دأب الفنان الفوتوغرافي المغترب احسان الجيزاني على اصطياد لقطات مؤثرة هي بمثابة قضية إنسانية متكاملة تنتظر الحلول بأقصر الطرق. ولم يتوان عن إيضاح قصده ومفهومه بالاستعانة بأي مؤثرات ولقطات شارحة تكفي لإعطاء صورة كاملة عن الأصل والمنبع وأساس المشكلة وقد سجلنا له ذلك بعشرات المعارض الفنية نذكر منها «موت في العراق، آثارنا في الخارج، الأهوار، النخيل، الطفولة» حملت جميعها قضايا حساسة لوطن جريح حمل جراحاته إلى العالم من خلال عدسة عكست هذا الكم الهائل من صور التوثيق والفخر والتجسيد لهذه الخلطة التي يعززها اليوم في معرضه الفني عن طائفة الصابئة المندائية التي كان ولا يزال مهدها الأول جنوب العراق. ويعلق الجيزاني على التسمية لأبناء الطائفة بالقول ان الأصح لسكنهم وتواجدهم في (بلاد ما بين النهرين) ويسميهم العراقيون بالعامية «الصبة» ويعيشون على ضفاف الأنهار وخاصة دجلة، وهم جزء من سكان العراق الأوائل عبر تاريخه الحضاري، ويشكلون أقلية دينية ما زالت تمارس طقوسها ودياناتها إلى الآن. لقد ذكر المؤرخون انهم سكنوا مناطق متعددة وهم عموما يسكنون على ضفاف الأنهار لما للماء والطهارة من أهمية في حياتهم الدينية والروحية.. وعند إقامة الدولة الإسلامية كانت هناك أعداد كبيرة من الصابئة في بطائح العراق، في المناطق السفلى لنهري دجلة والفرات بالذات، وفي بطائح عربستان من إيران وقد كان مرحبا بهم في أي مكان لانهم جبلوا على طبيعة كريمة طيبة تحب الخير وتقديم المساعدة لمن يحتاجها.
أما الآن فمركز الطائفة هو مدينة بغداد إضافة إلى تواجدهم في أغلب المحافظات العراقية مثل العمارة والبصرة والناصرية والكوت وديالى والديوانية إضافة إلى تواجدهم في مدينة الأهواز والمحمرة في إيران. وفي الأحداث السياسية والاقتصادية تعرضوا للسرقة والقتل والظلم من أطراف متعددة اعتاشت على طبيعتهم المسالمة التي لا تعترف بالعنف أبدا، لذلك، اضطر الصابئة المندائيون إلى الهجرة إلى البلاد الأوروبية وأمريكا وكندا، وشكلوا بتجمعاتهم الجديدة جمعيات تعنى بشؤونهم ويحاولون جاهدين، المحافظة على تراثهم العريق وهويتهم الأصيلة وتقاليدهم السامية الموغلة في القدم والحضارة. وتجدهم هنا في المانيا نخبة رائعة تصور العراق وحضارته في أبهى حلة كما تناولتها في هذا المعرض في مدينة شتوتغارت والذي لقي الاهتمام من جانب الإعلام والحضور.
عن المعرض وفكرته ولوحاته
يقول الفنان احسان الجيزاني في تعريفه فكرة المعرض «أنقل رسالة إلى العالم إجمع والمتنفذين تحديدا بان العراق مهد الحضارات والأديان هو ليس قطعة كعكة كما يصورها الإعلام الغربي، انه وطن موغل في الحضارة ولا يمكن تقسيمه إلى دويلات، وان فكرة وأساس التعايش السلمي بين الأديان قائمة بأساس متين يجسدها الصابئة في جنوب العراق كأحد أركان الحضارة الكبيرة التي نفخر بها وبرموزها من علماء وشعراء وفلاسفة وغيرهم وان الاستهداف المنظم لهم هو حملة باطلة لافراغ العراق من دعاماته المهمة ولبنات البناء فيه. ان المعرض يتحدث عن حضارة العراق التي احتضنت كل الأديان السماوية منذ القدم ولحد الآن.
تناولت في مجموعة من الصور الفوتوغرافية، طقوسهم الدينية التي يمارسونها عند التقاء نهري دجلة والفرات في البصرة ومعتقداتهم بطهر الماء لغسيل النفوس والقلوب وأخذت كل تفاصيل الطقوس التي يمارسونها بالتفاصيل الدقيقة ومنها تقديس النبات مثل «الياس» الذي يوضع على الرأس كعقال أخضر وكذلك تفاصيل صب الماء على الرؤوس وكيف يربط الحبل على جسم الإنسان وتفاصيل ملابسهم ومعتقداتهم مع الإشارة الصورية إلى الفلكلور الصابئي والثقافة التي لها مكانه مهمة والشعر والجلسات الأدبية الرائعة في محافل أعتبرها دروسا لا تقدر بثمن في مجالس لها مكانتها اثمرت ظهور أروع وأبرز شعراء وأدباء العراق.
وكذلك تفاصيل الزواج الذي يعقد بالقرب من الماء وحياتهم اليومية وأهم المهن والحرف التي يتداولونها تاريخيا ومنها الطرق على الفضة والذهب والطب العشبي الذي يعد من مفاخر فلكلورهم القديم بالإضافة إلى بيوت القصب التي ابدعوا في بنائها في مناطق الأهوار جنوب العراق ولم اغفل تصوير كتابهم المقدس وكلماته وتصوير بورتريه لشيوخهم.
هدفي من المعرض ان أوثق لأبناء بلدي تفاصيل حياتهم اليومية وتمسكهم بموروثهم الثقافي الحضاري الأمر الذي اعده رسالة حية إلى الجميع ان يتفاعلوا مع قضية أبناء الصابئة ويعيدوهم إلى موطنهم قرب الماء المقدس بين النهرين».
المعرض يحتوي على أكثر من سبعة وخمسين صورة ويعرض في مدينة شتوتغارت الألمانية على مدى شهر، والصور جرى التقاطها في كل من ألمانيا والعراق.
محمد حمدي