ديالا قشمر تدخل حياة الشبان المهمشين وتعرضها للجمهور: «أرق» في «حي اللجا» وكل لبنان فهل من يتلقف الرسالة؟

حجم الخط
0

بيروت: القدس العربي: رأت في «أرق» عنواناً ملائماً لفيلمها بالعربية، إنما «حرّاس الوقت الضائع» كترجمة للعنوان بالانكليزية أكثر تعبيراً عن الواقع. قدمت المخرجة ديالا قشمر فيلماً واقعياً ـ تسجيلياً بدء عرضه للجمهور في صالة متروبوليس صوفيل في بيروت بدءاً من 14 أيار/مايو الجاري وإلى 27 منه. فوز حقيقي لفيلم تسجيلي أن يدخل صالة ويعرض لأسبوعين. الفيلم في حد ذاته شكل تحدياً ناجحاً لمخرجة لم تجد مشجعاً لدخول ذاك المكان، وجرأة غير مسبوقة في تقديم صورة عن شبّان الشارع، سجلها الشبّان أنفسهم. الشارع هو «حي اللجا» في بيروت. وفي كافة أحياء بيروت «حرّاس الوقت الضائع» منتشرون. وفي كافة مدن لبنان، وملايين من شبّان الوطن العربي يعانون أرقاً، ويعيشون حرّاساً للوقت الضائع.
كتبت ديالا قشمر في تقديم الفيلم: «بين الإلتزام والفوضى… بين العقيدة والإنحراف… بين الشهامة والعنف، شارع. لا حدود لهذا الشارع إلاّ من خلالهم، هم الطوق الأمني للمكان وقنبلته الموقوتة في آن، أجسادهم إمتداد لناصيته. هم خلية شبان مهمشين، يُطلق عليهم تسمية «زعران حي اللجا»، يرسمون ملامح شارع شعبي في بيروت، يكشفون النقاب عن عالمهم الغامض الذي يحمل في طياته خصوصية إشكاليات وتعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي في لبنان.»
«حي اللجا» وقبل أن يقصده الجنوبيون كملاذ من خمسينات القرن الماضي، كان حي الملوك. تحولاته الكبرى كانت مع بدء الحرب الأهلية، وتسمية «زعران حي اللجا» عهدها قديم. الحي معروف بقبضاياته. شبان الفيلم يوضحون: «القبضاي من له مركزاً قوياً بالدولة». المخرجة بأدواتها وأبطالها في حي شعبي. كاميرا تدور ليلاً ونهاراً. ليلا كانت لحظة البوح الصافية وفي حماية السماء. إنها وحدة الحال بين الشبّان والزاوية. يمتد الشريط لمدى ساعة و50 دقيقة، زمن ليس بثقيل في لقاء إنساني وودي توطد على مر الأيام بين ديالا وشخصياتها السبع. حازت ثقتهم، كسرت الحواجز بينها وبينهم، تحولوا لأصدقاء. زادت شفافيتهم، وكثر بوحهم. تلك الثقة بين مخرجة ومن يحملون صفة «زعران حي اللجا» حمستهم لحضور العرض الأول، والظهور أمام الجمهور والرد على اسئلته. كانوا ستة شبان توسطتهم قشمر. ظهورهم بحد ذاته جرأة مطلقة. خطوة ثمّنها الحضور فكان تصفيق وتحية كبيرة لهم. وتحية منهم لزميلهم السابع أحمد ياسين «الذي نام ولم يستيقظ» قبل اسبوعين من العرض الافتتاحي.
في «حرّاس الوقت الضائع» جاذبية خفية، ربما هي متمثلة في إنفلات الشريط من الشكل التسجيلي المتقطع، ليلج إلى الشكل الروائي. يتابع حياة شبان تائهين لا أمل لهم بالمستقبل. هم وكما غالبية شبّان لبنان مشدودون إلى العصب الطائفي المذهبي. «ما فيي شوف ابن طايفتي فايت بمشكل وما فوت»! يقول أحدهم. «زعران» كانوا أم «قبضايات» فالآخرين يتجنبون الاحتكاك بهم. «أخبطها في النهار» أي يتعاطى المخدرات، يقولها أحدهم. وآخر يدخل كادر الكاميرا بالكثير من الود. يرطن بإنكليزية مغلوطة. لقبه وحده يستحق البحث «التري بتي». خفيف الظل، موقفه جلي من العدو الاسرائيلي. «لما فوت عالحبس الكل بينسوني»، ويقصد زعماء طائفته. ويلفت آخر: على الشاب في لبنان أن يمتلك المال أو القوة. نحن نمتلك القوة. وفي وصف قاتم لحالهم يقول أحدهم: نحن فيلم أكشن على كوميديا.
مجموعة اختبرت السجن أكثر من مرة، بتهمة الاعتداء على القوى الأمنية، إثارة النعرات الطائفية أو تعاطي المخدرات، سألتهم المخرجة على التوالي: كيف ترى نفسك بعد عشر سنوات؟ اجابات مغمسة بالندم: «نحنا صفر ع الشمال أذينا أنفسنا. حلمي أرجع عيد حياتي من جديد. أحلم بطفلتي صبية بعد عشر سنوات. لكنه رحل سريعاً هو احمد ياسين. حلمي أن أكون راضياً عن نفسي وارضي اهلي وأن أعيد حياتي من جديد. تعبت ما بدي أرجع للمخدرات.»
في «أرق» اللون رمادي قاتم. الحصيلة نقمة على سياسيين يستغلون الشبان، ويتناسون حاجتهم للعمل والعيش الكريم. هم شبان يستحقون التحية كونهم وافقوا على التعرّي الكامل أمام الجمهور. وخلال وجودهم على المسرح قال أحدهم الملقب بالسنفور: علّ ما تمّ عرضه يكون عبرة للآخرين. الإدمان أخطر من السرطان. نحن نحتاج للمساعدة. هذه رسالة من رسائل الفيلم. فماذا تقول المخرجة ديالا قشمر لـ «القدس العربي»:
○ لماذا اخترت «حي اللجا» مسرحاً للفيلم؟
• يشبه اللبنانيون «الشبيح» ب «زعران حي اللجا أو البسطا». لهؤلاء شهرتهم في بيروت، قبل الحرب الأهلية كانوا «قبضايات». لجأ الجنوبيون إلى بيروت في منتصف القرن الماضي، امتلك أغلبهم بسطات في الوسط التجاري وبخاصة في سوق النورية. نُظر إليهم كغرباء يقتنصون أرزاق أهل المدينة. كان عليهم حماية انفسهم ورزق عائلاتهم. منذ ذلك الحين هم قبضايات. مقاربتي الداخلية لهؤلاء إنهم بشر أمر بقربهم، أزور حيهم، أجد فيه مباني جديدة. وأجد نفسي على تماس كلّي مع بشر من طبقة اجتماعية متوسطة. منذ صغري والتحذير متواصل من «زعران» هذا الحي أو ذاك. لهذا نمت في خاطري رغبة جامحة في دخول حياتهم.
○ هل تأخر الوقت لإكتشاف حقيقتهم؟
• استغرق الفيلم ثلاث سنوات من العمل، ومنذ لقائي بأول شاب حادثته عن هدفي، تسمر نظره بالأرض. طلبت منه النظر إليَ ففعل بخفر. سألت عن الأزعر بداخله؟ هو لم يأكلني، لم يعاكسني ولم يتفوه بكلمة نابية. وتواصلت زياراتي. كنت ارغب بعيش حياة «الزعران» ببساطة تامة. وجدتهم يتميزون بالعمق. صُدمت. كان اللقاء الأول ومن ثم أبحرت في بحث انثروبولوجي لسنة ونصف كي أمتلك الندية معهم، ولأتمكن من دخول حياتهم. أعرف أني عشت في عائلة متوسطة، لكني اعرف أن ملعقة الذهب في فمي، لهذا اردت البحث في كل الاختبارات التي مرّ بها هؤلاء في الشارع. بعدها عدت إلى التصوير.
○ هل كان سهلاً دخول حي اللجا مع الكاميرا؟
• لم يكن سهلاً على الإطلاق مرافقة هذا المخلوق الغريب العجيب إلى الحي. نحن دخلنا إلى ناس لديهم ماض وحاضر وعائلات. وكذلك التزامات طائفية. لم يكن من السهل توثيق الاحكام المسبقة التي نزلت بحقهم. هم بدورهم لهم حكمهم المسبق بمجرد مشاهدة الكاميرا «سيقولون عنا زعران الحركة.. أو زعران الشيعة».
○ هل كنت بحاجة لموافقة الجهات السياسية للتصوير في حي اللجا؟
• دخول الكاميرا إلى أي حي في لبنان يحتاج لإذن من الحزب الحاكم بالتوازي مع اذن الأمن العام. وهذا ما نعرفه جيداً في عملنا.
○ في مسار الفيلم سمعناك تقنعين الشباب أنه سيُعرض في مهرجانات خارج لبنان لماذا؟
• مشهد يعود لسنة 2010 التي شكلت مرحلة بناء العلاقة مع الشباب. في حينها لم أكن قد ولجت قناعتهم. لشدة رفض المجتمع لهم، لم يكن سهلاً اقناعهم بأني بصدد فيلم لأجلهم وليس عنهم فقط. ذهبت إليهم كبشر في تجاوز كلّي للحرب الأهلية والطوائف والأحزاب وتبعاتهم. كنت بصدد الحوار مع شباب من جيلي، فأعمارهم تترواح بين 26 و30 سنة. هؤلاء الشباب من طبقتي الاجتماعية، أحدهم له أخ طبيب. هم ليسوا أبناء شارع ولا قطاع طرق، بل لهم عائلات تخاف عليهم.
○ يُعرف أن السيطرة في حي اللجا للطائفة الشيعية ألم يكن هناك إعتراض على اظهار شبان الحي بهذه الصورة؟
• دعوت قيادات من الحي للعرض الافتتاحي. لبوا الدعوة وشكروني قائلين: لقد انصفتنا. وبالمناسبة من ظهروا في الفيلم ينتمون لأكثر من طائفة اسلامية وليسوا جميعهم من الشيعة. نحن نعرف أن المنتمين لأحزاب الطوائف جميعها في لبنان لا يتركون فرضاً ديناً، وكذلك يبلطجون. هم بشر مؤمنون ملتزمون دينياً سواء كانوا من عين الرمانة، طريق الجديدة أو حي اللجا. هو جيلنا الجديد الذي يعيش كافة أنواع التناقضات، بين العائلة والشارع، بين العقيدة والانحراف، بين الإلتزام والفوضى، بين الشجاعة والعنف، وغيرها من التناقضات. لهذا هم بشر غير اسوياء، ويشبهون الشارع الهش الذي يغلي.
○ ما هي أصعب اللحظات التي مررت بها؟
• اختبرت الكثير من الصعاب. بطبيعتي انسانة فطرية وحنونة. تعذبت جداً في اقناع هؤلاء الشباب بأن أي مشهد يضر بهم لن يكون في الفيلم. كلام ارهقني لكثرة ما رددته. كان الفيلم يتعرض للتوقف، ومع كل عودة إليهم كنت أشعر بولادتي من جديد. فهم بشر أفكر فيهم طوال يومي. وفي كل عودة إليهم كنت أعيش عذابي النفسي من جديد. ما لم يتضمنه الفيلم علاقتي الانسانية التي تكونت مع هؤلاء الشباب. فلست بصدد فيلم يحقق الجوائز على حساب مشاعر وكرامة الآخرين. أنا ديالا قشمر أتصل بوزارة الصحة طالبة بإلحاح مساعدة هذا الشاب أو ذاك للعلاج من المخدرات. ساعدت بعضهم للشفاء من الهيرويين. هذا لم يدخل الفيلم لأنه صلة شخصية وليس سينما. الفيلم بحد ذاته ترك المشاهد يشعر بالوقت والمعاناة. إنما خارج الفيلم كان الوجع كبيراً. الوجع لا يزال يرافقني.
○ هل وضعت خطة لعملك أم رسمت الكاميرا مسارها وفق حكم الأشخاص والشارع؟
• سذاجتي كانت واضحة في بداية الفيلم. رفضوا تصويرهم في الشارع، ووافقوا على مرافقتي لهم إلى الشقة. وجدت نفسي أطرح اسئلة ساذجة. كنت مرعوبة منهم. أرتجفت فعلاً. هذا التصوير داخل المنزل تركني أنقطع عن المتابعة وأنصرف للبحث، ومن ثم اصر على النزول إلى الشارع. أقنعت الحزب الحاكم، وأهل المنطقة والشباب بأن التصوير سيتم في الشارع. علاقتي الوطيدة بهؤلاء الشبان جعلت الجميع يتسابق لمساعدتي. بصراحة حركة أمل في حي اللجا تعاملت معي بعقل منفتح جداً.
○ طال زمن التصوير لسنوات فما هو السلاح الذي جعلك تثابرين حتى النهاية؟
• تسلحت بكم رائع من الحب. الحب هو الذي أخذ بيد الفيلم حتى خواتيمه.
○ كيف استسلم هؤلاء الشبان للكاميرا؟
• معطياتي لهم كانت قوية لهذا صدّقوني وصادقوا الكاميرا. اقتنعوا مني بأن لا شيء اضافي يخسرونه وليقولوا ما لديهم. لم يُعرض الفيلم في بيروت قبل الاطمئنان بأن أحداً لن يضر بهؤلاء الشباب. أخفيت الفيلم بحرص شديد. انتهى المونتاج في 2013 ولم يظهر مشهد واحد منه على الانترنت. هو حرص مني على هؤلاء الشباب وعلى الفيلم. مسؤوليتي هذه ناتجة من ثقتهم بي. وثقتهم نتجت عن معطيات كثيرة قدمتها لهم. يتصلون بي في أي وقت من اليوم. يطلبون مرافقتهم إلى الطبيب. تسهيل اجراء اختبار صحي. وجدوا من يشعرهم بإنسانيتهم. في حين وخلال التصوير كان يمر من يقول بشيء من الشماتة: «شو بدك فين هول». للمرة الأولى يجدون من يتعاطى معهم كإنسان. بعضهم شُفي من المخدرات. ومنهم من أرافقه اسبوعياً للإختبار لدى الطبيب. في حين يقول عجوز في الحي «هذا كذّاب لا تصدقيه»؟ هكذا يعاملهم الشارع.
○ ما هو الحافز الذي شجع والد علاء على الظهور في الفيلم؟
• اعتقدني القشة التي يجب أن يتعلق بها لإنقاذ ابنه.
○ كيف هو علاء حالياً؟
• في وضع سيء. لا أملك القدرة على إنقاذه. لست الدولة. لا قرار للخلاص لدى علاء، لأن الغد في حياته غير موجود. هو انسان مدمر منذ وعيه بالحياة. لكنه أفضل بكثير من لحظة لقائي به. آمل وجود من يتمكن من اعادته إلى الحياة. من المهم التأكيد عبر الصحافة بأن هؤلاء الشباب يغادرون السجن، يتلقون العلاج، يبحثون عن عمل، يُطلب منهم السجل العدلي، يكون عليهم رفع النقاط السود أو تبييض السجل، والبدل أربعة ملايين ليرة لبنانية؟ Papi الشاب الثري يدفعها سريعاً ويصبح السجل نظيفاً من تعاطي المخدرات. حدث وتمكنا من ايجاد عمل لأحدهم، وبمجرد معرفة رب العمل بتاريخ هذا الشاب الذي تداوى من الإدمان، صرفه. كان عريساً للتو ورغب من اعماقه بالابتعاد عن ماضيه، لكن أحداً لم يأخذ بيده. الوطن جميعه يشد بهؤلاء للخلف. أردت من الفيلم أن يكون صرخة لمساعدة هؤلاء الشبان وهم في كافة أنحاء لبنان. لقد دعوت لمشاهدة الفيلم 30 جمعية أهلية حضرت فقط اثنتان، وأربعة صحافيين. حتى وزارة الشؤون الاجتماعية لم ترسل ممثلاً لحضور العرض، وكذلك وزارة الشباب والرياضة التي تقود مشروعاً بالملايين مع الأمم المتحدة لتنمية الشباب؟ تعبت.
○ وأخيراً؟
• أشكر الصحافة التي اتفقت على أهمية عرض الفيلم في الصالات اللبنانية.

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية