار الايمان بها قسريا. هذا هو الفن، وفق مزاج العصر الذي نعيشه. هنا نقع في المسافة التي تفصل بين الفن واللا فن، وهي مسافة وهمية في كل تجلياتها، غير أنها تظل ضرورية لكل من وجد في الفن شغفا شخصيا وخلاصا مصيريا. ما من شيء يتعلق بالوصاية حين يعلن المرء عن ندمه لانه يشعر أنه قد خان الجمال في لحظة مبهمة من حياته. الموضوع يظل شخصيا. غير أن ذلك الاعتراف ينبغي أن لا يُجتزأ من فلسفة النص التي لا يمكن التعرف عليها من غير العودة إلى نصوص سبقت ذلك النص. وهو ما يجعلني اعيد التأكيد على أن مصير الفن في هذه المنطقة الحائرة (الوطن العربي) هو ما يعنيني بالدرجة الأساس. ازاء ما يجري من أحداث فنية هل يمكنني أن أكون متفائلا؟ لن تخيفني تهمة التشاؤم. لقد كتبت في الاونة الأخيرة نصا طويلا هو مقدمة لدليل يؤرخ لمعرض للفن العربي سيقيمه معهد العالم العربي في باريس خلال شهر تشرين الأول المقبل. المعرض وإن كان كبيرا، فانه لا يستعرض إلا عينة صغيرة ملتقظة من مشهد فني لا يزال يعيش فوضى تناقضاته وانقلاباته العشوائية وتوزعه بين تيارات فنية وفكرية متناحرة. تلك العينة تزودنا بفكرة قد تكون عارضة، غير أنها ضرورية من أجل أن نفهم موقفنا. لقد اهتدى الكثير من الفنانين العرب الجدد إلى فكرة غريبة مفادها ان الرسم والنحت قد انتهيا، صارا فنين منقرضين ولا مستقبل لإي فنان لا تزال حشرة الجمال تطن في رأسه. لقد انتهى الجمال هو الآخر. عصرنا هو عصر الأفكار. ابتكرْ فكرة، تجد الاف الدولارات قد مُدت تحت قدميك مثل بساط. بالنسبة لأنش كابور أو جيف كونز أو دامين هرست فإن الملايين هي الرقم المقبول. في ظل مثل هذا التحول ألا يعد الكلام عن المعادلة الثلاثية (الفنان، العمل الفني، المتلقي) التي كانت تختصر الممارسة الفنية يوما ما نوعا من تقليب الوجع القديم؟ صار هيرست على سبيل المثال نموذجا، يحلم الكثيرون في الوصول إلى الايدي التي امتدت إليه لكي تصنع منه مليونيرا أو أكثر، بالرغم من أن قيمته الفنية لا تزال في دائرة الشك. مَن رأى كيف تُصنع لوحات هيرست على أيدي صناع محترفين لابد أن يصاب باليأس. فنان مخلص، ربما يصاب بالهيستريا وهو يتذكر عناء رامبرانت وهو يستخرج الضوء من العدم. الفن اليوم تصنعه الأموال، وهو لا يمكن أن يكون موجودا من غير رعاية أصحاب تلك الأموال. هل كان في إمكان كابور أن يصنع مرآتيه الشهيرتين من غير أن يلجأ إلى المؤسسات المالية؟في هذه الحالة لا أقبل أن أمثل دور المتفائل. شيء ما ينحط بنا، يأخذ أرواحنا إلى القاع بدلا من أن يرتقي الفن بتلك الارواح إلى السماء. لا يتعلق الأمر بالذائقة هذه المرة، بل بمصير الإنسان. ليست للعقائد الشمولية علاقة بما أقول. فأنا كنت ولا أزال أفكر بطريقتي الشخصية التي تقبل الخطأ، غير أنها لا تنحرف عن التفكير بالانصاف. انصاف الآخر بالقوة نفسها التي يجري بها انصاف الأنا. سيقال أننا (في الحالة العربية) لا نشكل إلا برغيا صغيرا في الماكنة الكبيرة التي تنتج فن اليوم. وهذا صحيح. غير أن ذلك لا يقف حائلا بيننا وبين ممارسة النقد الغاضب. هناك ما يؤسس لبشرية ناقصة. صار الفنانون خدما في مشروع يتجاوز وجوهم المباشر، مشروع لا يفهمون منه شيئا، ذلك لانه يستعملهم أدوات في التأسيس لجزء من مساره الغامض. مَن قال ان هيرست سيبقى خالدا إلى الأبد مثل تورنر أو ماتيس أو فيلاسيكز؟ المؤامرة (وهي كلمة صارت تخيف الكثيرين) لا تستهدف الفن في حد ذاته، بل تسعى إلى استعماله في تحقيق أكبر قدر من الفوضى في المفاهيم الإنسانية. سيكون الفن سواه. ستكون الحياة غيرها. سيكون الإنسان نقيضه. ستكون الحرية قيدها. وهو ما يجعلني متأكدا من أن الفن سيكون عدو خبرته مثلما ستكون الحياة قبرا لنفاياتها.أخيرا أقول للفنان اليمني عوض بريوم، أخا في المحنة، شكرا.