المرأة أمّ الإنسان. تحمله في بطنها وبين أحضانها. وهو لا يعي غير طابعها الذي يبرزه في حياته من بعد، وترضعه لبانها.تغذيه من دمها وقلبها. وهي الزوج الأليف تشبع جوع نفسه، وتذهب وحشة انفراده. وتبذل من صحتها وراحة قلبها لتحقيق حاجاته وتذليل العقبات أمامه. وتغمره بعواطفها فتخفف عليه وقع المصائب والأحزان وتحدد فيه نشاط الحياة.
وهي نصف الإنسان وشطر الأمة نوعا وعددا وقوة في الإنتاج من عامة وجوهه. فإذا كنا نحتقر المرأة ولا نعبأ بما هي فيه من هوان وسقوط فإنما ذلك صورة من احتقارنا لأنفسنا، ورضائنا بما نحن فيه من هوان وسقوط. وإذا كنا نحبها ونحترمها ونسعى لتكميل ذاتها. فليس ذلك إلا صورة من حبنا واحترامنا لأنفسنا، وسعيا في تكميل ذاتنا.
غير أننا قد اعتدنا في نظرنا للمرأة ان نراها منفصلة عن الرجل لا شأن لها في تكييف نفسه وحياته. وأحرى أن لا يكون لها شيء من ذلك في نهوضه الشعبي أوسقوطه. فكنا بذلك نتجرع مرارة الخيبة في حياتنا من كل وجوهها دون أن ندرك مصادرهذه الخيبة النامية فينا فنعمل لزوالها.
الناس أمام المرأة فريقان: أنصار لها، ومعارضون، ولكنهم في الغرب غيرهم في الشرق. والفرق بينهم بعيد جدا كالفرق بين امرأتهم وامرأتنا. فهم في أوروبا متفقون على تعليم المرأة وتربيتها وعاملون في ذلك جميعا لتقوم بعملها كاملا في المنزل وتربية الأبناء، مع تمكينها من الحرية المدنية لاستثمار مواهبها في الأعمال الأدبية والمادية العائدة بالخير على منزلها أو على الثقافة العامة، ولتأخذ حظها أيضا في الانتفاع بمباهج الحياة.
وقد نالت من ذلك ونال منها المجتمع الأوربي أوفر نصيب. ثم هم يختلفون بعد في تقدمها مع الرجل إلى الإنتاج المادي، وسيادة الدولة وتحمل أعبائها بالمساواة معه حتى لايمتاز عليها في شيء، وهذا ما تسير له اليوم في تيار قوي.
فالمعرضون يرون في ذلك تضييعا لوظيفة المرأة في المنزل والنسل وتثقيفه، حيث تنهمك في الأعمال العمومية التي تذيب جهدها، وتغمر وقتها حتى لا يبقى منه لشيء آخر، زيادة عما في ذلك من منافسة الرجل في طلب العمل.
تلك المنافسة التي كانت من عوامل البطالة في جهات أروبا بينما هي لا تقوى على عمل الرجال فتأتي به كاملا مثلهم. والأنصار يرون تجربتها في ذلك أيام الحرب الكبرى، وبعدها، دليلا واضحا على النجاح الذي تجده بدأ بها في المستقبل، ولا ينبغي أن يعتبر هذا النجاح في الشعب إلا قوة جديدة فيه، وتوفير الإنتاج المادي والمعنوي وعونا له عليه في حد لا يضيع همة النسل.
وإذا كانت وظيفة تربية الأطفال التي تمتاز بها المرأة تضر بها هذا الإتجاه فإن تأسيس معاهد الأطفال والإكثار منها يرفع كثيرا من هذه التبعة على المرأة حتى يزيلها بالتدريج. وقد أخذت الدول الأروبية اليوم تباعا بهذا الرأي مع التدريج فأفسحت للمرأة في مقاعد النيابة وكراسي الحكم في الدولة.
أما في الشرق فامرأتنا إلى الآن تعيش وراء الحجب وأنصارها منا يرون في تربيتها وتعليمها علوم الحياة العامل الوحيد في تقويم حياتها، وتأدية واجبها في المنزل والعائلة كاملا فتنجب لنا رجالا ونساء يملأون أوطانهم أعمالا تكسبها الفخر وتحقق لهاالنصر في الحياة.
ويرون مع ذلك حقا شرعيا وطبيعيا أن تستثمر المرأة حريتها المدنية في استعمال مالها من حق مباشرة بنفسها، وأخذ حظها من متاع الحياة كالرجل سواء. والمعرضون لها منا يرون في هذا القدر خروجا بالمرأة عما يجدر بها من الانزواء الذي يمنع الفتنة، والحجر الذي عليها للرجل (…).
ولو تأملنا موقف المرأة مع المسلم العربي الذي جاهد لفتح الممالك وانتصر، لرأينا أنها تبعث في صدره روحا جبارا هو سر نجاح تلك المدنية فوق ما كان لها من معارف علوم الدين وفنون الأدب نظما ونثرا. وقد كانت تبلغ فيها من الشأن غير ما وقفت عنده لو كانت أوفر تعليما وتهذيبا وحرية.
ولعلنا نلمس هذا الروح قائما في أنفسنا نحن الرجال حتى اليوم إذ تتقدم المرأة في عمل شريف لانتشال وطنها والذود عنه. فتبعث بذلك فينا الحياة والجرأة إلى الحد البعيد. ولكن هكذا شاء حمقنا الأخرق أن نتأخر إلى الوراء حتى الموت. بينما على مرأى منا ومسمع يتقدم غيرنا بسرعة إلى الأمام ظافرا بالحياة.
إن الإصلاح الإجتماعي ضروري لنا في عامة وجوه الحياة. وعلى الخصوص ما كان منه متعلقا بوجودنا في الحياة. وقد رأيت بعين اليقين ان الإسلام بريء من تهمة تعطلية الإصلاح، بل هو دينه القويم ومنبعه الذي لا ينضب.
وما كان انهيار صرحنا إلا من أوهام اعتقدناها وعادات مهلكة وفظيعة حكمناها في رقابنا. وهذا ما حدا بي أن أضع كتابي هذا عن المرأة في الشريعة والمجتمع لنرى أيهما الهادي وأيهما الضال المضل. وعسى أكون بهذا قد أديت واجبا في عنقي أراه دينا علي لجنس أنا أحد أفراده وأمة أناواحد من أبنائها.
مقدّمة «امرأتنا في الشريعة والحياة»، 1929
لا حداد على الحدّاد
إذا كان طه حسين قد اعتبر أنّ (1899 ـ 1935)، المفكّر التونسي الإصلاحي، والنقابي الرائد، قد «سبق قومه بقرنين»؛ فإنّ الجهلة والمتشددين والغلاة من أبناء جلدته ساموه أقصى العذاب، فكفّروه وضيّقوا عليه وعزلوه، حتى توفي مبكراً، في السادسة والثلاثين: وحيداً، منتبَذاً، صريع المرض والفاقة، لكنه ينبض بالتوق إلى الحياة والحرّية والتقدّم.
وقبل أسابيع، بعد انقضاء 80 سنة على رحيله، استأنف احفاد الجهلة، إياهم، ما بدأ به أجدادهم من عسف ضدّ ذلك التونسي المستنير السبّاق، فبادروا إلى فصل رأسه عن تمثاله في مسقط رأسه، بلدة الحامة، من أعمال قابس، جنوب تونس… وكأنّ أفكاره الإصلاحية ما تزال تنتهك عقولهم الظلامية.
لافت أنّ الحدّاد، وبعد أن درس الفقه الإسلامي في الزيتونة، اختار السياسة أوّلاً، من باب العمل النقابي (أصدر كتاباً رائداً بعنوان «العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية»، كما أسس أوّل نقابة مستقلة في البلاد)؛ ولم تكن مصادفة أنّ يكون أحد أبرز مؤسسي الحزب الدستوري الذي أطلقه الشيخ عبد العزيز الثعالبي. لكنّ مقالاته ذات الموضوعات الجسورة، خاصة تلك التي تناولت محرّم تحرير المرأة (والتي سوف تُجمع بعدئذ في كتابه الهامّ «امرأتنا في الشريعة والمجتمع»)، ستنقله إلى مصافّ التفكير التنويري والإصلاحي الذي يسعى إلى الاجتهاد البنّاء في فقه الإسلام حول شؤون الحياة والمجتمع؛ وستنتقل به، استطراداً، إلى الواجهة الأولى في هجمات شيوخ التشدد والجهالة.
وهكذا صدرت أعمال تحمل عناوين مثل «الحِداد على إمرأة الحداد» و»سيف الحقّ على من لا يرى الحقّ»؛ كما صدرت فتوى تقول: «لقد تطاول الحدّاد على شرع الله وسنة نبيه الكريم وأخرج نفسه من الدين والذمة، فهو كافر ويُمنع من الزواج بمسلمة»؛ ثمّ مُنع بقرار ملكي من مواصلة دراسة الحقوق، وصودرت كتبه، وسُحبت منه شهادة الزيتونة.
لكنّ أفكار الحدّاد كانت جديرة بأن تحيا من بعده، فتجسدت في أحد أفضل قوانين الاحوال الشخصية في العالم العربي، والذي صدر سنة 1957، وأقرّ جملة حقوق أساسية للمرأة؛ بينها، على سبيل الأمثلة، منع تعدد الزوجات، وإقرار الطلاق القضائي، والتراضي بين الطرفين، والمساواة بين الجنسين، وحقّ المرأة في الانتخاب وشغل الوظائف العمومية دون تمييز في الاجور أو الامتيازات.
وهكذا فإنّ طلب الحِداد على امرأة الحدّاد انقلب إلى احتفاء بها، وبمكانتها في الإسلام؛ ذلك الدين الذي جاء في آيته القرآنية: «إذا الموؤودة سُئلت، بأي ذنب قُتلت»، وقال نبيّه محمد: «أنا أبو البنات…»
الطاهر الحدّاد